الفيلسوف الإسباني خوسيه أورتيغا إي غاسيت في كتابه «تمرد الجماهير»
30-01-2011
ثمة كتب تولد من جديد مع صدور كلّ طبعة جديدة منها. هكذا الحال مع كتاب «تمرّد الجماهير» للفيلسوف الإسباني خوسيه أورتيغا إي غاسيت الذي صدر في ترجمة فرنسية جديدة عن منشورات «لي بيل ليتر» الباريسية، وكانت صدرت ترجمة أولى في فرنسا عام 1937، أي بعد سبع سنوات من صدوره لأول مرة باللغة الإسبانية. نُقل هذا الكتاب إلى لغات عدّة وأمسى في العالم أجمع بمثابة المدخل إلى فكر أورتيغا إي غاسيت وأحد المراجع الفكرية الأساسية في القرن العشرين. وهو يمثّل محطة بارزة في تاريخ الفلسفة السياسية ويسهم، بصورة خاصة، في تعميق مفهوم الحرية الفردية وكذلك مفهوم الجماهير والأقليات والدولة، انطلاقاً من نزعة إنسانية تجعل نتاج مؤلفه امتداداً لنتاجات مفكري عصر الأنوار.
كتاب «تمرّد الجماهير» قرأته في لغته الأصلية مطلع التسعينيات، ثمّ أعدت قراءته، في الأيام القليلة الماضية، بترجمته الفرنسية. في القراءتين، على الرغم من الفترة الزمنية التي تفصل بينهما، هالني نفاذ رؤيته وقوّة تحليله. ولئن كان الكتاب ينطلق من الواقع السياسي والاجتماعي لمرحلة العشرينيات، فإنه يتجاوز تلك المرحلة ويستشرف المراحل اللاحقة وصولاً إلى حاضرنا الراهن. وهو، بهذا المعنى، ليس كتاباً سياسياً لأنه ينبش في الطبقات الأعمق السابقة للسياسة ويساعد على فهمها بجلاء نادر. إلى ذلك، نراه يضع «المثقف» في الجهة المعارضة للسياسي. نتاج المثقف، بحسب رأيه، يطمح (وغالباً بدون جدوى) إلى توضيح الأمور ولو قليلاً، فيما ينزع نتاج السياسي إلى جعلها أكثر غموضاً.
يتحدث خوسيه أورتيغا إي غاسيت عن صعود المد الجماهيري في أوروبا ووصول الجماهير إلى السلطة التي كانت دائماً حكراً على أقلية. وهذا ما يمثل وضعاً جديداً أوصلت إليه أنساق ديموقراطية في القرن التاسع عشر. وفي حين يرى المؤلف أنّ الأقلية تتألف من أفراد مبدعين ينتمون إلى حالة لا يمكن بلوغها من خلال الوراثة أو الشراء، ويؤسسون لما لم يكن له وجود من قبل، يقدّم صورة دقيقة عن الإنسان النمطي، أي عن طبيعة الجماهير نفسها وما يحركها ويتحكم بسلوكها. الكائن الجماهيري بصفته نتاجاً جامداً، وليد الكتلة والمجانَسة، لا يمكن تمييزه عن الآخرين وهو نسخة مكرورة عنهم.
الجماهير ليست الشعب. الشعب مكوَّن اجتماعي والجماهير ليست مكوَّناً اجتماعياً. مفهوم الجماهير، هنا، لا يخضع لقراءة أيديولوجية ولا ينحصر في الجماهير العاملة ووضعها على الطرف المقابل للأقليات المميّزة والمتخصّصة، لكنه يتناول مساراً تاريخياً جديداً لم يكن معروفاً قبل القرن التاسع عشر. كما أنه لا ينحصر في الدول الأوروبية وحدها بل يشمل العالم أجمع حيث النمو الديموغرافي المتزايد يشكّل تحدياً بالنسبة إلى أوروبا. إنّ تقسيم المجتمع بين جماهير وأقليات نخبوية ليس تقسيماً طبقياً، فبالإمكان إيجاد الجماهير والأقلية معاً داخل أيّ طبقة من الطبقات الاجتماعية المختلفة.
-يقول أورتيغا إي غاسيت إنّ «ما يميّز الحاضر هو أن النفس الوضيعة التي تعرف أنها سطحية ووضيعة، تتجرأ وتؤكد على حقوق الوضاعة وتفرضها في كل مكان». تفرض الابتذال بصفته معياراً وقيمة. «الجماهير تضرب صفحاً عن كل ما لا يشبهها. كل ما هو متألق، فردي، متخصص ومتميز. كل من ليس مثل الجميع، ولا يفكر مثل الجميع، معرّض للنبذ والإقصاء».
الإنسان العادي، المحدود المعرفة، والذي منه تتألف الحشود هو الإنسان الملغى والمعطَّل. إنه، بالنسبة إلى أورتيغا إي غاسيت، صورة «للجماهير الزاحفة التي تتدخّل في كلّ شيء ولا تتدخّل إلا بصورة عنيفة». وهي لا تمتلك آراء نظرية حول ماهية الأشياء وكيف ينبغي أن تكون. تسوقها المعتقدات الجاهزة والعادات والتقاليد. تتعاطى مع المكتسبات الحضارية كمعطيات ثابتة لم تحدث بفعل الإبداع والتراكم المعرفي. كأنها موجودة هنا منذ الأزل تغرف منها ما تحتاج إليه بدون أن تتساءل عن طبيعتها وكيفية التوصل إليها وحدود التعامل معها. الإنسان/ الجماهير لا يبدع بل يعيد إنتاج ما أبدعه الآخرون. ينسخ آراءه في المجالات كلها، في السياسة كما في الآداب والفنون. لا يحتاج إلى التفكير ومن خصوصياته أنه لا يصغي. ما الحاجة إلى الإصغاء ما دام يملك جواباً على كلّ شيء؟ يحاكِم ويقرِّر. امتلاك الأفكار المسبقة لا يعني التفكير ولا يعني الثقافة. لا ثقافة إذا لم تكن ثمة قواعد وقوانين يمكن الآخر أن يستعين بها أيضاً، وإذا لم يكن ثمة مبادئ لشرعية مدنية يمكن الركون إليها. لا مكان للثقافة حيث لا احترام لبعض القواعد الثقافية التي تحكم الحوار. حين ينتفي الحوار يبقى ثمة احتمال واحد: البربرية. هذا ما وعاه فلاسفة عصر الأنوار وفي مقدمتهم فولتير وديدرو. وهذا ما يفسر صعود الحركات الفاشستية التي عرفتها المجتمعات الأوروبية لاحقاً. والحال هذه، الثقافة ليست حقيقة مطلقة والحقيقة لا يمكن أن تكون حكراً على أحد.
يقول فرنسوا جاكوب في كتابه «لعبة الممكنات»: «ليست المصلحة وحدها هي التي تدفع الناس إلى التقاتل، بل أيضاً الدّغماتيّة أو المبادئ المبرمة القاطعة. ليس ثمة أخطر من اليقين بأننا على حقّ. لا شيء يسبّب دماراً أكثر من التشبّث بحقيقة ينظر إليه بصفتها حقيقة نهائية ومطلقة. جرائم التاريخ كلّها هي نتاج تعصب ما. كل المجازر تم اقترافها باسم الأخلاق والفضيلة، باسم الديانة الصحيحة، باسم النزعة الوطنية المشروعة، باسم السياسة الملائمة والأيديولوجيا الصائبة، أي، في اختصار، باسم معركة ضد حقيقة الآخر».
ضمن هذا الأفق، يصبح السعي إلى الحوار بما هو الشكل الأعلى للعلاقات الإنسانية، أمراً جوهرياً. غير أن الإنسان/ الجماهير يشعر بالضياع إذا ما ارتضى الحوار. لذا فهو يفرض آراءه بالقوة ويلجأ إلى العنف، منطقه الوحيد.
لا يمكن إعادة الاعتبار إلى كلمة إنسانية إذا لم يخرج الإنسان من قطيع الجماهير الذي تحركه النوازع والغرائز واندفاعاتها العنيفة، وإذا لم ينضو في التجمعات المدنية القائمة على إرادة العيش المشترك واحترام الاختلاف. من المعروف أنّ كلمة حضارة تجد منبعها بالعربية في كلمة حضر، وتطالعنا في أوروبا في فكرة «سيفيس»، أي مواطن. وهل تستقيم الحضارة كحالة ثقافية واجتماعية بدون المواطنة، حقوقاً وواجبات؟ وهذا ما يحيلنا على مقولة الفيلسوف الألماني شوبنهاور الذي يعتبر أنّ «الكائن البشري هو، في العمق، حيوان متوحش ومرعب تم ترويضه وتدجينه فقط في ما اصطلح على تسميته الحضارة». والحضارة لا تلغي العنف لكنها تعمل على كبحه وتقدم اقتراحات أخرى أقلّ مأسوية للجنس البشري.
الشكل السياسي الذي شهد على إرادة العيش المشترك والذي يشير إليه أورتيغا إي غاسيت في كتابه هو الديموقراطية الليبيرالية. هذه الصيغة ذهبت أبعد ما يمكن في قبول الانفتاح على الآخر والتعامل معه. ووفّرت إمكانية العيش داخل حيّز واحد للذين لا يدينون بالمبادئ والمعتقدات والأفكار نفسها. يشكّل هذا التوجّه، بحسب المؤلف، حدثاً عظيم في التاريخ الإنساني، لأنه يتيح فرصة العيش تحت سماء واحدة للجميع، حتى للأعداء، وبدون أن يشعر أحد بأنه مهدد بالإقصاء والقتل أو التهجير.
أن تحكم مع المعارضة تمرين صعب ويتناقض مع نوازع النفس البشرية الطبيعية لدرجة يتساءل معها الفيلسوف الإسباني عما إذا كان بالإمكان الحفاظ على هذه النعمة على سطح كوكبنا، لا سيما أن عدد الدول التي تتبنى هذا النوع من الحكم ضئيل جداً ولا يفتأ يتضاءل. في معظم دول العالم هناك الكتلة الواحدة المتجانسة التي لا تقبل الاختلاف فتفرض قوانينها الثابتة وتمارس السلطة الشاملة المطلقة التي لا تفسح مجالاً لا للاختلاف ولا للمعارضة. لا تقبل أن تتعايش مع من يخالفها الرأي، بل هي تكره كل ما لا يشبهها حتى الموت.
بعض ما استشرفه أورتيغا إي غاسيت منذ ثمانين عاماً تم تأكيده في العقود القليلة الماضية عبر العلوم الإنسانية والعلوم الوضعية والتطبيقية وعلم البيولوجيا. فهو لاحظ كيف تتقدم الحضارات وتنقلب على نفسها بل وتنقض منجزاتها بما يشبه الانتحار الجماعي. المنجز، إذاً، مهدد باستمرار وليس معطى ثابتاً. لا ينكر المؤلّف واقع التقدم لكنه يصحح المفهوم القائل إنّ التقدم أمر أكيد ودائم. كان يعي ذلك من خلال الأسباب الظاهرة المتمثلة في السياسة والاقتصاد والاجتماع، وأيضاً من خلال الجانب السيكولوجي العميق للنفس البشرية ولنوازعها الأشد غموضاً والتباساً. وإذ يقترب من هذا الحقل فهو لا يعزو نمو الحضارة وأفولها إلى صراع بين إيروس وتاناتوس، بين غريزة الحياة وغريزة التدمير والموت، كما فعل فرويد في كتابه «قلق في الحضارة».
مفهوم أورتيغا إي غاسيت يتناقض مع حتمية التاريخ. كلّ شيء ممكن في التاريخ والتاريخ مفتوح دائماً على كل الاحتمالات. ثنائية الفردي والجماعي، الشخصي والتاريخي، هي في الكون الكيان الوحيد الذي يتألف جوهره من الخطر، لأنه مصنوع من التغيّر الفجائي غير المتوقَّع ومن المأساة.
نظر الفيلسوف الإسباني، في تحليله لظاهرة الجماهير، إلى ماهية مزدوجة تجعلها شبيهة بوجهي جانوس في الأسطورة. وجهان لكائن واحد: وجه الانتصار والفوز ووجه الدمار والموت. هنا لا نقارب التاريخ فقط بل نذهب أيضاً أبعد من التاريخ، نحو ما يمكن تسميته ميتافيزيقا التاريخ، وهذا ما قد يساعد على فهم أعمق للإنسان ولسيرورة وجوده وتناقضاته.
أكفان الماضي
يقول أورتيغا إي غاسيت إنّ الثقافات القديمة تستتبع حملاً ثقيلاً يتألف من أنسجة جافة ومن رواسب سامة تربك الحياة، ويصبح الركون إليها من المظاهر المولّدة للعنف، لأنها تستمر بصفتها قواعد وقيماً متداولة. وبعد أن برهنت عن فقدانها الكامل لأي معنى، يظل ملايين البشر يتقيدون بها وبأحكامها، أي انهم يعيشون حياتهم بأكملها في ظل مؤسسات ميتة، يدافعون عنها ويموتون من أجلها وبسببها في آن واحد.
الثقافة التي تسجن نفسها في الماضي ولا تعطي الحرية الكاملة في التعاطي معه، نقداً وتحليلاً، هي ثقافة جامدة لا تتقدم. «المستقبل هو الذي ينبغي أن يحكم الماضي ومنه نتلقى الأوامر». هذا ما يشير إليه المؤلف، ويطرح، في الوقت نفسه، أسئلة جوهرية على مستقبل التقنية واستعمالاتها ونتائجها المحتملة. يستشهد بالفيلسوف سبنغلر ويراه متفائلاً في هذا المجال حين يقول إن مرحلة حضارية جديدة ستعقب الثقافة ألا وهي التقنية. يعتقد سبنغلر أن التقنية يمكنها أن تعيش وتستمر حتى ولو اختفى الاهتمام بالثقافة. بينما غاسيت يعتبر أن التقنية علم والعلم لا يستقيم بدون الاعتماد على مبادئ الثقافة غير النفعية. ويخلص إلى القول إن الاهتمام بالتقنية وحدها لا يضمن شيئاً ولا حتى التقدم.
الجماهير لا تعرف كيف تم التوصل إلى الإنجازات الكبرى. تفيد من المكاسب الحضارية وتجهل خصائصها ولا تتضامن مع مصير العلم. من يفيد من مكاسب الحضارة بدون الاهتمام بحمايتها يعرّض التقدم للخطر، لأن الحضارة لا يمكن أن تستمر هكذا وحدها، فهي ليست ناجزة وفطرية كالطبيعة. لحظة غفلة واحدة وينتهي كل شيء.
يسقط الإنسان اليوم لأنه لا يستطيع الاحتفاظ بمستوى التقدم الذي أنجزه. يسقط أيضاً حين يفصل بين التقنية وجميع مرافق الحياة الأخرى، بل حين يهمل تلك المرافق. وإذا كان الفيزيائيون والكيميائيون وعلماء البيولوجيا يقعون في مكان آخر غير الذي يقع فيه الفلاسفة، فإنّ الفلسفة لا تدافع عن نفسها ولا تحتاج إلى من يحميها. تحرص فقط على حماية الطابع غير النفعي لها والذي يحررها من التبعية للجماهير. تعرف أنها، كالشعر والمسرح والفنون الجميلة بعامّة، مهمّشة. وهي لا تعيش بالفعل إلاّ بمقدار ما تتساءل وتحاسب نفسها وتثير حولها الشكوك، وقد بدأت تشكك حتى في وجودها نفسه؟
عندما صدر كتاب أورتيغا إي غاسيت «تمرّد الجماهير»، لم تكن الشاشة الصغيرة قد غزت العالم بعد، ولم يكن رأس المال وضع يده على كل شيء في العالم بما في ذلك الثقافة، وهذا ما استشرفه أيضاً الفيلسوف الإسباني من خلال كتاب بعنوان «إزالة الصفة الإنسانية عن الفن»، وفي خلفياته أيضاً يرثي الحداثة التي نهضت على العقلانية والعلمانية والنزعة الإنسانية وقد أفرغت من محتواها واستنفدت وظائفها. وهو يحثّ على إعادة إنتاج الحداثة بصيغ جديدة تتلاءم وتحوّلات العالم وتساعد على الوقوف أمام المدّ الجماهيري الأعمى الذي لا يأخذ في الاعتبار الإنسان والبيئة والإبداع وقيمة الحياة على الأرض. وكم تبدو هذه الدعوة ملحّة اليوم مع ترسّخ قوانين الاستئثار والهيمنة التي ترعاها توجهات الدول العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية والصين.
كتب خوسيه أورتيغا إي غاسيت كتابه «تمرّد الجماهير» ليتحدث فيه عن عصره، عن واقع أوروبا بين الحربين العالميتين، فإذا به يتحدث عن عصرنا ويساعدنا على فهمه، ويضع أمامنا احتمالات الخروج من الكوارث المعلنة.
عيسى مخلوف ...السفير
كاتب بريطاني: السنوات العشر القادمة حاسمة في تاريخ الإسلام
27-12-2010
نشرت صحيفة الجارديان مقالاً للكاتب البريطاني عاصم صديقي، أكد فيه أن السنوات العشر القادمة ستكون حاسمة في تاريخ الإسلام.
وتحدث عاصم عن التغيرات التي شهدها العالم عقب أحداث سبتمبر وما حدث من تجني على المسلمين، ووصف الكاتب ما ينبغي على المسلمين أن يفعلوه لمواجهة هذه التغيرات، وقال: التصرفات السيئة التي تحدث فجأة وبصورة فردية لا تكون معياراً للحكم على الأشياء، فهذه التصرفات قد تبدر من أي شخص بغض النظر عن دينه أو عرقه. هذا ما حدث بالنسبة لتفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001م عندما اصطدمت الطائرات ببنايتي برج التجارة العالمي. بعد تلك الأحداث لم تسر الحياة بسلاسة وطبيعية كما كانت عليه. بعد تلك الأحداث تطوّع كثيرون للحديث عن الإسلام. لم يكن هناك قصور في الطلب والعرض بالنسبة لمن يمكنهم أن يتحدثوا عن الإسلام. حتى أولئك الذين لم يتعاملوا مع المسلمين إلا عن بعد، ولم يقرأوا عن الإسلام وأحكامه سوى شيء يسير أصبحوا بين عشية وضحاها “خبراء” يتحدثون عن واقع المسلمين كأنهم منهم، وعن الإسلام وكأنهم درسوه عشرات السنوات! ويرى الكاتب أن تلك الأحداث كانت بمثابة فرصة لبعض المترصدين بالإسلام كي ينفذوا مخططاتهم.
وقال: كل مشكلات العالم الإسلامي أصبحت تحت الدراسة والنظر وجرى ربطها بالدين والفقر وعدم التعليم واضطهاد النساء والعنف وغيرها من الأسباب المعروفة. أصبح الإسلام هو المشكلة وجعله أكثر اعتدالاً هو الحل والمخرج. هذه الطريقة للتفكير حول الإسلام تجنبت كل العوامل المنطقية الأخرى التي ينبغي اعتبارها ومراعاتها عند تشخيص الواقع الإسلامي. ويشرح الكاتب تداعيات ذلك على المسلمين.
وأضاف: هذا الاتجاه انعكس بشكل مباشر على علاقة المسلمين بغيرهم بمستوى أعلى مما كان معروفاً في السابق. كثير من الأصوات الجديدة صارت مسموعة على نطاق واسع وصارت تتحدث عن القيم والتعاليم التي يمكن للمسلمين أن يكتسبوها جراء التعامل مع الآخر وما يمكن أن يضيفوه للمجتمع، وبالتالي بدأ المسلمون يتساءلون -بصورة متزايدة - عن الفوائد التي من الممكن أن يجنوها. ولا شك أن هناك كثير من الإيجابيات التي يمكن أن تعود للإسلام جراء تفاعلهم مع الآخر وتعاطيهم معه، فالإنسان -بغض النظر عن دينه وعرقه- كائن اجتماعي يؤثر في الآخرين ويتأثر بهم. في بداية العقد الحالي كنت مشاركاً في تنظيم مؤتمر إسلامي عن التغيرات المناخية، وقررنا أن ندعو مختصين عن هذا الموضوع وهو جورج مونبيوت وهو ما حدث بالفعل. وبادرنا بدعوة خبير غير مسلم ولم يكن للدين أي اعتبار في خيارنا. وينتقد الكاتب تضارب المواقف الإسلامية وما ينبغي عمله للخروج من مأزق التحديات المعاصرة.
وتابع: تعدد الأصوات المسلمة في الوقت الحالي يجعل من الصعوبة بمكان إيجاد جهة واحدة تتحدث باسمهم جميعاً، وقد زادت هذه الصعوبة بصورة ملحوظة خلال السنوات العشر الأخيرة. كما أن من الصعب على وسائل الإعلام أن تتحدث بشكل أكثر عمومية. ونفس الأمر ينسحب على مجالات السياسة والتجارة وغيرها. وختم بالقول: لذلك فإن الوضع الحالي يحتم ويفرض علينا أن نحاول فهم بعضنا البعض بصورة أكثر جدية، فالعولمة جعلت العالم قرية مصغرة وقربت الجميع. كيف يمكن لنا أن نكون أكثر قرباً والتصاقاً في هذا العالم المتقارب؟ وما هي العوامل الكفيلة بتحقيق ذلك؟ هذه هي الأسئلة التي لا بد من تركها للعقد القادم كي يجيب عليها.
منظورات مالك بن نبي الاصلاحية والعلاقة بين الثقافات
06-12-2010
انطلق مالك بن نبي (1905-1973) في أطروحاته الحضارية من منظورات الإصلاحية الإسلامية، التي اعترفت بتقهقر العرب والمسلمين في مجال الحضارة وتقدم الغرب، وحملت نظرة منفتحة على العالم، وهو ما يضعه على تباين مع الإسلاميين الجدد. وقد تأثر بن نبي بنص ابن خلدون في إنتاج فكرته الأساسية الدورة الحضارية، كما اقتبس من (كانط) فكرة الواجب قبل الحق، وأبدى إعجابه الشديد بجون ديوي، وتأثر بشبنغلر وماكس فيبر.
أشار إلى أن فكرة «الثقافة» هي مفهوم جديد وليد عصر النهضة الأوروبي، فاليونان والرومان، وأيضاً العرب، على الرغم من ثقافاتهم العظيمة، لم يستخدموا هذا المفهوم قبل العصور الحديثة، من هنا يضطر العرب إلى قرن الثقافة لدى ورودها في مؤلفاتهم الفنية بكلمة (Culture)، وقد ظل تصور الثقافة على ما كان عليه في عصر النهضة: «مجموع ثمرات الفكر في ميادين الفن والفلسفة والعلم والقانون... إلخ»، بيد أن أوروبا في العصر الصناعي الأوروبي اكتشفت فيه ثقافات آسيا على يد شبنهور ونيتشه، وساعد في ذلك التوسع الاستعماري، فاتسع مفهوم الثقافة حتى ضم مجالاً جغرافياً أوسع ومعنى اجتماعياً أشمل.
خلص ابن نبي في نقاشه لتعريفات الثقافة الرائجة إلى أن تعريف الثقافة يبدو مكتملاً ضمناً في فكر عالِم الاجتماع الأميركي، أو في فكر الكاتب الماركسي، فتعريف الثقافة لدى لنتون - الذي يراها جملة من الأفكار - سليم ولكنه ناقص، وتعريفها لدى أوجبرن - الذي يراها جملة من الأشياء والأفكار - سليم أيضاً، ولكنه ناقص من نواح أخرى. أما التعاريف الماركسية للثقافة، التي تذهب إلى أنها انعكاس للمجتمع، فهي سليمة أيضاً من دون أن تكون أكثر إقناعاً، لاسيما في أوطان لا يقتضي فيه حل المشكلة تفسيرَ الواقع الاجتماعي فحسب، بقدر ما هو خلق لهذا الواقع. من هنا علينا أن نطبق في تعريف الثقافة منهج الشيء المعقّد الذي لا يمكن أن يدرك في صورة واحدة، فليس يكفي أن تكون صورتها لدينا مجموعة من الأفكار أو الأشياء، على الطريقة الأميركية، كما لا يكفي أن تكون انعكاساً للمجتمع على الطريقة الماركسية، فقد لاحظ أن الحياة الاجتماعية في البلاد المتخلفة مغلفة بملفات من انعدام الفاعلية، لأن الفاعلية الاجتماعية تعتمد بصورة عامة على أسلوب في مجتمع معين، وعلى السلوك الذي ينتهجه الفرد. وعليه إذاً، نجد أنفسنا مع الثقافة نواجه ضمناً مشكلة أسلوب الحياة ومشكلة السلوك الذي ينسجم معها.
وأرجع مشكلة النهضة الحضارية إلى مشكلة الإنسان ومشكلة التراب، ففي حالة التخلف يفقد التراب قيمته فتستولي الصحراء على خضرة الحقول، بينما في الحضارة المتقدمة ترتفع قيمة الأرض، فتخضر الأرض لسادة العمل في الحقول. أما الوقت، فيضيع هباءً إذا لم يتم استثماره في النشاط الإنساني المنظم والهادف، فالعالم الإسلامي يبدو الزمن فيه أشبه بالعدم، لا معنى له، ولا قيمة لأجزائه، فهو لم يعرف إلى الآن فكرة الزمن الذي يتصل بالتاريخ والإنتاج.
ومن ثم يعرض للعلاقة الدينامية بين الفكرة والشيء والزمن في الثقافة، في مرحلتين: المرحلة الحركية (الدينامية) والمرحلة الساكنة (الإستاتيكية)، ففي المرحلة الديناميكية لا مجال للغض من قيمة الدور الذي يؤديه (الشيء) للثقافة، وفي ظروف أخرى يمكن أن يفقد المجتمع السيطرة على (الأشياء). وعلى الرغم من هذا، فهو يحتفظ بالقدرة على إعادة إنشائه (كحال ألمانيا بعد الحرب العالمية عام 1945)، وبذلك تكون المقدرة الخلاقة للأفكار. فإذا كان من الصعب ملاحظة هذه الأسبقية في المرحلة الديناميكية، فإنها تصبح ملموسة في المرحلة الإستاتيكية، لأن أي مجتمع في بدايته لا يكون قد شاد عالم (أشيائه)، وأن (عالم الأفكار) يبدأ في التكوين من دون أن يشتمل أحياناً إلاَّ على بوادر تفكير أيديولوجي. ويصف حال الفكر الإسلامي بالقول «إن المجتمع الإسلامي في عصر الفارابي كان يخلق أفكاراً، وأنه كان على عهد ابن رشد يبلغها إلى أوروبا، وأنه بعد ابن خلدون لم يعد قادراً لا على الخلق ولا على التبليغ». أما عن العلاقة بين الثقافات، فيرى أن الوجود الخاص للثقافة يواجه نوعاً من التحول في علاقاته مع الثقافات الأخرى، وتأسيس (اليونسكو) محاولة في هذا الاتجاه. لكن محاولتها هذه تتصل في جانبها الأكبر بشطر الإنسانية الذي يعيش على محور طنجة - جاكرتا، وفي نداء مؤتمر باندوغ، الذي يحمل في بعض معانيه «إمكانية استحداث تركيب أرحب بين ثقافتين أو ثلاث، لها حدودها المشتركة على الخريطة، فباندوغ برأي ابن نبي «لفتت انتباهنا إلى تعايش كهذا».
فقد رأى حينها أن «أن المشكلة الجوهرية التي احتوتها روح مؤتمر باندونغ، إنما كانت مصير الإنسان الأفريقي - آسيوي (الأفرسيوي)، أي مصير الشعوب المتخلفة التي تمتد رقعة سكناها على محور جغرافي من طنجة إلى جاكرتا». أما على محور واشنطن – موسكو حتى طوكيو، نجد المشكلات العلمية والعقلية والاجتماعية متحدة من طرف إلى آخر، والتبادل الثقافي يتم في نطاق علاقة حضارية واحدة».
واعتقد أن نزعة معاداة الاستعمار في مبدئها تكون وسيلة لإحداث التماسك بين العناصر الممثلة في باندونغ، وربما تكون نقطة انطلاق للفكرة الآفرسيوية، لكنه نبه إلى أن «الثقافة الأفرسيوية لا يمكنها أن تجد إلهامها الجوهري في مجرد نوعية معادية للاستعمار... فيجب أن تبحث عن روحها الأخلاقي في مجموعة القيم الروحية والتاريخية التي تُقرُّها الشعوب الأفرسيوية بوصفها نوعاً من التراث يشبه ما قدمته الإنسانيات الإغريقية اللاتينية إلى الغرب فوجد فيه دليل الطريق وزادها، والمصدر الذي غذّى عبقريته»، ثم يخلص إلى القول «فإنقاذ الإنسان من البؤس والفاقة على محور طنجة – جاكرتا، وإنقاذه من حتمية الحرب على محور واشنطن – موسكو، هما بالنسبة إلينا الضرورتان المحدِّدتان للمشكلة كلها: مشكلة بقائه ومشكلة اتجاهه، وهذه الضرورة المزدوجة تسيطر بصورة طبيعية على تحديد ثقافته، وبالتالي تسيطر على تحديد منهجه الأخلاقي. وستجد الفكرة الأفرسيوية – بمقتضى ازدواجها الروحي - مبدأها الثاني في فكرة (عدم العنف)، ذلك المبدأ الذي نعرف دوره المنقذ في تحرير الهند، والذي لا يزال يلهم حتى يومنا الحوار الدولي، بوصفه قانوناً لا يقبل الانفكاك عن المحاولات الإنسانية في الميدان السياسي».
والحال، أننا في هذه الرؤية المنفتحة على الآخر، من الرؤية السوداء المدمرة التي تنشرها الحركات الإسلامية وبعض «القومجيين» في فضائنا العربي المغلق! شمس الدين الكيلاني.....الحياة
قراءة في الفلسفة <العدمية> لنيتشه
نضال البيابي
تقوم الفلسفة العدمية المادية لنيتشه على تحرير الإنسان من بقية الـ «أوهام» التي تتعلق بالثبات والتجاوز والكلية، وأن يطهر المجال الفلسفي تطهيرا تاما من “ظل الإله”، بمعنى تطهيره من القيم والثوابت والثنائيات والغايات (إن كانت أخلاقية أو معرفية) المتجاوزة للمادي والمباشر.
فما كان يسمى قبل نيتشه “فلسفيا” مقدسا وحقا وخيرا ومطلقا ويقينيإ، حطمه نيتشه على محرابه المقدس”إرادة القوة»!
ففي كتابه “أفول الأصنام” يؤكد في أكثر من سياق أن استلاب الإرادة للنص أو القيمة أو المفهوم هو المبرر لاختلاق الوهم على وجود إرادة متجاوزة للحواس. «فالذي لا يعرف كيف يوظف إرادته في الأشياء يضفي عليها معنى ما على الأقل.. فذلك يوهم بأن ثمة فيها إرادة مسبقا (أساس الإيمان)».
فهو يرى إن إفناء الأساس الديني للأخلاق لن يتأتى بدءاً إلا بالقضاء على اليقين المعرفي، وعلى فكرة الأخلاق في ذاتها، وصولا إلى فكرة الوجود الثابت، أي على المركز المنبثقة منه إن كان مركزا مؤلها “إلاهيا» أو”إنسانيا».
ويمكن أن نقول إن نيتشه أسس فلسفته العدمية على عبارته الشهيرة “لقد مات الإله” ومن ثم لم يدخر جهدا في تطهير العالم من بقايا ظلال قد تركها الإله على الأرض بعد موته. وهي كما يقول: “فكرة مرعبة لكنها مبهجة! هي مرعبة لأننا نشعر أن خالقنا السابق هجرنا، ومع ذلك فهي مبهجة لأننا نشعر فجأة أن عالمنا انفتح أمامنا إلى ما لا نهاية. فأي شيء الآن يمكن أن نتخيله؟!»
ويرى البعض أن هنالك تفسيرات متباينة لفكرة “موت الإله”، فقد قيل إنها ترمز إلى موت الحضارة الغربية، وقيل إنها موت الإله على الصليب، وقيل أيضا إنها تعني انتهاء المسيحية. ولاقت هذه الفكرة صدى واسعا عند قائدي الثورات وحاصدي أرواح الشعوب، ومن مسه مس جنون العظمة، كهتلر وماوتسي تونغ، وللأخير قول شهير في هذا السياق: «إذا ما كنا عظماء بما فيه الكفاية حتى ننهي سيطرة الإله علينا، ألا نصبح نحن انفسنا آلهة. ببساطة لأننا جديرون - فيما يبدو - بذلك؟»
ويشرح لنا هيدجر مضمون هذه العبارة بإن الإله بالنسبة لنيتشه هو “العالم المتسامي” بمعنى العالم المتجاوز لعالمنا، أي عالم الحواس، فالإله مركز لكل الأفكار والمثاليات والمطلقات والثوابت والقيم الأخلاقية.
ولنقف قليلا عند “متجاوز” فعندما يقول نيتشه “لقد مات الإله” يعني موت الفكرة المتجاوزة والمفارقة للمادة، والتي تعطي للكون تماسكا وهدفا أو غاية، فموتها يعني نهاية فكرة المركز المتجاوز للمادة والكائن بطبيعة الحال خارجها. وعليه لن تكون هناك حقيقة ثابتة غير خاضعة للتجربة المادية المباشرة. بعبارة أخرى .. تقتضي فكرة “موت الإله” النهاية الحتمية للميتافيزيقا وما يترتب على ذلك من موت لفكرة “الحقيقة».
لذا عدّ نيتشه الإيمان بأن العقل الإنساني قادر على التزود بمعرفة يقينية إنما هو وهم، وكل إدعاء أن ثمة مركزية تنبثق منها الأخلاق والقيم إدعاء زائف تولد من عجز الإرادة، أو فرض الإرادة ليس إلا. وأي حديث يصب في قالب المطلق إنما هو عبث، فكل مايدرك هو من الأمور المادية - ولن يدرك سواه - وكل المدركات “المادية” نسبية.
وإن كان يمكن أن يوجد عالم ميتافيزيقي فسيكون “إنساني، إنساني إلى أقصى حد”! وأما الحاجة إلى كون ثابت لا زماني، فهي حاجة لا معنى لها على الإطلاق. إنها ببساطة “استياء الميتافيزقيين من الواقع” فكل النظريات التي حاولت الإجابة عن وجود عالم ميتافيزيقي، تقع ببساطة خارج مجال البحث البشري، ولكن ما الذي - رغم جاذبية هذا السؤال - يمكن أن نربحه إذا ما قبلنا وجود بُعد ميتافيزيقي؟ من المؤكد أن معرفته ستكون معرفة عبثية لا طائل وراءها. وسوف تكون أكثر عبثية من معرفة تركيبة الماء لبحار يغرق، أي علينا “تقبل المأساة”. ونتيجة لهذه الفكرة أطلق نيتشه عبارته الشهيرة “كن أنت” إشارة رمزية لصورة التكامل عند «الإنسان الأعلى” أو التجسيد الأرضي للإله.
إذن، أن الفلسفة الحقيقية ستولد بعد إزالة بقايا “ظلال الإله”، والذي يعني اختفاء أي مركزية ثابتة متجاوزة للإطار المادي الذي تتساوى فيه الأشياء. فثمة مبدأ كامن في الطبيعة “المادة”. ويتجلى في شكل قوة لا تتجزأ ولا يتجاوزها شيء ولا يعلوها شيء، إنما تضبط وجود العالم وهي النظام “الحتمي” للأشياء. وهذا النظام يحتوي على مقومات الحركة وكل مايلزم لبقائه واستمراره، ويتكون من قوى متناحرة ومتصارعة وليس له بنية أومركزية واضحة، لأنه مبدأ غير عاقل، ومادام ليس عاقلا فلا غاية له، ومن ثم فهو عالم قائم على الصراع تحكمه الصدفة والفوضى ولا ثبات فيه للمطلقات. ولذلك قال نيتشه عبارته السالفة الكاشفة عن رؤاه والتي لها دلالة واحدة أننا دخلنا مرحلة العدم!
• العالم النيتشوي:
إن عالم نيتشه، هو العالم الذي بلا مركزية، والإنسان هوجزء من الطبيعة، ولا يوجد ثمة فارق جوهري بينه وبين كل الكائنات الأخرى، فهو جسد وغرائز مثل البقية، وبما أنه جزء من الطبيعة فلا يمكنه أن يفهمها ويتجاوزها، فالجزء لا يمكنه أن يحيط بالكل فضلا أن يتجاوزه، لذا لا يمكن أن تنبثق منظومات أخلاقية متجاوزة للمادة، فالإنسان جزء من حركة المادة وإذن هو خاضع لها.
فالكون كما يراه نيتشه له مبدأ واحد هو الحياة، والحياة هي “إرادة القوة” ويكتسب الإنسان قيمته من خلال مقدار القوة التي يستطيع تحصيلها والاستيلاء عليها. لأن الحياة تولد على حساب حياة أخرى، والحياة ليست هي البقاء مجرد فحسب، وإنما هي الرغبة في في الاقتناء، وهي التغير والصيرورة بلا ثبات.
فثمة ترادف أصيل بين الحياة والقوة، فبمقدار شعورنا بالحياة وبالقوة يكون إدراكنا للوجود وهذا جوهرها، ومن خلال هذا الفهم يمكننا تفسير كل مظاهر الوجود “فالحياة إن هي إلا صراع وتقاتل ودماء»!
وإذا كان ماركس يرى بأن صراع الطبقات هو محرك التاريخ، وفرويد يرى بأن الليبيدو أو الغريزة الجنسية هي الدافع الأساسي والمحرك، إلا أن نيتشه اعتبر أن إرادة القوة هي دافعية الأفراد والمحرك للتاريخ، وللصراعات العكسرية والتحولات الاجتماعية والثورات الأخلاقية والنزوع للجمال والعلاقات بين الافراد بمختلف مستوياتها. فنيتشه يرى بأن كل الصراعات لا يمكن فهمها إلا في إطار «الصراعات اللامتناهية بين إرادات مختلفة، والتي تنبع منها أشكال مختلفة للهيمنة”. إذن إرادة القوة هي المركزية الثابتة لفلسفة نيتشه العدمية التي تنكر الثبات وتعلي من شأن الصيرورة باعتبارها الثبات الأوحد!
• الفكر:
يرى نيتشه أن الفكر تعبير أمين لإرادة القوة وليس انعكاسا مشوها للواقع ولامحاولة اجتهادية لتفسيره. فالمعايير التي يصوغها الإنسان لتحديد ما هو صواب وخطأ وما هو زائف وحقيقي ليست نزعة أصيلة ولا أفكار برئية كما يبدو الأمر ظاهريا، إنما هي مجرد أوهام وأساطير ابتدعها للهروب من الصيرورة الدائمة أو ما يعبر عنه بالاستياء من عالم عصي على التغيير. فرغم العقلانية الظاهرة المغلفة للأفكار إلا أن ثمة دوافع مظلمة لا يدركها حتى أصحابها.
• العقل:
يعتقد نيتشه أنه لا يوجد عقل إنساني واحد متكامل وشامل يمكنه الحكم الكلي على الكون وعقلنة أحداثه وظواهره، في ظل هذه الصيرورة الكاملة، فالعقل ليس مستقلا عن العناصر المحيطة به في الواقع، وحتى المنطق والأفكار الثابتة والعقائد لم تكن ثمرة رغبة في معرفة الحقيقة، وإنما الدافعية من خلق الثوابت ومنطقتها هي السيطرة والامتلاك، بعبارة أن المحرك هو الإرادة ولا شيء سواها. فالغرائز والنزعات نحو البقاء والقوة لها وجود أصلي حقيقي (بناء مادي تحتي) أما الفكر الذي يأتي لاحقا (بناء فكري فوقي) يتخذ أشكالا تبريرية للسلوكيات المادية الغريزية. فالأصل هو الفعل، والأخلاق ما هي إلا التبرير للأفعال إذ أن الدافعية برجماتية محضة. إذن، العقول تتمايز بتمايز الظروف والإرادات، ولذا قد تختلف الأراء إزاء أمر واحد.
وعندما أذعن لفكر الآخرين، ليس هذا الإذعان فعلا عقليا، إنما هو مجرد إذعان لإرادة القوة المنتصرة. فنجاح أية فكرة إنما يعبر عن مدى نجاح إرادة القوة في فرضها، فحقيقة نجاحك تكتسب من خلال الفرض والفشل عكس ذلك. ومنطق هذا الفكر هو منطق القوة وكما يسميه نيتشه الحقيقة الديونيزية “الحقيقة التي يؤمن بها الإنسان الأعلى».
• الأخلاق:
تساءل نيتشه كيف يمكن أن ننظر إلى شخص يكون فاضلا؟ فالشخص الفاضل الذي يثني عليه الآخرون لما قدم لهم من خيرات وفضائل (الطاعة، العفة، العدالة، المثابرة.. إلخ) سوف تضر بالفعل الشخصي الحائز عليها! وكما يقول “لو كنت حائزا على فضيلة .. فأنت ضحية لها”، وهكذا نثني على الفضيلة عند الآخرين لأننا نحصل منها على منافع ومميزات. فالمعتقدات الأخلاقية هي معتقدات الجموع، والجموع أكبر من الفرد “مع الأخلاق يمكن للفرد فحسب أن ينسب لنفسه قيمة بوصفه دالا على القطيع”، فالأخلاق تمثل أولئك الذين يكونون ضعافا من الناحية الفردية (وهم أفراد). لكنهم أقوياء من الناحية الجمعية (وهم مجتمعون) وهم يأملون أن تحميهم قوانين الأخلاق بقدر ما تبرر وجودهم وأسلوب معيشتهم. فالأخلاق هي النتيجة الحتمية للمصلحة الذاتية الإنسانية والدافع التطوري للبقاء. فالدافعية للأخلاق دافعية برغماتية محضة كما أسلفنا، فلا وجود للخيار الحر ولا وجود للثنائيات المتجاوزة.
• الإنسان الأعلى:
إن الأستقراطيين الممتازين هم أساس وأصل الحضارات الكبرى، فالحيوانات المفترسة الشقراء كانت تجوب الارض وتخضع الشعوب لسطوتها وتفرض عليها إرادتها وسلطانها، ومن ثم تختلق شرعة قيمية وأخلاقية تؤكد بها شرعيتها وسلطانها واستمرار سيادتها وسوطتها. وتعمل هذه الأقلية المسيطرة على الحفاظ على قوتها الجسمانية، وتحافظ على على نقاء نسلها من الاتصال بأعراق الطبقات الدنيا. وهؤلاء الممتازون يقدسون الأجداد وصفاتهم النبيلة، وتتحول هذه القداسة إلى طقوس عبادية تؤله فيها ذكرى الأجداد الذين أصبحوا آلهة – فيما بعد - تقدم القرابين لأرواحهم، أي أن العبد والمعبود هو الذات المؤلهة.
وبهذا المفهوم النيتشوي ينقسم البشر إلى أقوياء وضعفاء، فالأقوياء هم السادة الذين يبتكرون القيم الأخلاقية لتبرير أفعالهم المباشرة، فهم يتسمون بغريزة السيطرة وحب الغزو والمخاطرة ونعيمهم هو الانتصاروالسيادة، أما الضعفاء فقيمهم وسيلة لتغطية عجزهم ونكوصهم عن فرض إرادتهم.
إن الإله الحي المتجسد على الأرض الذي بشر به نيتشه هو الإنسان الأعلى “لا يمكن أن يكمن هدف الإنسانية في نهاية الزمان، بل فقط في أعلى نموذج لها” بالرغم أن هذه ليست حتمية إلا أن على البشرية أن تطمح لها كتحد للروح البشرية. ومن الأفراد التاريخيين الذين اقتربوا من هذا المثل الأعلى كما يصوره نيتشه أمثال: يوليوس قيصر، ونابليون. وقد هاجم كثير من النقاد صورة الفرد الذاتي الأناني الذي يمجد ذاته فحسب، إلا أن نيتشه وجد أن الأنانية “الغرورية” تنتمي إلى ماهية الروح النبيلة!
وهذا الإنسان الأعلى سيولد من طبقة السادة الممتازين الذين نبذوا الأديان التي تنفر من الحياة الأرضية، والتي ساهمت في امتصاص عناصرالقوة وأبقت البشرية في حالة ضعف ووهن. إذن الإنسان الأعلى هو عودة للطبيعة المادية الأصيلة التي تجسدت فيها إرادة القوة وسوف تتجسد من خلاله تجسدا تاما (نقيض فلسفة شبنهور أستاذه في بداياته). ولا يسعنا إلا أن نتخيل هذا “الإنسان الأعلى” بجيوش همجية يكتسح ما سواه!
وكما يقول نيتشه بصلافته النزقة وعجرفته المعهودة على لسان زرادشت: “على أهل السيادة في الإنسانية المتفوقة أن يمهِّدوا سُبُلَ السعادة لمن هم دونهم بتضحية ملذَاتهم وراحتهم وعليهم أيضا أن ينقذوا مَنْ لا يصلحون للحياة بالقضاء عليهم دون إمهال».
يرى تشارلز دارون في كتابه «سلالة الإنسان”، “أن القبيلة المؤلفة من كثرة الأعضاء الذين هم على استعداد دائما لمساعدة بعضهم البعض، والتضحية بأنفسهم من أجل الصالح العام، سوف تنتصر على معظم القبائل الأخرى، وسوف يكون انتخابا طبيعيا.»
ونيتشه عكس السيناريو تماما «فلندع القبيلة تضحي بنفسها لو أن ذلك ضروريا للمحافظة على فرد واحد عظيم. إن ما ينبغي علينا أن نسعى لزيادته هو كيف البشرية لا كمها. إن الأمة طريق ملتف للطبيعة للوصول إلى ستة أو سبعة من الرجال العظماء. نعم وعندئذ تدور حولهم». فالصراع هنا ليس صراعا من أجل الوجود كما هو عند دارون، بل هو صراع من أجل العظمة والقوة. كما نلاحظ أن هذه النظرة غير السوية للبشرية لن تخلق لنا سوى مسوخا بشرية تؤله الذات على حطام الشعوب! ولا شك أنها صورة قميئة من صور الاستبداد، ولا يمكن أن تكون إلا نتيجة حتمية لولادة نظام وحشي شمولي يعلي من قيمة الفرد الحاكم «ظل الإله في الأرض».
• العود الأبدي:
وهي فكرة محورية في فلسلفة نيتشه “العود الأبدي” والتي تبدو بديلا لفكرة الأبدية في الأديان السماوية، وهي أيضا قريبة الشبه من فكرة عقوبة سيزيف في الأسطورة اليونانية، الذي عاقبه كبير الآلهة بعمل متكرر ورتيب، وليست بعيدة أيضا عن فكرة الكارما البوذية، إلا أن نيتشه يرى أنها عود أبدي مادي رتيب “كالساعة الرملية” سيعود من جديد ويذهب من جديد دائما وأبدا، فكل شيء سيعود بنفس التسلسل وبنفس النتائج. ويعترف نيتشه بأنها فكرة محبطة جدا وليست أكثر إغراء من فكرة الجنة والخلود في الأديان السماوية، إلا أنها محرض لكي نكافح لنكون أعظم مما نحن عليه، ومادامت اللحظة الراهنة هي كل شيء، فلنستغلها أفضل استغلال محققين أفضل ما في أنفسنا.
فالزمان عندما تنتهي دورته الحالية لن يتوقف، إذ أنه سيبدأ من جديد دورة أخرى لا تختلف عن سابقتها، والعود الأبدي “يعني تكرار اللحظة بكل ثباتها وصيرورتها، ولكنه ليس تقبلا لمضمون اللحظة الثابتة، وإنما هو تأكيد لصيرورتها”، وكما يقول نيتشه مخاطبا اللحظة: “فلتكرري نفسك إلى الأبد” أي إذعان كامل للصيرورة.
• عبء التاريخ:
التاريخ بالنسبة لنيتشه يمكن أن يهدد الحاضر، وذلك بجعل أمم الماضي العظيمة مثالية، ويحثنا على منافسة هذه الثقافات الميتة ولذا قال: “ليس لدينا نحن المحدثين ثقافة نقول عنها أنها ثقافتنا، فنحن نملأ أنفسنا بعادات وفلسفات أجنبية، وكذلك بديانات وعلوم بحيث نصبح موسوعات جوالة” (استخدام التاريخ وإساءة استخدامه) فتمثل الماضي واستخدامه في صنع حياتنا وثقافتنا هو مسخ لإرادتنا، فالتاريخ ما هو إلا عبء ميت ثقيل على الحاضر. فما قيمة أن تمتلك قدرا وفيرا من التاريخ، لكنك لا تستطيع أن تعيش حياة أصيلة من صنعك؟! إذن، إن اسقاط التاريخ على الحاضر هو إعدام للمشروع الفردي للتحقق الذاتي والفعل في العالم. وكلما قلّ اكتراثنا بالتاريخ، كلما كنا أقرب لإنتاج ثقافة حية «حرية الروح”، وإلا سنظل “مجرد ظلال للإنسانية».
• بين نيتشه وكانط:
آمن كانط بوجود حقيقة كامنة لا زمانية، وهذا التصور للحقيقة يعلو على الحقائق الجزئية في أية ثقافة أو عند أي فرد. ولقد أطلق كانط على هذا المجال للحقيقة “اللازمانية” اسم “النومين” أي الأشياء في ذاتها التي تعارض الظواهر التي تظهر لنا من خلال الحواس. ومهما حاولنا استخدام عقولنا وإدراكاتنا الحسية، فلن نستطيع أبدا أن نعرف عالم “النومين” اللازماني. رغم التأكيد على وجوده، إلا أننا مستبعدون عنه لقصور حواسنا من جهة، وحد الزمان والمكان والسببية من جهة أخرى. لكن نيتشه رفض رفضا قاطعا فكرة الحقائق الأزلية، فكل فكرة تدور في هذا الإطار “اللازماني” ليس لها معنى على الإطلاق. واتهم نيتشه “كانط” بالتعصب الأخلاقي الذي يرجع لغريزة كانط اللاهوتية، فالفضائل الأخلاقية ينبغي أن تكون من ابتكارنا، وأن تكون دفاعنا وضرورتنا الشخصية.
• مفارقات نيتشوية:
نادى نيتشه بإرادة القوة رغم أنه كان معتل الصحة منذ طفولته، وكليل البصر، ورغم مقته للضعفاء إلا أنه كان ضعيفا بدنيا وتدهور صحته تصاعد في سنواته الأخيرة حتى فقد عقله تماما قبل وفاته بأشهر.
ولد نيتشه لأسرة دينية، فوالده كان قسيسا، ودفعته أسرته نحو كلية اللاهوت، إلا أن نيتشه – لاحقا - نصب نفسه عدوا للمسيح، وكانت أجراس الكنائس تزعجه وهو القائل: “أكل هذه الضجة من أجل يهودي صلب منذ ألفي عام!”، وكان مبغضا للنساء وأهم نصائحه في هذا السياق أن لاتقابل امرأة إلا في يدك السوط، لكن فشله في حكاياته الغرامية - فيما يبدو - أسهم في خلق هذه الصورة السوداوية، علما أن المرأة التي وقفت بجانبه طيلة حياته وأسهمت من بعد مماته على نشر مؤلفاته هي شقيقته اليزابيث!
كتب نيتشه ذات يوم إلى شقيقته اليزابيث بينما كان عاكفا على كتابة الأجزاء الأخيرة من كتابه الأثير “هكذا تكلم زرادشت”: “سأقيم الحواجز حول أفكاري لئلا تدوس الخنازير بستاني، وفي جملة الخنازير أولئك الثقلاء المعجبون بي بلا فهم!” وما أكثرهم يانيتشه!
وإذا وصفنا نيتشه بجنون العظمة فلن نجانب الحقيقة ولو أردنا دليلا كاشفا لمقدار تأليه الذات عنده لكانت إحدى رساله لشقيقته مؤيدة تماما لما ذهبنا إليه، إذ يقول فيها بكل شموخ وترفع وكبرياء وصلافة: “يبدو أنكِ لستِ على وعي بواقعة أنكِ القريب المباشر لرجل كُتب عليه أن يقرر مصير الآلاف من السنين - وإن شئتِ الدقة - فأنا أقبض على مستقبل الجنس البشري في يدي!” وكانت هذه من آخريات رسائله قبل أن يسقط صريعا للجنون!
علما أن أهم كتبه تأثيرا وهو “أصل نشأة الأخلاق” ألفه في حالة يرثى لها، وذلك عندما كان مدمنا لعقار (الأفيون) الذي كان يتناوله للتخفيف من ألمه وصعوبة الشعور بالنعاس. وفي رسالة أخرى يبدو فيها جنون العظمة طافحا وقد وجهت إلى برانديز وشترندربرج، وكانت بعد انتهائه من آخر كتبه “هو ذا الإنسان” يقول في رسالته: “سأكون المخلص الجديد الذي ينتزع التاريخ والبشرية معا من قبضة المسيح!»
ميدل ايست اون لاين
مائة عام على وفاة تولستوي: الغرب يحتفل وروسيا تحاول النسيان
21-11-2010
قبل مئة عام، أقام الروس الحداد على الكاتب ليون تولستوي.. غير ان هذا الكاتب الداعي الى السلام والمناوئ لكل أشكال الحكم لا يحتفى به في روسيا العصرية على قدر ما يحصل في الغرب.
تمر في العشرين من تشرين الثاني/نوفمبر الذكرى المئوية الاولى لوفاة ليون تولستوي.. ولا شك ان هذا اليوم لن يشهد احتفاء يليق بمكانته في الادب العالمي.
يقول بافيل باسينسكي واضع كتاب حول ظروف وفاة تولستوي “لا يزال يزعج كما كان يفعل قبل قرن من الزمن. فمن أجل تكريمه، يجب التفكير في ما فعلت روسيا خلال مئة عام، وهو الامر الذي لا يريد احد فعله».
ولد تولستوي في يسنايا بوليانا جنوب موسكو في العام 1828، وفي عمر 82 عاما هجر زوجته وانتقل من دير الى آخر قبل ان يمرض ويموت في محطة استابوفو الصغيرة.
عشية الحرب العالمية الاولى، والثورة البولشفية والحرب الاهلية، شكلت وفاة تولستوي اشارة الى قدر روسيا، بحسب فيتالي رميزوف مدير متحف تولستوي في موسكو.
وسيعاد افتتاح المتحف في استابوفو بعدما جرى تجديده، ومن المرتقب عرض فيلم وثائقي عن حياته على احدى القنوات الثقافية، اضافة الى عقد مؤتمر دولي. لكن هذه الاحداث تبقى بعيدة عن الجمهور العريض، فيما تخلو المتاحف الاساسية مما يشير الى احياء هذه الذكرى.
الفيلم الوحيد الذي يعرض عن تولستوي في موسكو هو فيلم “ذي لاست ستايشن” (المحطة الاخيرة) من اخراج مايكل هوفمان، وهو فيلم من انتاج هوليوود وليس روسيا.. فروسيا التي انفقت الملايين في الماضي لتمويل الافلام التاريخية لم تجد ما يحركها في هذا الموضوع.
يرى نيكولاي غارميزا، احد الاشخاص القلائل الذين شاهدوا الفيلم “انه امر معيب الا تجد روسيا المال لانتاج فيلم عن تولستوي».
ويقول فلاديمير تولستوي، احد احفاد ليون تولستوي والذي يدير متحف ياسنايا بوليانا ان هذا الكاتب الروسي الكبير “اصبح اليوم مشهورا في الغرب” اكثر من بلاده.
مقارنة مع بوشكين، الذي شهدت الذكرى المئوية الثانية لوفاته في العام 1999 احتفالات ضخمة، لم يحظ تولستوي بما يليق بمكانته وهو يعاني خصوصا من صورته كمحاضر اخلاقي.
ويقول فلاديمير عن ذلك ان ليون تولستوي “كان يحب الحقيقة، واليوم هناك الكثير من الكذب والنفاق في روسيا».
وكان تولستوي، مؤلف “آنا كارينينا” و”الحرب والسلم” قد حظي اثناء حياته بشهرة واسعة، وقيل عنه في العام 1901 “لدينا قيصران، نيكولا الثاني وليون تولتسوي».
غير ان الافكار التي حملها في الجزء الثاني من حياته والتي طبعها الزهد ونبذ العنف، لم تكن متماشية مع عصره، ولا تتماشى مع عصرنا هذا ايضا.
وفي هذا الاطار يرى باسكينسكي ان “فكرته حول التخلي عن الثروات المادية بدو عبثية في روسيا التي تعيش مرحلة رأسمالية».
ويقول عبد السلام غصينوف من معهد الفلسفة في موسكو “مجتمعنا لا يزال واهما بانه قادر على حل النزاعات بالقوة. لهذا لم تجد افكار تولستوي آذانا مصغية».
ويشير بافل باسينيسكي الى وجود تشابه كبير بين المرحلة التي سبقت الثورة الشيوعية، وروسيا اليوم.
ويوضح “الفروق الاجتماعية التي كان تولستوي يندد بها عادت بقوة، انها قصة مأسوية تتكرر فصولها في روسيا».
واذا اهملت الاوساط الثقافية ذكرى ليون تولستوي، فلا يتوقع من الكنيسة الارثوذكسية غير ذلك، لا سيما انها اصدرت عليه حرما في العام 1901 ولم تتراجع عنه قط.
وكان تولستوي قد رفض عددا من عقائد الكنيسة، وقد كلفه ذلك ان يدفن دون مراسم دينية، وان يخلو قبره من صليب يرتفع فوقه.
قنوات دينية إيرانية تبث من داخل إسرائيل
10-11-2010
كشف تقرير صادر عن موقع sat age المتخصص في رصد حركة الأقمار الصناعية حول العالم وما تحمله من قنوات تلفزيونية، عن وجود ست قنوات دينية إيرانية موجهة إلى العرب تبث من “إسرائيل”، وتقف وراءها واحدة من أكبر شركات الاتصالات العبرية.
وأوضحت صحيفة “الأهرام” المصرية أن هذه القنوات وهي :(آل البيت, الأنوار, فدك, الحسين, العالمية, الغدير) تتواجد على القمر الإسرائيلي AMOS (أموس), من خلال شركة RR Sat الإسرائيلية، وتلبس رداء التشيع وتتظاهر بالولاء لآل البيت وتجتهد في تمرير الرؤية الإيرانية وإقناع الجمهور العربي بها.
وشركة RR Sat هي شركة اتصالات إسرائيلية خاصة يملكها رجل الأعمال اليهودي David Rive، وتأسست عام 1981 بموجب ترخيص من وزارة الاتصالات الإسرائيلية ومنذ يناير 2002 تقوم بتقديم خدمات التداول عبر الأقمار الصناعية للإذاعة والتلفزيون إلى جانب الألياف البصرية والانترنت, ويرأس إدارة الشركة منذ أبريل 2001 راموت جلعاد, وهو عميد (احتياط) في قوات الدفاع الجوي بجيش الاحتلال.
تشويه صورة المذهب السني:
وتستهدف تلك القنوات الشيعية تجميل صورة إيران وتشويه المذهب السني والإيحاء بوجود قرآن في بلاد فارس مخالف للقرآن الذي بين يدي المسلمين السنة في بقية أنحاء العالم وأن مصحف عثمان المتداول منذ 1400 سنة به أخطاء فجة، بينما المصحف الإيراني خالٍ من الأخطاء!
كما تعمل تلك القنوات على تهيئة العقول لقبول المذهب والفكر الشيعي في إطار ما دعا إليه الخميني في بداية قيام الثورة الإيرانية قبل نحو ثلاثين عاماً بضرورة تصدير الثورة الخمينية إلى جميع أنحاء العالم!
وأشارت الصحيفة إلى أن ما يحدث من تواصل إيراني - إسرائيلي في مجال الإعلام الفضائي، يُعد حلقة جديدة من مسلسل التحالف السري المشبوه بينهم والذي سبق وأن أشار إليه الكاتب الأمريكي تريتا بارسي، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جون هوبكينز من خلال كتابه «التحالف الغادر” الذي أكد من خلاله أن إيران هي الدولة الثانية في الشرق الأوسط بعد إسرائيل التي تضم عدد كبير من اليهود والمزارات اليهودية، كما يضم البرلمان الإيراني نواباً من اليهود.
تسانكل يكشف مكائد العلماء وينزع القناع عن وجوههم
02-11-2010
أشار الكاتب الألماني “هاينريش تسانكل” في كتاب له صدر مؤخرا إلى أن هناك وجها سيئا للعلماء غير الوجه المثالي الذي تعارف عليه الناس من الذكاء وحب العلم والدأب في تحصيله وعدم اليأس من حل المعضلات العلمية.
وقال تسانكل في كتابه الجديد “مكائد العلماء” إن هذه الصورة المثالية لم تتفق على طول الخط وبشكل دائم مع الواقع الذي ساد بين علماء كبار وعلاقتهم ببعضهم البعض ، وإن هذا الواقع يبرز وجها قبيحا لهم مما كبح البحث العلمي على مدى عقود.
وأضاف تسانكل في كتابه أن “من أبرز الأمثلة على مثل هذا الخلاف الحاد بين العلماء هو بلا شك الخلاف الذي امتد عقودا بين اسحق نيوتن و جوتفريد فيلهلم لايبنيتس بشأن علم الحساب التفاضلي.. لقد اتهم نيوتن بأنانيته العالم لايبنيتس بسرقة الأفكار ودبر له الكثير من المكائد التي ضايقته في حياته كثيرا مستخدما في ذلك منصبه كرئيس للجمعية الملكية ذات المكانة المرموقة عالميا”.
وأكد الكاتب الألماني أن الدراسات أظهرت فيما بعد أن الاتهامات التي وجهها نيوتن ضد مواطنه لايبنيتس الذي عاش سنواته الأخيرة وحيدا وحزينا في مدينة هانوفر كانت عارية تماما من الصحة في حين أن نيوتن حصل على الكثير من التكريم في حياته.
وأشار تسانكل إلى أن عالم الآثار الجيولوجيا الفرنسي جاك ديبرا “كان محظوظا من بين ضحايا آخرين لمكائد العلماء” وذلك عندما شرح موقفه وسيرته الذاتية في رواية حققت نجاحا كبيرا وتوجت بجائزة “جونجور” ، أهم جائزة أدبية في فرنسا.
وأشار الكاتب الألماني إلى أن النابغة الصغير ويليام تومسون الذي عرف بـ” لورد كيلفن” وحقق نجاحا متتاليا في شبابه أصبح ضحية إصراره على أن عمر الأرض يقاس بملايين السنين ، أي أقل بكثير من تقديرات العلماء ، وظل على هذا الاعتقاد حتى وفاته عن 83 عاما مما عرقل الأبحاث العلمية في هذا الجانب مدة طويلة إلى أن أكد العلماء بشكل قاطع بعد نحو عشر سنوات أن عمر الأرض أكثر بكثير مما افترضه لورد كيلفن.
وأوصت” أنيت كليمبل “ الصحفية بوكالة الأنباء الألمانية ،الذين يفضلون الاحتفاظ بالصورة المثالية للعلماء في أذهانهم بعدم قراءة الكتاب “حتى لا يخيب ظنهم في مثل عليا علمية مثل اسحق نيوتن”. “د ب أ”.
الإسلام انتشل الغرب من ظلمات القرون الوسطى
28-09-2010
صدر عن مشروع كلمة التابع لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث كتاب “كيف صنع الإسلام العالم الحديث؟”، هذا الكتاب الذي يتميز بموضوعيته وتحليله العلمي الرصين، ويهتم بإبراز الملامح والسمات التي جعلت الإسلام ديناً عالميًا متسامحاً جمع العلماء والباحثين من أرجاء العالم كافة، وأثر تأثيراً عميقاً في أقوام عديدة وعلوم ومعارف كثيرة، ولكن من أهمها أنه ساعد أوروبا إلى الوصول للعالم الحديث، ونور التقدم والحداثة.
ويحكي الكتاب “كيف أنه وعندما كانت أوروبا في ظلمات القرون الوسطى نَعِمَ العالم الإسلامي بالمستشفيات والأدوية والموسيقى الشجية، وعمل في بيت الحكمة جيش من المترجمين والعلماء الذين نقلوا حكمة الإغريق ومعارف الهند وعلوم الفرس إلى العربية، وفي مطلع عصر النهضة كان الأوروبيون يرتدون الأقمشة العربية ويستمعون إلى موسيقاهم ويتعلمون من فلاسفة الأندلس، والأهم من هذا كله هو أن المسلمين علّموا الغرب الأسلوب العلمي في التفكير والمنهج، وهكذا انتشل الإسلام الغرب من القرون الوسطى ووضع أقدامه على عتبات عصر النهضة”.
مؤلف الكتاب هو مارك غراهام، الذي دَرَسَ التاريخ الوسيط والدين في كلية كونتيكت في الولايات المتحدة الأمريكية وحصل على شهادة الماجستير في الأدب الإنجليزي من جامعة كتنرتاون، وهو كاتب وروائي اشتهر بروايته التاريخية “ماريا السوداء” التي نشرت عام 2000 وفازت بجائزة ادغار ويسكن حالياً في ولاية بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأمريكية.
أما المترجم فهو الأستاذ الدكتور عدنان خالد عبد الله الأستاذ في جامعة الشارقة الذي حصل على شهادة البكالوريوس “امتياز” في اللغة الإنجليزية وآدابها من جامعة الموصل عام 1975. ومن ثم حصل على شهادتي الماجستير في الآداب وتدريس اللغة الإنجليزية سنة ١٩٨١ - ١٩٨٢ والدكتوراه في النقد الأدبي “1983” من جامعة إنديانا في الولايات المتحدة الأمريكية.
درّس في أمريكا وبعض الدول العربية وعمل عميداً لكلية الآداب في جامعة الاتحاد ورئيساً لقسم اللغة الإنجليزية والترجمة في جامعات عربية عديدة ولديه عدد وافر من الترجمات.
فنانو «هوليود» يتضامنون مع مقاطعة عروض المسرح فى مستوطنات الضفة
07-09-2010
ذكرت صحيفة هاآرتس، الإسرائيلية أن حوالى 150 ممثلا ومخرجا ومنتجا أمريكيا وقعوا على رسالة أعربوا فيها عن تضامنهم مع مجموعة الفنانين الإسرائيليين التى قررت قبل نحو أسبوعين مقاطعة أى عروض مسرحية فى المبنى الثقافى الحديث فى مستوطنة “أرئيل” بالضفة الغربية.
وأضافت الصحيفة بأن الفنانين الأمريكيين وصفوا قرار زملائهم بأنه شجاع ولاسيما أنهم يرفضون استخدام الفن لتحويل الاحتلال إلى أمر طبيعى ومقبول.
واعتبر الفنانون الأمريكيون فى الرسالة أن مستوطنة “أرئيل” غير شرعية وتتنافى والقانون الدولى وتشكل عقبة فى سبيل تحقيق سلام دائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين..
الجنس في الدراما السورية: إثارة مجانية أم كشف للمستور؟
06-09-2010
تثير الدراما السورية هذا العام إشكاليات عدة حول المواضيع التي تتناولها، ويرى البعض أن الجرأة في تناول القضايا الاجتماعية بشكل خاص (الدعارة وأزمة الشرف) بلغت مستويات مرتفعة قد لا تناسب الدراما التي يُفترض أنها “فن عائلي” يُعرض على وسيلة جماهيرية وبالتالي يجب أن يراعي الجانب “الأخلاقي والاجتماعي».
ويؤكد موقع “دي برس” أن القاسم المشترك بين جميع الأعمال الدرامية السورية المعاصرة هذا الموسم هو أزمة الشرف والانحدار الأخلاقي في المجتمع “حيث تم تسليط الضوء على تلك القضية ولو بالـ”المطمطة” أحياناً لجذب أكبر عدد من المشاهدين».
ويضيف «جميع المسلسلات الدرامية المعاصرة على اختلاف مشاربها تناولت أزمة الأخلاق وحكايات الدعارة بشكل علني أو عبر تمرير قصة في خضم أحداث مثيرة أخرى، فمسلسل ‘الخبز الحرام’ على سبيل المثال كُرّس بأكمله ليعرض قصص متنوعة الأحداث عن علاقات غير شرعية تنمو في المجتمع السوري (الريف والمدينة)، وهو الحال نفسه الذي يعرضه المسلسل المثير للجدل ‘ما ملكت أيمانكم’ الذي أظهر ازمة شرف عارمة تعاني منها بنات الجيل على اختلاف الطبقات المخملية والفقيرة».
وتثير الأعمال السورية ردود فعل متباينة لدى الجمهور السوري، فالبعض يرى أنها تحول تسليط الضوء على المشاكل الاجتماعية الخطيرة التي يعاني منها المواطن، فيما يرى البعض الآخر أن جرعة الجنس الكبيرة التي تتجلى في أغلب الأعمال غير مبررة ولا تناسب الموسم الرمضاني.
ويعلق أحمد ببيلي على إحدى المواد المنشورة في موقع “سيريا نيوز” بقوله «التلفزيون السوري والمسلسلات السورية باتت ضيفاً ثقيلاً وغليظاً يقتحم المنازل، وخاصة في شهر رمضان حيث تعرض الكثير من المشاهد المنافية للأخلاق كتقديم شباب مراهقين يشربون الخمر ويرقصون في ديسكو دون مراعاة لحرمة الشهر الفضيل».
ويرى بهاء(معلق) أن ما تقدمه الدراما ليس لخدمة المجتمع فـ”نحن لسنا ضد عرض هذه الأشياء من لقطات الفحش والعربدة، ولكن المشكلة هي أن تصبح محور الدراما السورية حيث لا يخلو مسلسل تقريباً من هذه المواضيع، في حين تغيب مواضيع أهم منها كتخلف المناهج التعليمية،وأتساءل أليس من حق العائلة السورية اختيار طريقة توعية أبنائها فربما ليست هذه هي المواقف الملائمة دائماً، فضلاً عن أن طريقة المعالجة والطرح تكون غير مناسبة كمسلسل تقوم البطلة المحبوبة فيه بممارسة الفاحشة».
وتقول الصحفية سعاد جروس إن “تجدد قاموس الشتائم السورية في الدراما بسيل من الألفاظ والمصطلحات فاض عن الحاجة الدرامية والفنية، في منافسة محمومة مع لغة الشارع السوقية.
وتضيف في مقال لها بمجلة “الكفاح العربي”: “ظهر اجتهاد في ذكر الشتائم البالغة السوقية كتلك الكلمة التي تبدأ بحرف (ط) والتي صار يكنى عنها بصوت توت (كناية عن كلمة سيئة) فتجد حوارات أحد المسلسلات مثل شارع مزدحم بالسيارات يضج بالزمامير توت.. توت، فعلاً إنها لغة تستحق الترويج والتعميم في الدراما السورية لتعكس صورة صادقة عن مجتمعاتنا الفاضلة ! وتنسجم مع الفواصل الإعلانية التي تروّج لصناعة العلكة المزدهرة، لا بل تستحق أن يخرج مجمع اللغة العربية من خموله وينشط لتشكيل لجنة لتأليف معجم ‘الطامة في ثرثرة الدراما>!
وتشير صحيفة “الوطن” إلى أنه “لا يكاد يخلو مسلسل سوري من مشاهد تقترب من حدود <أفيون العصر’ وهو الجنس الذي تحوّل من حكم رابع إلى حكم ساحة يتحكم باللعبة كلها، هناك أعمال كاملة قامت على حدث جنسي والجنس يقود أغلب الشخصيات في الأعمال الدرامية السورية فهو الأساس الذي تبنى عليه تصرفاتها وانفعالاتها وحتى ‘باب الحارة’ الذي كان يفخر صنّاعه أنه بعيد كل البعد عن ويلات هذا ‘المرعب’ تضمن مشاهد جنسية مخجلة لم تكن في محلها من قبيل أن فلانة ‘زهّرت».
ويؤكد علي سفر مدير قناة “سورية دراما” وجود مبالغة في الحديث عن مضامين هابطة تضمها الدراما السورية و”التعميم غير صحيح».
ويضيف لموقع “سيريا نيوز”: “لكل عمل سويته الخاصة، ولو كانت الدراما السورية كلها ذات مضامين هابطة لما نجحت في الوصول إلى الجمهور، والحديث عن ترويج للفساد الحياتي والأخلاقي (بغض النظر عما نعنيه بهذا الفساد وعن رأينا فيه) هو شيء يمكن أن نحيله إلى من يرفضون الفن كله».
ويتساءل سفر “كيف يمكن للبشر أن يصنعوا فناً معلباً ومحدد المواصفات بطريقة سبقية؟ وكيف يمكن أن نفرض على الكتاب والمخرجين أن يصنعوا الفن الذي يريده أولئك الذين يرفضون ظهور هذه الثيمات الحياتية والتي تنتمي للسياق الحياتي الذي تعاني منه كل المجتمعات بسبب أزماتها، ألا تشكل مطالب هؤلاء أجندة رقابية تحد من الحريات الإبداعية”؟
ويرى أن لكل مبدع الحق بتناول ما يريد وللمتلقي أن يرى ما يريد أيضاً “لاتنسوا أن على القنوات التي تعرض الدراما التقيد بتوضيح سن المتابعة والذي تعمل وفقه بعض القنوات التخصصية المشفرة فهذا يحل كثير من المشاكل التي تتحدث عن تأثير الدراما و السينما على العائلة».
وترى الباحثة ندى البني أن أي مجتمع لا يخلو من مفاسد أخلاقية واجتماعية، ولكن المسألة تكمن في ضرورة كشفها ولفت النظر لها وهدفنا من هذا الكشف.
وتضيف «الوجه الثقافي الحضاري الذي رافق زمن عزتنا كانت تسوده قيم دينية تعلي قيمة الستر وعدم المجاهرة بالمفاسد سواء بما يتعلق بالجسد أو في غيرها، ولكن الملاحظ لموقف الإسلام من التحدث بالفاحشة يجد أن ردة الفعل تعظم ليس من مجرد فعل الفاحشة وإنما بتوفر شهود عليها والتحدث بها، فوجود الفاحشة بشكل مستور لا يعلم به أحد هو إبقاء لها في حدودها الدنيا».
وترى أن المشكلة ليست في وجود هذه المفاسد وإنما في جعلها محور الأعمال الدرامية، وطرحها بطريقة تسهل تقبلها وشيوعها “لأنه لا يخفى على أحد أن جعل هذه الأمور محور الأعمال الدرامية يجعل الأدوار الدرامية متركزة عليها لتعكس نسبة من المتجاوزين ليست هي النسبة الواقعية مهما حاول المُحصنون كشف المستور، ثم ما هدفنا من عرض هذه الأمور”؟
وتضيف «عادة ما تعالج بعض المشاكل النفسية الناجمة عن كتمان مكنونات النفوس بالمساعدة في الجهر بها وذلك بهدف تجاوز الألم الداخلي الفردي، لكن هذا سيقودنا بعيدا عن الترفع أو الإقلاع عنها إلى تقبلها والسماح بها، وإننا إذ نذكر هذا نضع كل أخلاق الفساد سوية من سرقة المال العام و الرشوة إلى المفاسد الجنسية والعلاقات المحرمة».
حسن سلمان …م اا ل
الفلسفة والتاريخ.. إشكالية المنهج والمفهوم والنظرية
05-09-2010
تضعنا إشكالية العلاقة بين الفلسفة والتاريخ مباشرة أمام مهمّة محدّدة، تتمثّل في الوقوف على أواصر الصلة بين هذين المبحثين، فالتساؤل عن ماهية التاريخ يستدعي التعريف بهذا العلم وتدقيق مفاهيمه والنظر في طبيعة قوانينه، ومن ثمة الوقوف على عوائقه الإبستمولوجية.
لقد كتب تاريخ الشعوب والحضارات والدول بطرق مختلفة، اختلط فيها غالبا العلميّ بما قبل العلميّ، وتمثل النظريات الإيديولوجية المختبئة داخل تلك القراءات مجالا رحبا للدراسة الابستمولوجية، وبالتالي رسم الحدود بين الإيديولوجيّ والعلميّ في تلك الكتابات.
ومساءلتنا لماهية الفلسفة وإن اختلف سياقها فإنّها تستدعي أيضا الوقوف على إشكالية التعريف، فالفلسفة من حيث علاقتها بالتاريخ سوف تمكّن من النظر إلى الوجود الإنساني في دلالاته الأشدّ اتساعا، والإبانة بالتالي عن وقائع الحياة الإنسانية عبر الحقب المتعاقبة بجعلها مفهومة.
وإذا كانت الفلسفة بالمعنى الهيجلي هي خلاصة عصرها، أو هي عصرها ملخّصا في مجال الفكر، فإنّ مهمّتها تغدو تعقل الواقع، ألا يمثّل التاريخ فلسفة متوارية عن الأنظار؟ فعندما ترسم الفلسفة لوحتها الرمادية فتضع لونا رماديا فوق لون رماديّ تكون صورة من صور الحياة قد شاخت كما يؤكّد هيجل، وبالتالي فإن ما انقضى بالمعني الكرنولوجي قد أضحى موضوعا للتأمّل الفلسفي، ومن هنا تلك الصلة الديالكتيكية بين التاريخ والفلسفة، ورهان الوصل هنا نبتغي من خلاله إبراز أواصر الصلة بين مبحثين كانا على الدوام متجاورين، متشابكين، متداخلين.
تختص الفلسفة بالبحث في الكلّيّ، فهي نظرة شمولية للمسائل، وقد بيّن أفلاطون أن الفيلسوف يدرك الكلّ في علاقة بالعناصر المؤلّفة له، وهذا التأكيد نجده لدى فلاسفة كثيرين جاؤوا بعده، فأرسطومثلا يعرّف الفلسفة بأنّها العلم بالأسباب والعلل الأولى للأشياء، وينظر إليها الفارابي باعتبارها “العلم بالموجودات بما هي موجودة” “1” والأهمّ من هذا ربما، هو توصيفها بأنّها تختص بالمساءلة والتحليل والنقد فـ” الذين يحبون الحكمة يجب أن يكونوا متسائلين” “2”، أي إنّ الأسئلة في الفلسفة أهم من الأجوبة كما بين ذلك كارل ياسبرس، ولأنّ الفلسفة تتمرّد على المألوف والدارج والسائد فقد أتهمت دوما بالمروق ويفسّر ذلك بأنها “تتساءل عما هو حقيقيّ لا عمّا هو مقبول” “3”
نشأت الفلسفة وتطورت في اليونان ولكن لماذا حصل ذلك في هذا البلد دون غيره؟ إن ذلك يعود لتوفّر شرطين أساسين، أحدهما اقتصادي والآخر سياسي، فعلى صعيد الاقتصاد اقترنت تلك النشأة بتطوّر تقسيم العمل وسدّ الحاجات الأساسية، فاختص قسم من المجتمع بالتفكير بينما اختص قسم آخر بالعمل اليدوي، فالحاجة إلى الفلسفة هي حاجة الرغبات المشبعة كما أكد هيجل وعلى صعيد السياسة مكن اعتماد الديمقراطية في تسيير الشأن السياسي من توفر تربة صالحة لمناقشة الأفكار بقدر معين من الحرية.
ولدى العرب نشأت الفلسفة وتطوّرت عندما كانت هناك دولة مزدهرة اقتصاديا وثقافيا، فنشأت بيت الحكمة وتطوّرت حركة الترجمة، وكان الاعتزال هو الايدولوجيا الرسمية للدولة العباسية في طورها الأول، وعندما حصل الانعطاف نحوالحنبلية مع المتوكل ضمرت الفلسفة.
هذا فيما يخص الفلسفة أما العلم الذي يعد التاريخ من بين الأقسام المؤلفة له فهو نسق تركيبي من التعريفات والفروض والنظريات والاستنتاجات يقوم فيه العالم بالقطع مع المعرفة الحسية المباشرة، فهو عملية بناء وتركيب أي إنه تجريد للواقع إذ يتعلق الأمر هنا ببناء واقع مجرّد يتجاوز الواقع الحسّي المباشر، تكون فيه القوانين والنظريات قابلة للبرهنة بإعتماد المنهجين التجريبي والفرضي الاستنتاجي.
في الايدولوجيا يتم الانطلاق مما يتوهمه الناس عن وضعهم وأحوالهم وهوما يعبرون عنه في أشكال وعي مختلفة، الجامع بينها كونها تزيف الواقع وتحجبه، وفي الغالب يتم الانطلاق من تلك الأوهام المتخيلة وتفصيل الواقع على قدها كي تتناسب معه، فليس الواقع هنا هوما تكون تلك التصورات انعكاسا له وإنما التصورات المتوهمة هي التي يصب الواقع في قالبها فتلونه بلونها فتبدو تلك التصورات صانعة للواقع ومتحكمة به، إنه يتبعها ولا تتبعه، وبذلك تنقلب الأدوار فالايدولوجيا التي هي انعكاس وهميّ للواقع تصبح هي الأساس بينما يشغل الواقع موقع الانعكاس، يقول ماركس وأنجلس” إذا كان البشر وجميع علاقاتهم يبدون لنا في الايدولوجيا بكاملها موضوعين رأسا على عقب كما في غرفة مظلمة فإن هذه الظاهرة تنجم عن عمليات تطور حياتهم التاريخية تماما كما أن انقلاب الأشياء على الشبكية ينجم عن عملية تطور حياتهم الفيزيائية بصورة مباشرة” “5”.
وبحسب لويس ألتيسار فإن الفلسفة ليست علما وليست إيديولوجيا، إنها نظرية للممارسة العملية، ووظيفتها رسم خط الفصل بين العلمي والإيديولوجي وهي لا تهتم بالإجابة عن الأسئلة التي تخص الأصل والنهاية لأنها ليست أخلاقا ولا دينا، فتلك الأسئلة ذات طبيعة إيديولوجـية وهي بالتالي غريبة عنها “6”.
أما التاريخ فينظر إليه وفق الفهم التقليدي باعتباره سلسلة من الأحداث التي تتراص فوق بعضها البعض، فيكون عبارة عن رواية للأخبار التي تخص تلك الأحداث، وكان ابن خلدون قد نقد هذا الفهم مستكشفا نواحي القصور فيه فالتاريخ “في ظاهره لا يزيد عن أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأول “…” وفي باطنه نظر وتحقيق” “7” ، وقبل ذلك كان فلاسفة اليونان قد اهتموا بإيجاد تاريخ عالمي للبشرية، أي بذلك المبحث الذي يختص بالنظر في المخطط الذي يتطور وفقه التاريخ، وبالتــالي يكشف عن الغائية المحركة لأحداثه، والفيلسوف غير معني هنا بالتأريخ وإنما بالتاريخ فهو يبحث عن الغائية المحركة ويصوغها في شكل أطروحة فلسفية.
لقد أكد أفلاطون أن هناك دورة طبيعية لأنظمة الحكم، فهي تنشأ ثم تهرم وتفسد وتنحل مثل أيّ كائن حيّ فـ”كلّ ما يكون معرض للفساد، ودستور “الدولة” بدوره لن يدوم إلى الأبد بل سيدبّ فيه الانحلال” “8”، كما تحدّث أرسطو عن أنظمة الحكم المختلفة وأسباب تنوعها وما هو بسيط منها وما هو مركّب وكيف تتالي وتتعاقب “9”، ولدى العرب كان ابن رشد على وعي بهذه المسألة حيث عدد أنواع أنظمة الحكم ووقف على طبيعتها وكيفية تبدلـــها “10” إنّ ما يسمّيه الفلاسفة التاريخ العالمي للبشرية هو الذي يختص بالبحث عن المخطط الذي يتطور وفقه التاريخ، وبالتالي يكشف عن الغائية المحركة لأحداثه.
وقد اهتم هيجل بشكل خاص بهذا المبحث الذي سمّاه التاريخ الفلسفي للعالم وهويحيل إلى التاريخ في دلالته الكلية، فالأمر هنا لا يتعلق بتاريخ مخصوص لهذا الشعب أو ذاك، وإنما بتاريخ الإنسانية قاطبة، ولأجل التعريف بهذا المبحث يرسم هيجل خطّ الفصل بينه وبين أنواع أخرى من التاريخ، وهي التاريخ الأصلي والتاريخ النظري والتاريخ النقدي، فالتاريخ الأصلي من أعلامه هيرودوت وثوكيديدز، ومجال اشتغاله رواية الأخبار وعرض الأحداث ووصف الأوضاع، فالمؤرخون هنا ـ”هم ببساطة قد نقلوا ما حدث في العالم من حولهم إلى عالم التمثل العقلي، وعلى هذا النحو نجد ظاهرة خارجية تترجم إلى تصور داخلي” “11”.
ويعرض هيجل للعوائق التي اعترضت هذا النوع من التاريخ ، فـ”في مثل هذا اللون من التاريخ وهوالتاريخ الأصلي لا بدّ من استبعاد الأساطير والأقاصيص الشعرية والتراث الشعبي لأنها ليست إلا صورا غامضة معتمة من فهم التاريخ، ومن ثم فهي تنتمي إلى الأمم التي لم يستيقظ وعيها تماما” “12”.
لقد وقع هؤلاء المؤرّخون تحت تأثير الذاتية، فـ”الحاضر الحيّ في البيئة من حولهم هو المادة الفعلية التي يستخدمونها والمؤثرات التي شكلت الكاتب هي نفسها المؤثرات التي شكلت الأحداث التي تكون مادة روايته، وروح الكاتب هي نفسها روح الأحداث التي يرويها “…” أمّا التأملات النظرية فليست من اختصاصه لأنه يعيش روح موضوعه “ أو أحداثه” دون أن يتجاوزها، بل إنه حتى لو كان ينتمي مثل قيصر إلى المرتبة الرفيعة للقادة أورجال الدولة فإنّ انجاز وتحقيق أهدافه الخاصة هو الذي يكون التاريخ في نظره” “13”.
وهذا النوع من التاريخ لا نجده فقط لدى الأقدمين وإنما أيضا لدي الوسيطيين والمحدثين، والقاسم المشترك بينهم هوتلك الذاتية التي تطبع ما قدموه لنا باعتباره تاريخا.
والتاريخ النظري “المقصود به التاريخ الذي يعرض بطريقة لا تحصر نفسها في حدود العصر الذي ترويه، بل تتجاوز روح العصر الحاضر” “14” وهو ينقسم إلى أربعة أقسام، أولها ذلك الذي يهتم فيه المؤرخ بتقديم رؤية شاملة تختزل تاريخ شعب أوتاريخ الإنسانية، والمشكل هنا أيضا هوالذاتية وهي العقبة التي يدعوهيجل إلى تخطيها “ إن تاريخا من ذلك اللون الذي يتطلع لأن يغطي فترات زمنية طويلة أوأن يكون تاريخا كليا لابد في الواقع أن يمتنع عن محاولة تقديم تمثيلات فردية أو شخصية للماضي كما كان يوجد بالفعل” “15”.
والقسم الثاني هوالتاريخ البرغماتي حيث يتعلق الأمر بالبحث في التاريخ عن تعاليم أخلاقية يمكن استخلاصها بهدف توظيفها في معارك الحاضر، أما القسم الثالث فهوالتاريخ النقدي، أو ذاك الذي يقول عنه هيجل إنه يحسن تسميته تاريخ التاريخ، الذي يتركز الاهتمام فيه على نقد الروايات التاريخية، بحثا عن معقوليتها. ومرة أخرى فإن الذاتية هنا هي عقبة كأداء، مما يؤدّي إلى الانحراف ناحية الانحياز وفقدان الموضوعية، فالمشكل هنا هو” أن نجعل الماضي واقعا حيّا بأن نضع خيالات ذاتية محل المعطيات التاريخية” “16”.
والقسم الرابع والأخير هو تاريخ جزئي لمجال ما مثل تاريخ الفن وتاريخ الدين وتاريخ القانون، وهو”يشكل مرحلة انتقال إلى التاريخ الفلسفي للعالم ما دام يأخذ بوجهة نظر عامة” “17”، فهو يقترب من التعبير عن روح شعب بعينه، أما النوع الثالث والأشد أهمية لديه فهوالتاريخ الفلسفي ويتعلق الأمر فيه بالكشف عن”العقل الذي يسيطر على العالم، وأن تاريخ العالم بالتالي يتمثل أمامنا بوصفه مسارا عقليا” “18”.
وكان فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ قد أفرد إلى هذه الإشكالية جانبا من حديثه، فقد أشار إلى أن التاريخ يمثل مسارا تنتظم حلقاته وفق تطور يؤدي في نهاية المطاف إلى بلوغ لحظة فاصلة، وأن الفضل يعود لهيجل وكارل ماركس في توضيح هذه الفكرة، والتعامل مع التاريخ على هذا الأساس، فالتاريخ محطات تنتهي إلى غاية، أي أنه يتخذ ظاهريا طابعا عشوائيا، ولكنه ليس كذلك في حقيقته فهو يخضع إلى النظام والترتيب.
لقد استعاد فوكاياما في كتابه نهاية التاريخ الإجابة الهيجلية وحاول بث الروح فيها من جديد بالقول إن التاريخ قد إتجه نحو غاية قصوى هي الدولة الديمقراطية الليبرالية، بل إن تلك الغاية قد تم إدراكها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وإنبجاس فجر العولمة، ففي كتاب فوكوياما احتفاء بما شهده العقد الأخير من القرن العشرين من أحداث، ويصل فيه إلى استنتاج مصحوب بمسحة وعظية قائلا “إن الديمقراطية الليبرالية تظل المطمح السياسي الواضح الوحيد في مختلف المناطق والثقافات في كوكبنا هذا “ “19”، وإن ذلك يقترن بالأخذ على المستوى الاقتصادي بمبدأ السوق الحرة، وعلى المستوى السيـــاسي بمبدأ الحرية السياسية، وغير خافية هنا الملامح الإيديولوجية في هذا الكلام.
وهيجل نفسه وجد هذه الفكرة لدى أفلاطون، أي فكرة / مفهوم “الثيموس” التي يقول عنها فوكوياما إنها “أشبه بحسّ إنساني فطري بالعدالة “ “20” وبالتالي فإنها تحرك الإنسان نحوالبحث عن الاعتراف فـ”الرغبة في نيل الاعتراف والتقدير، وما يصاحب هذه الرغبة من مشاعر الغضب والخجل والفخر، هي جوانب الشخصية الإنسانية، بالغة الأهمية في مجال الحياة السياسية، وهي عند هيجل المحرك لعملية التاريخ بأسرها” “21”.
ويستنتج فوكوياما من سقوط الاتحاد السوفيتي أن ما واجهته الليبرالية الديمقراطية من رد فعل عنيف من قبل الماركسية قد انتهي إلى رفع التحدي فالنظم الشيوعية لا توفر للمواطنين الكرامة والاحترام ، وكان ذلك سبب فشلها، ان محرك التاريخ هوالرغبة في الاعتراف ولهذا انتصرت الليبرالية على الماركسية. لقد كان الإنسان يبحث منذ القديم عن الاعتراف به وحققت له الدولة الليبرالية الديمقراطية هذا الهدف، وعند هذه اللحظة انتهى التاريخ وبلغ سقفه.
وهكذا فإنه سواء تعلق الأمر بهيجل اوبفوكوياما فإن التاريخ الفلسفي يكشف عن تلك الغائية التي يسيرها عقل العالم أحيانا بصورة ظاهرة وأخرى بصورة متخفية بل وماكرة أيضا.
لقد نقدت الماركسية هذا التصور المثالي للتاريخ الذي يعد هيجل أباه الشرعي فهويفسر التاريخ بالأفكار عوض تفسيرها بالشروط المادية، فالتاريخ بالنسبة إلى الماركسية يمثل كلا ترتبط العناصر المؤلفة له بروابط قوية، ضمنه يرتبط الوجود الاجتماعي بالوعي الاجتماعي، وهويخضع إلى قوانين موضوعية تتحكم به، وبالتالي فإن النظر إليه باعتباره نتاج إرادة متعالية أومن فعل فرد عظيم أومجرد مصادفة سيئة أوسعيدة أعتبر ماركسيا بمثابة وهم، وهنا يكتسب التاريخ معناه كعلم إلى الحدّ الذي يقول معه كارل ماركس إن التاريخ هو العلم الوحيد الذي أعرفه وأعترف به “22”.
وهكذا فإن هناك أواصر صلة قوية بين التاريخ والفلسفة على نحو يمكن القول معه باستحالة الفصل بينهما، فالعلاقة بينهما تلازمية، سواء من جهة تاريخ الفلسفة مثلما بادر إلى القيام به هيجل في محاضراته حول تاريخ الفلسفة التي اعتبرها ماركس “الوثيقة الحقّة لولادة تاريخ الفلسفة” “23” أو من جهة إعطاء الفلسفة للحدث التاريخي ماهيته النظرية.
وإذا كان من مشمولات الفلسفة النظر في العلوم والآداب ومساءلتها من حيث مناهجها ومفاهيمها ونظرياتها ووشائج الصلة بينها، فإن حضورها في تناول موضوع العلاقة بين تلك العلوم والآداب يفرض ذاته لا محالة، وهي لا تفعل ذلك من موقع الشريك فقط لتلك المباحث، وإنما أيضا من موقع من يمتلك بحكم الوظيفة والخصوصية القدرة على بحث تلك العلاقة، فالفلسفة برأي لويس ألتيسار ليست مادة فقط من مواد العمل المشترك المتعدد المواد، ربما لأنها هي من ينظر في ذلك، فهي تحلق فوق تلك المواد كلها متفحصة إياها. “24”
ولو أخذنا بهذا الرأي فإنه يظل أمامنا فحص الصلة بين الفلسفة ومباحث عديدة أخري بعين قد لا تختلف كثيرا عن تلك التي كانت حاضرة في تناول الفلاسفة لإشكالية الفلسفة والتاريخ.
العرب أونلاين- فريد العليبي*:
______________________
الهوامش:
1 ـ الفارابي: كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين: تحقيق وتقديم وتعليق ألبير نصرى نادر، بيروت 1982، دار المشرق، الطبعة الرابعة، ص 81
2 ـ هيراقليطس جدل الحب والحرب، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، بيروت دون تاريخ، دار التنوير، ص 55 .
3ـ كارل ماركس ، افتتاحية العدد 179 من صحيفة كولونيا ، ضمن : حول الدين، ترجمة ياسين الحافظ، بيروت دون تاريخ، دار الطليعة، ص21 .
4ـ أنظر على سبيل المثال مرسوم تحريم الفلسفة في الأندلس ضمن : ابن عبد الملك، الذيل والتكملة، تحقيق إحسان عباس، بيروت 1973، دار الثقافة، ص 25
5 ـ ماركس / أنجلس، الايدولوجيا الألمانية، ترجمة فؤاد أيوب، دمشق، دون تاريخ، دار دمشق،ص 30
6ـ Louis Althusser. Philosophie et philosophie spontanée des savants. Maspero. Paris 1974
7ـ ابن خلدون، المقدمة، بيروت، دون تاريخ، دار الجيل، ص ص 3ـ 4
8ـ أفلاطون، الجمهورية، ترجمة فؤاد زكريا، القاهرة1974،الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص 475 .
9ـ أرسطو، السياسيات، نقل أوغسطين بربارة البولسي، بيروت 1957، اللجنة الدولية لترجمة الروائع الإنسانية، ص 185 .
10ـ ابن رشد، تلخيص الخطابة، تحقيق عبد الرحمان بدوي، الكويت / بيروت، دون تاريخ، وكالة المطبوعات ودار القلم، ص 68 . أنظر أيضا : ابن رشد، مختصر كتاب السياسة لأفلاطون، نقله من العبرية إلى العربية محمد شحلان، بيروت 1998، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى.
11ـ هيجل محاضرات في فلسفة التاريخ، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، بيروت 1981، دار التنوير، الطبعة الثانية، ص 64 .
12ـ المصدر نفسه، ص 64
13ـ المصدر نفسه، ص 65
14ـ المصدر نفسه، ص67 .
15ـ المصدر نفسه، ص 69 .
16ـ المصدر نفسه، ص 71
17ـ المصدر نفسه ص 72
18 ـ المصدر نفسه، ص 73
19 ـ فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ وخاتم البشر، ترجمة حسين أحمد أمين، القاهرة 1993، مركز الأهرام للترجمة والنشر، الطبعة الأولى، ص 10
20 ـ المصدر نفسه، ص 13
21 ـ المصدر نفسه، الصفحة نفسها .
22 ـ يقول ماركس وأنجلس : “ إننا نعرف علما واحدا فقط ألا وهو علم التاريخ، ويستطيع المرء أن ينظر إلى التاريخ من طرفين وأن يقسمه إلى تاريخ الطبيعة وتاريخ البشر، وعلى كل حال فالطرفان غير منفصلين، فتاريخ الطبيعة وتاريخ البشر يشترطان بعضها بعضا ما وجد البشر، وإن تاريخ الطبيعة المسمى العلوم الطبيعية لا يعنينا هنا، لكنه لابد لنا أان ندرس تاريخ البشر، مادامت الايدولوجيا بكاملها على وجه التقريب ترتد إما إلى تفسير خاطئ للتاريخ وإما تؤدي إلى تعليقه كليا، فليست الايدولوجيا بالذات إلا مظهرا واحدا من مظاهر هذا التاريخ “ ماركس أنجلس، الايدولوجيا الألمانية ، مصدر سابق، ص 22 .
23 ـ كارل ماركس،، الفرق بين فلسفة الطبيعة عند ديمقريطس وفلسفة الطبيعة عند ابيقورس ، ضمن : حول الدين، مصدر سابق، ص 11
24 ـ Louis Althusser . Philosophie et philosophie spontanée des savants.
دراسة: ملحمة الأوديسة الإغريقية واقع لا خيال
31-08-2010
يقول فريق من علماء الآثار في اليونان إنهم اكتشفوا قصر أوليس “ملك إيثاكا” بطل الملحمة الشعرية الإغريقية “الأوديسة” في الجزيرة اليونانية التي يحمل اسمها.
وإذا ثبتت صحة هذا الاكتشاف فإنه يعني أن الأسطورة الإغريقية الخالدة ـ وثانية الملحمتين الإغريقيتين الشهيرتين بعد الإلياذة ـ ليست أسطورة، وأن البطل الإغريقي ـ صاحب حصان طروادة ـ قد سكن فعلا هذه الجزيرة الواقعة في الساحل الشمالي الغربي لليونان.
فبعد 30 قرنا من عودة الملك أوليس إلى جزيرته يقول باحثون في جامعة أيونينا اليونانية أنهم عثروا على أطلال بناية من ثلاثة طوابق بسلم محفور في الصخر وكِسر من الفخار، وبئر، وأن هذه البناية تعود للقرن الثامن قبل الميلاد، التي يعتقد أن ملك إيثاتا قد عاش فيه.
ويضيف هؤلاء أن تفاصيل المبنى الذي اكتشفوه تتطابق تماما ووصف هوميروس مؤلف الملحمة للقصر الشهير.
ويشابه تصميم القصر ـ الذي قضى أستاذ الآثار ثاناسيس بابادوبولوس 16 سنة في الحفر قبل اكتشافه ـ تصميمات قصور في مسينا وبايلوس ومواقع أثرية أخرى.
وقوبل إعلان فريق البحث بارتياب العديد من الأكاديميين الذين يعتقدون أن أوليس وغيره من أبطال ملحمة هوميروس هم مجرد شخصيات ابتدعها الخيال.
ومما يصعب من تحديد هوية الموقع الأثري الارتياب فيما إذا كانت مملكة إيثاكا القديمة في الجزيرة هي نفسها التي تحمل الاسم الآن (إيثاكا).
وكان الباحث البريطاني روبرت بتليستون قد أشار إلى أن وصف هوميروس للجزيرة التي كان أوليس ملكا عليها لا تشبه جزيرة إيثاكا المعاصرة، وإن موقع جزيرة هوميروس كان في شبه جزيرة باليكي ضمن جزيرة سيفالونيا.
ويعتقد بتليستون أن باليكي كانت جزيرة يفصلها عن جسم سيفالونيا قناة ردمت فيما بعد بتراكم صخور ناجم عن حدوث زلازل في المنطقة.
وكان بتلستون قد نشر نظريته المثيرة للجدل في كتابه “الأوديسة مفككة: البحث عن إيثاكا هوميروس»
كتاب يشكك في مصداقية جائزة نوبل للسلام وينعتها بالفشل الأخلاقي
29-08-2010
ذكر كتاب اطلعت عليه رويترز أن مجلس أوصياء جائزة نوبل للسلام خان الهدف الرئيسي للجائزة وهو تكريم “أبطال السلام “ باختيار فائزين مثل الصليب الأحمر أوالرئيس الأمريكي.
ويحتوي الكتاب “جائزة نوبل .. ما كان يريده نوبل في الحقيقة “ مذكرات لرئيس اللجنة الراحل لم تنشر حتى الان تظهر خلافات شديدة خلال العقود الماضية حول كيفية تفسير وصية السويدي الفريد نوبل مؤسس الجائزة التي أطلقت عام 1895.
وقال المؤلف والمحامي فريدريك هيفرميهل لرويترز عن الكتاب الصادر باللغة الانجليزية بعد اصدار نسخة بالنرويجية في 2008 “ تتجاهل اللجنة نوبل وتقدم جائزة السلام وفق افكارها .. انه فشل اخلاقي. “
ورفض مجلس أوصياء الجائزة في الماضي تفسير هيفرميهل لنية مؤسس الجائزة وانتقاده لجوائز كثيرة منحت منذ الخمسينيات بوصفها انها لا تستند إلى الواقع.
وقال هيفرميهل إن نوبل المحب للخير و مخترع الديناميت اراد أن يكرم “ابطال السلام” مع تركيز اكبر على نزع السلاح ومؤتمرات السلام وليس لما تراه لجنة الجائزة على مدار العقود الاخيرة.
وقال إن الرئيس اوباما الذي فاز بالجائزة في عام 2009 كان لا ينبغي ان يكون في القائمة على الرغم من هدفه بنزع السلاح النووي وذلك الى حد ما بسبب تورط الولايات المتحدة في حربين في العراق وافغانستان.
ومضى هيفرميهل يقول إن الخلافات الموضحة في المذكرات اليومية لجانر جان رئيس اللجنة المكونة من خمسة أعضاء في الفترة من عام 1942 حتى عام 1966 تعكس وعيا عميقا بالمشاكل المتعلقة بالتفسير الصحيح لوصية مؤسس جائزة نوبل .
وهدد جان مرة بالاستقالة من اللجنة لشعوره بان جوائز كثيرة تذهب إلى مؤسسات كالصليب الاحمر.
وكتب في عام 1963 يقول “ إذا واصلنا منح الجائزة إلى المؤسسات فسوف اطالب البرلمان باعفائي من مهمتي كعضو في اللجنة .. لا يمكننا في الحقيقة ان نعطي باستمرار الجوائز لهولاء الذين ضمدوا جراح الحروب.”
لكنه في النهاية وافق في عام 1963 على منح الجائزة إلى اللجنة الدولية للصليب الاحمر التي فازت ايضا عامي 1917 و1944.
وفي عام 1958 قال جان إنه “ صدم الى حد ما لتصميم العديد من اعضاء اللجنة على هيلين كيلر كمرشحتهم “ لكن هيلين كيلر وهي كاتبة ونشطة سياسية صماء وضريرة وتوفيت عام 1968 لم تفز بالجائزة مطلقا.
لكن بمرور السنين وافق جان على بعض الخيارات التي انتقدها هيفيرميهل مثل منح جائزة نوبل لصندوق الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسيف” في عام 1965.
ومن المشكلات الرئيسية إن وصية مؤسس الجائزة مازالت مبهمة.
وتقول الترجمة الرسمية إن الجائزة ينبغي ان تذهب إلي “الشخص الذي فعل اكثر او افضل عمل من أجل الاخاء بين الامم والغاء او تقليص الجيوش القائمة وتشكيل ونشر مؤتمرات السلام.
ويقول جير لوندشتاد مدير معهد نوبل إن هيفيرميهل يبالغ في إيمان نوبل بمؤتمرات السلام التي كانت اكثر شعبية قبل 100 عام مشيرا إلى ان نوبل قال مرة إن مصانعه للديناميت تستطيع ان تنهي الحروب اسرع من هذه الاجتماعات.
وحظى السلام بتفسيرات واسعة في السنوات الاخيرة مع منح جوائز نوبل للناشطة البيئية الكينية وانجاري ماثاي على الجائزة في عام 2004 وحصول المصرفي النبجلاديشي محمد يونس عليها في عام 2006.
صيف سياسي ساخن في مصر
19-08-2010
على وقْع حرارة الطقس، الذي صار يُباغت المصريين، وهو ما لم يعتدْ عليه أبناء النيل من قبل، يصاحب هذا الصيف أجواء سياسية أصبحت لا تقلُّ سخونة عن حرارة الطقس.
وتأتي سخونة المشهد السياسي في مصر حاليًا، والقاهرة على مشارف إجراء انتخابات “برلمانية” قُبيل نهاية العام الجاري، تتبعها بعام تقريبًا الانتخابات الرئاسية، التي تحظى بفضولٍ كبير من المصريين، متطلعين إلى رئيسهم القادم، في ظلّ تصاعد الحديث عن توريث الحكم من الرئيس حسني مبارك إلى نجله جمال، وهو الأسلوب الذي يحظى بمعارضة في الشارع المصري.
وبين المشهدَيْن الانتخابيَّيْن، بدأت حملة التوقيعات، ومنها حملات توقيعات لتغيير الدستور، وهي الحملة التي تقودها الجمعية الوطنية التغيير، التي نشأت في أعقاب إعلان المدير السابق لوكالة الطاقة الذرية د. محمد البرادعي عزمه التحرُّك داخليًّا لإحداث التغيير في بلده، فضلًا عما يتردَّد عن كونه سيصبح مرشحًا رئاسيًّا محتملًا.
وإذا كانت هذه التوقيعات تطالب بتغيير الدستور، بما يسمح للآحاد بالترشُّح للمنصب الرئاسي الرفيع، دون أن يكون للترشُّح عوائق كما هو الحال القائم، فإن حملة التوقيعات الداعمة لمبارك الابن، أخذتْ في الاتساع والتزايد بمحافظات مصر المختلفة، لتطرحه بديلًا رئاسيًّا في الانتخابات المقبِلة.
نقاشاتٌ ساخنة
ومن هنا صار صيف القاهرة يحظى بنقاش سياسي ساخن، نتيجة حملات جمع التوقيعات، والتي كان الأبرز بينها في الفترة الأخيرة وبعيدًا عن سباق الراغبين في الترشُّح للرئاسة السعي لجمع الآلاف منها على مطالب سبعة لتحقيق الإصلاح السياسي في البلاد، وهي الحملة التي تتبنَّاها جماعة الإخوان المسلمين ويؤيدها عديدٌ من الأحزاب والقوى السياسية، وبالتوازي معها حملة جمع التوقيعات التي أطلقتْها الجمعية الوطنية للتغيير، والتي تأسَّست على خلفية عودة البرادعي للقاهرة.
وتقول جماعة الإخوان المسلمين: إن أعداد التوقيعات على مطالب الإصلاح السبعة وصلتْ إلى نصف مليون توقيع بعد نحو الشهر من إطلاقها وتخصيص موقع إلكتروني لجمعِها، فيما صدَّرت الجماعة بيانها الذي احتوى المطالب السبعة بعبارات عددت فيها ما رأته الجماعة مظاهر لأزمات «خلَّفَها الفساد المتغلغل في كل القطاعات في البلاد».
وقال البيان: إن هذا الفساد «يجد في استمرار الطوارئ والتعذيب والتزوير بيئة خصبة للانتشار، مما دفع بمصر لخطوات كثيرة للخلف، حتى تراجع دورها على المستويَيْن الإقليمي والدولي، وأصبحت غير مؤثِّرة في كثير من القضايا التي تمثِّل أمنًا قوميًّا، كما هو الحال في القضية الفلسطينية والأزمة العراقية، بل وحتى حماية مياه نهر النيل».
وتحدد الجماعة مطالب سبعة ترى أن هناك توافقًا تامًّا حولها بين مختلف القوى السياسية والحركات المطالبة بالتغيير والإصلاح، وهذه المطالب هي: إنهاء حالة الطوارئ، وتمكين القضاء المصري من الإشراف الكامل على العملية الانتخابية برمتها، والرقابة على الانتخابات من قِبل منظمات المجتمع المدني المحلي والدولي، وتوفير فرص متكافئة في وسائل الإعلام لجميع المرشحين، وخاصة في الانتخابات الرئاسية، إضافة إلى المطالبة بتمكين المصريين في الخارج من ممارسة حقهم في التصويت بالسفارات والقنصليات المصرية، وكفالة حقّ الترشح في الانتخابات الرئاسية من دون قيود تعسّفيَّة.
الجمعية الوطنية للتغيير بدورها دعت جموع الشعب المصري إلى التوقيع على بيان تضمَّن نفس المطالب السبعة، وإن اختلفت مقدمتُه التي جاءت على لسان الدكتور محمد البرادعي، حيث يؤكِّد فيها أنه لمس خلال لقاءاته بفئات مختلفة من الشعب المصري إجماعًا على ضرورة التغيير في مصر.
اللافت أن الجمعية الوطنية للتغيير وحركة شباب 6 أبريل أطلقتا مجموعاتٍ من الشباب تجمع التوقيعات على بيان التغيير من المارَّة بالقاهرة والمصطفين على الشواطئ في المدن الساحلية، كما تطرق بيوت المواطنين في مختلف المحافظات لجمع توقيعاتهم على البيان فيما سمي بـ «حملات طرق الأبواب»، ورغم أن جماعة الإخوان اكتفتْ بجمع التوقيعات «إلكترونيًّا» فإن حملات اعتقال طالت عددًا من كوادرِها في الأيام الأخيرة.
وقالت الجماعة: إنهم من نُشطاء جمع التوقيعات، معتبرةً أنها (الاعتقالات) تعبِّر عن «إفلاس النظام الحاكم في مواجهة تزايد أعداد الموقِّعِين على مطالب التغيير».
دليلٌ آخر رأت الجماعة أنه يعبِّر عن نجاح حملة التوقيعات وتمثّل في إعلان وزير الشئون النيابية والقانونية الدكتور مفيد شهاب -القيادي بالحزب الوطني- أن تغيير الدستور أمرٌ وارد «فهو ليس كتابًا مقدسًا».
الرغبة في التغيير
ردود الأفعال على الحملات الساعية إلى جمع توقيعات المواطنين على مطالب الإصلاح امتدَّت إلى خارج مصر ودفعت بصحيفة الـ «واشنطن تايمز» الأمريكية إلى أن تعتبر في تقرير لها قبل أيام أن ارتفاع أعداد الموقِّعين على بيان مطالب الإصلاح والتغيير من عشرات الأشخاص إلى مئات الآلاف يمثِّل «إشارة إلى القوة الكبيرة للرغبة في التغيير، والذي يمكن تحقيقه إذا ما استمرَّ التحالف الحالي بين جماعة الإخوان المسلمين والعلمانيين الإصلاحيين وإمكانية خلْق جبهة موحَّدة تطالب بالتغيير».
أن تطلق قوى المعارضة المصرية حملات للمطالبة بالتغيير وتصدر بيانات مذيَّلة بتوقيعات من عشرات المثقفين والسياسيين، وأن يتسع الأمر إلى محاولة جمع مليون أو اثنين من توقيعات المواطنين المؤيِّدين لمطالب الإصلاح والتغيير هي أمور يراها مراقبون تدرجًا طبيعيًّا في عمل قوى المعارضة.
لكن ما أثار الانتباه هو ما تشهدُه القاهرة والمدن المصرية هذه الأيام من إطلاق الحزب الوطني الحاكم حملات أيضًا لجمع توقيعات المواطنين، لكنها هذه المرة لتأييد ترشيح نجل الرئيس مبارك -أمين لجنة السياسات بالحزب الوطني جمال مبارك- لرئاسة البلاد، ورغم اختلاف الأهداف بين حملات التوقيعات المدعومة من قوى المعارضة وبين تلك التي أطلقها الحزب الوطني، فإن هذا لم يمنع البعض من أن يكتب ساخرًا مطالبًا المواطنين بتوقُّع أن يصدر الحزب الحاكم بيانات ووثائق تطالب بالإصلاح والتغيير وأن يسعى لجمع توقيعات المواطنين عليها.
وجاءت الحملةُ المؤيدة لمبارك الابن عبر دعوة أطلقها شباب الحزب الوطني على شبكة «الإنترنت» تحت شعار «صوتك أمانة» وقال منسقون لها: إنهم يسعون لجمع خمسة ملايين توقيع لتأييد ترشيح جمال مبارك لرئاسة الجمهورية، مشيرين إلى أنهم حصلوا خلال أسبوع من إطلاق الحملة على 18 ألف توقيع، وموضحين أنهم بصَدَد الانتقال من مرحلة جمع التوقيعات إلكترونيًّا إلى جمع التوقيعات الورقية من خلال 29 منسقًا بواقع منسق لكل محافظة من المحافظات المصرية.
وكما صدرتْ قوى المعارضة بياناتها بعبارات تنتقد فيها تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد فإن الحملة الداعمة لجمال مبارك والتي أطلقت على نفسها اسم «الائتلاف الشعبي لدعم جمال مبارك للرئاسة»، تؤكِّد في المقابل أن «مصر تتعرَّض لمخطَّطات أجنبية تستهدف زعزعة استقرارها، وأن الأجندة الخارجية للتدخُّل في شئون البلاد تتزايد خطواتها كلما اقترب موعد انتخابات رئاسة الجمهورية» ويعتبر مؤسسو الائتلاف أن «جمال مبارك هو الأكثر قدرة على الإلمام بظروف مصر».
حملة جمع التوقيعات أثارت تلاسُنًا بين قيادات المعارضة وقيادات بالحزب الوطني الحاكم، ووصف القيادي في الحزب الدكتور علي الدين هلال ما يطلبُه البيان المدعوم من الدكتور البرادعي من تعديل للدستور بأنه أمر غير منطقي وغير واقعي، مضيفًا أنه «لا تعديل للدستور حاليًا، حتى لو تم جمع مليون توقيع، لأننا يمكن أن نردّ عليها بجمع 5 ملايين توقيع ترفض إجراء تعديل للدستور».
فضائيات عربية تبث مسلسلات إيرانية تُجسد الأنبياء
17-08-2010
بدأت ردود الفعل الشعبية تتصاعد إزاء بعض المسلسلات التي تعرضها الفضائيات وتتعرض لقضايا دينية تصل لحد تجسيد الأنبياء، الأمر الذي أثار حفيظة الناس في كل مكان.
وبعد استجابة قناتي NBN والمنار لدعوة واحتجاج الكنيسة الكاثوليكية في لبنان، تم إيقاف بث وعرض المسلسل الإيراني (السيد المسيح) على هاتين المحطتين.
إلا أن الموقف في تونس يشهد غلياناً بسبب بث قناة “حنبعل” ومعها قناتا “الساحل” و”نسمة” مسلسلات إيرانية تجسد الأنبياء درامياً، حيث رفع محامون إسلاميون لمفتي تونس عرائض تطالب وقف هذه المسلسلات؛ غير أن قناة “حنبعل” أوضحت أنها عرضت حلقات من هذه المسلسلات على لجنة إسلامية وأقرّته.
الجدير بالذكر أن المطالبة بوقف مسلسل المسيح وصلت إلى المواقع الإلكترونية، مروراً (بالفيس بوك)، علماً أن المسلسل كان قد عُرض نسخة سينمائية منه في مهرجان السينما الإيرانية في بيروت قبل عامين، ولم يجد رفضا وقتها، إلا أن استجابة قناتي NBN والمنار جاءت حسب مسؤولي المحطتين لأسباب سياسية وطنية تتعلق بحماية «العيش المشترك».
تقنية بلاك بيري: شراكة المخابرات الأمريكية – الإسرائيلية
8-08-2010
تحدثت التقارير الإعلامية بكثافة غير مسبوقة عن الارتباط الوثيق بين هواتف بلاك بيري النقالة ووكالة المخابرات الأمريكية وجهاز الموساد الإسرائيلي، فما هي حقيقة هواتف البلاك بيري؟ وما هي توظيفاتها المخابراتية؟ وما الدلائل على مدى مصداقية المعلومات والتسريبات الواردة بشأنها؟ * هواتف بلاك بيري: النوافذ المخابراتية الجديدة؟
تقول المعلومات والتقارير، بأن شركة ريم RIM الكندية قد نجحت قبل فترة من القيام بعملية تصنيع هواتف بلاك بيري الجوال، ويتعارف خبراء تكنولوجيا الاتصالات على إطلاق لقب «الذكي» على جهاز موبايل بلاك بيري.
يتميز جهاز موبايل بلاك بيري بالعديد من المزايا والخصائص التي تتيح لحامله الحصول على خدمات غير مسبوقة لجهة سرية الاتصال، وقابلية القدرة على النفاذ والتواصل مع شبكات المعلوماتية وتكنولوجيا الاتصالات المتطورة. وأبرز مزايا هاتف الموبايل بلاك بيري تتضمن الآتي:
- إتاحة خدمات الماسنجر.
- إتاحة النفاذ والدخول في الشبكات الإلكترونية المعلوماتية.
- إتاحة القدرة على تصفح المواقع الإلكترونية.
- إتاحة القدرة لجهة القيام بتبادل المعلومات عبر الشبكة.
هذا، وإضافةً لكل هذه المزايا، فإن خطورة بلاك بيري النقال تتميز في أنه غير قابل للخضوع لسيطرة الرقابة السيادية التي تقوم بها الدول على الاتصالات. وفي هذا الخصوص، تكمن الخطورة في أن المعلومات التي يتم تبادلها بواسطة هاتف بلاك بيري النقال يتم تداولها عبر مركز معلومات خاص يتبع حصراً لشركة ريم RIM الصانعة لهواتف بلاك بيري. وبكلماتٍ أخرى، فإن كل هواتف بلاك بيري النقالة تتصل مباشرة بـ(المخدم Server) الخاص التابع لشركة ريم RIM المصنعة.
المخدم الخاص بشركة ريم لا يرتبط بأي مجال سيطرة وطنية سيادية لأية دولة، وبالتالي، فإن من يقوم باستخدام هاتف بلاك بيري النقال، يكون أكثر اطمئناناً إزاء أنه لا يخضع لأي رقابة، ويستطيع أن يتبادل المعلومات ويتبادل الاتصالات مع أي كان، وحول أي موضوع دون التقيد بأي محاذير سيادية وطنية أو قومية. * تقنية بلاك بيري: شراكة المخابرات الأمريكية – الإسرائيلية
تعتبر المخابرات السرية واحدة من أهم أدوات الصراع بين الدول والكيانات المختلفة، و في مجرى تطور الصراع المعلوماتي، انخرطت حتى الشركات المالية والتكنولوجية و غيرها في هذه العملية، بحيث أصبحت العديد من المنشآت تسعى إلى الحصول على المعلومات السرية الخاصة بالمنشآت الأخرى المنافسة لها.
تطورت أبعاد العلاقة الخاصة الإسرائيلية – الأمريكية ضمن نطاقات جديدة، بحيث استطاع الموساد الإسرائيلي، توظيف كافة معطيات الإرث اليهودي – التملودي السري لجهة القيام بأكبر عملية تغلغل سري في التاريخ السياسي المعاصر في الأجهزة السرية الأمريكية، وذلك بما أدى إلى إتاحة المزيد من المزايا والفرص أمام الإسرائيليين لجهة التأثير على أجهزة المخابرات الأمريكية وتوظيف قدراتها لمصلحة إسرائيل. وفي هذا الخصوص يعتبر ملف هواتف بلاك بيري النقالة أحد أبرز ثمرات هذا التغلغل.
تقول المعلومات، بأن شركة ريم RIM المصنعة لهواتف بلاك بيري النقال هي شركة تم إنشاءها على خلفية تعاون مخابراتي أمريكي – إسرائيلي في مجال تكنولوجيا الاتصالات المتطورة، ومن الجدير بالملاحظة أن مركز هذه الشركة في كندا. وبكلمات أخرى، تم وضع هذا المركز في كندا للاعتبارات التالية:
- إقامة هذه الشركة في إسرائيل سوف يترتب عليه إثارة المزيد من الشكوك والريبة بما يمكن أن يؤدي إلى انغلاق الأسواق أمام منتجاتها، وعلى وجه الخصوص في الأسواق العربية والشرق أوسطية.
- إقامة هذه الشركة في أمريكا سوف يترتب عليه إثارة الشكوك والريبة في العديد من الأسواق العالمية وعلى وجه الخصوص في روسيا والصين وبقية دول خصوم أمريكا.
- تعتبر كندا من البلدان ذات العلاقات الواسعة والمتطورة مع معظم دول العالم، إضافةً إلى أن الأغلبية العظمى من سكان دول العالم ينظرون إلى كندا باعتبارها دولة تهتم بقضايا العولمة والبيئة وما شابه ذلك.
هذا، ومن المعروف أيضاً أن الرأي العام العالمي لم يهتم بالتركيز على الدور الخفي المخابراتي الذي ظلت تقوم به الأجهزة الكندية لصالح المخابرات الأمريكية والإسرائيلية، وحتى تورط كندا الواضح في حرب العراق وحرب أفغانستان، ظل الناس ينظرون إليه باعتباره دوراً محدوداً لا يرمي إلى مستوى إثارة المزيد من الشكوك أو الريبة في مصداقية الدور الكندي «التقليدي» إزاء قضايا وملفات الصراع الدولي. * العرب: الوقوع في شباك البلاك بيري والتأمل في الخروج
تقول التقارير والمعلومات بأن هواتف بلاك بيري المحمولة استطاعت أن تحقق انتشاراً منقطع النظير في العديد من البلدان العربية، وما هو لافت لنظر ومثير للشكوك تمثل في الآتي:
- وافقت شركة ريم RIM المصنعة لهواتف البلاك بيري النقال على توقيع اتفاقية مع إسرائيل، تسمح الشركة بموجبها للإسرائيليين بمراقبة المعاملات والاتصالاك التي تتم عبر هواتف بلاك بيري الموجودة ضمن نطاق السيادة الإسرائيلية.
- رفضت شركة ريم RIM توقيع أي اتفاق مع أي دولة عربية يتيح لها مراقبة التعاملات والاتصالات التي تتم عبر هواتف بلاك بيري الموجودة ضمن نطاق سيادتها.
الموافقة للإسرائيليين وعدم الموافقة من جهة أخرى لأطراف العربية، هو أمر يطرح المزيد من الشكوك ودلائل الريبة على حقيقة ما يتم عبر هواتف بلاك بيري النقالة.
تقول التقارير والمعلومات بأن المملكة العربية السعودية قد سعت إلى عقد اتفاق مع شركة ريم RIM لجهة الحصول على حق الرقابة على هواتف بلاك بيري، وعلى خلفية المساعي السعودية، فقد ظلت الشركة تنخرط في مفاوضات مطولة ماراثونية مع السعودية، ويقول الخبراء بأن موقف الشركة الرافض للطلب السعودي اصبح يزداد عناداً يوماً بعد يوم.
المثير للاهتمام والملاحظة يتمثل في التسريبات والمعلومات التي نقلتها المصادر الرسمية الرفيعة المستوى والقائلة بأن وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون سوف تقوم بجولة دبلوماسية تزور خلالها المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج العربي، وذلك بهدف الضغط على تلك الدول من أجل عدم فرض أي مقاطعة لمنتجات شركة ريم RIM وعلى وجه الخصوص هواتف بلاك بيري النقالة.
أشارت المصادر والتقارير إلى وجود 60 ألف هاتف بلاك بيري في لبنان وحده، وإلى وجود حوالي 700 ألف هاتف بلاك بيري في السعودية وإلى وجود ما يقارب 50 ألف هاتف بلاك بيري في بقية بلدان الخليج. وإضافةً لذلك، فإن هنالك الملايين من هواتف بلاك بيري المنتشرة في العديد من بلدان العالم الأخرى، وعلى وجه الخصوص تركيا، إيران، الأردن، مصر وبلدان المغرب العربي إضافة إلى البلدان الآسيوية.
تحركات وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون سوف تهدف إلى «ردع» الدول العربية ومنعها من مغبة القيام بحظر هواتف بلاك بيري ومنعها، لأن هناك جيشاً هائلاً من عملاء وكالة المخابرات المركزية وعملاء الموساد الإسرائيلي سوف يفقدون ميزة الارتباط والاتصال مع نقاط الاتصال التي يرتبطون معها. وأضافت التقارير والتحليلات بأن انقطاع خدمات بلاك بيري في الدول العربية وحدها سوف يؤدي إلى حدوث فجوة معلومات استخباراتية هائلة غير مسبوقة في أجهزة الأمن الأمريكية والإسرائيلية، فهل يا ترى سوف يسعى العرب لحماية سيادتهم من تغلغل المخابرات الأمريكية والإسرائيلية، أم أنهم سوف يرضخون لـ (عصا) وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون ويتركون العملاء يجرون اتصلاتهم كما يشاؤون رغماً عن أنف أجهزة المخابرات العربية؟!
اب ح
خوزيه ساراماغو وإعادة تشكيل التاريخ
7-08-2010
توفي مؤخرا عن سن تناهز 88 عاما، الكاتب البرتغالي الكبير خوزيه ساراماغو الحائز جائزة نوبل للآداب لعام 1998، والذي أعاد الاشراق والاعتبار لصورة المثقف الملتزم بالقضايا الانسانية، وذلك من خلال المواقف الشجاعة التي اتخذها ازاء العديد من القضايا، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وفي حوار مسهب أجرته معه المجلة الفرنسية “le magazine litteraire” في عددها الصادر في شهر مارس 2000 تطرق صاحب “حصار لشبونة” و”سنة موت ريكارو رايس”، إلى الجوانب الهامة في مسيرته الأدبية. وفي مقدمة هذا الحوار، كتب فرانسوا بوسنال يقول: “ساراماغو خيال فياض في خدمة الحكمة. وكتبه التي ترجمت إلى العديد من اللغات هي رموز حقيقية مخصصة لانسانية ينقصها المعنى، وهي ضائعة في طرق التاريخ المسدودة “...” وبالنسبة لساراماغو، لا يمكن أن يكون الأدب لا مجديا إذا ما ساهم في ايقاظ الضمائر الانسانية. ألم يقل ذات مرة: “كنت أحب أن أكون مؤرخا، وكنت أحب أن أكون كاتب مقالات، وكنت أحب أن أكون أستاذا. وبما أنني لم أتمكن من أن أكون أي واحد من هؤلاء، فاني خيرت أن أكتب روايات”.
هنا ترجمة لمقاطع أساسية من هذا الحوار: * مسيرتك الأدبية تبدو شاذة بصفة خاصة: فانت عصامي. في أي وقت قرّرت أن تصبح كاتبا؟
- بالنسبة إليّ لن أتحدث عن مسيرة أدبية. فعندما كنت في سن المراهقة – كنت آنذاك في سن الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة – قلت خلال نقاش مع اصدقاء من نفس سني، إني أحب أن أكون كاتبا. وصحيح أنني أصدرت عام 1947، وأنا في سن الخامسة والعشرين رواية، وفورا بعد ذلك، كتبت رواية ثانية لم تنشر إلى حد هذه الساعة. وظاهريا، كان يبدو هذا كافيا لكي اعتبر كاتبا. غير أن ذلك لم يحدث. وأنا عصامي حقيقي – غير أن هذه العصامية لا تشعرني لا بالفخر ولا بالعار. غير أني أقول بأنني عصامي قرأ كثيرا، وأعتقد أن القراءة سوف تظل الطريقة الأمثل والأفضل لتعلم الكتابة. * لماذا اتبعت في سنوات شبابك طريقا كان بعيدا عن مهنة الكاتب التي كنت تحلم بها. فقد كنت صانع أقفال، وكنت مترجما وصحافيا.
- أنا لم “أختر” هذا الطريق فبعد أن تركت المعهد الذي درست فيه عامين فقط، بسبب ضيق ذات اليد، انتسبت إلى معهد تقني. والدراسة فيه لم تكن مكلفة ماديا مثلما هو الحال بالنسبة للمعهد الثانوي.وهناك تابعت دروسا في صنع الأقفال الميكانيكية ثم عملت كصانع أقفال لمدة عام. ولم أشرع في القيام بترجمات إلا في نهاية الخمسينات.
وقد بقيت مترجما حتى بداية الثمانينات. كما أني مارست مهنة الصحافة فقط بين عامي 1972 و1973 حيث كنت أكتب الافتتاحية وأعمل كمنسق للملحق الأدبي لجريدة “DIARO DE LISBOA” المسائية. وفي عام 1975 أصبحت مساعدا لمدير جريدة “ DIARO DE NOTICIAS” * انت ولدت في قرية صغيرة، قرية “ازينغها” التي تعني “الدرب” أو “الطريق الضيّق”. ماذا تعني لك هذه الاشارة الأولى لقدرك؟
- أن لا أؤمن بالقدر “يضحك” فما بالك بقدر يرسل اشارات ووعودا؟! ولدت في قرية فقيرة وعائلتي من المزارعين الذين لا يملكون أرضا. وهكذا يمكن أن أقول إن القدر لم يستقبلني بقبلة على الجبين. * كيف كانت خطواتك الأولى في الكتابة؟
- قبل الروايتين اللتين أشرت إليهما قبل حين، كنت قد كتبت اشعارا، وبالخصوص رباعيات، وهو حال كل المراهقين في ذلك الوقت. وكانت تلك الأشعار تقليدا سخيفا لما كنت أقرأ. ومن حسن الحظ أن كل هذا اختفى الآن.. * لماذا هذه الفواصل الزمنية الطويلة بين روايتيك الاولتين عام 1947، والمجموعة القصصية التي نشرتها عام 1966، وروايتك “الله الاكتع” التي أصدرتها عام 1980؟
- لقد أدركت أنه ليس لدي شيء مهم أقوله. وعندما كنت أشعر أن هناك شيئا ما يستحق أن أقوله للآخرين، كنت أبرز مجدّدا. وبين عامي 1966 و1975، كنت أتحسس الميدان من دون أن أعي حقا انني أبحث عن طريق. ثم بدأت اكتشف هذا الطريق انطلاقا من روايتي التي حملت عنوان “كتاب موجز في فن الرسم والحروفية” التي اصدرتها عام 1977، وفي نهاية الأمر، عثرت على طريقي في رواية أخرى حملت عنوان: “ناهضا من الأرض”. * إن نثرك الروائي يمتلك نبرة لا يمكن تقليدها، ولا علاقة لها بلغة الصحافة. كيف انتقلت من الصحافة إلى الرواية؟
- في الحقيقة لم أكن صحافيا مطلقا. لقد عملت في الصحافة غير أني لم أكتب أبدا مقالات، ولم أجر حوارات. ما علمتني إياه الصحافة هو أن أكتب مائة سطر عندما يكون الأمر متعلقا بكتابة هذا القدر، لا أكثر من ذلك. * لماذا أنت تفضّل في رواياتك كتابة يتفق الكثيرون على وصفها بـ: “الكتابة الباروكية”؟ هل بسبب رغبتك في القطع مع اللغة الخشبية التي تسم الكتابة في مجال “الواقعية الجديدة” والتي طبعت فترة حكم لمالازار؟
- ذات يوم، ارتأى أحدهم أن يصفني بـ”الكاتب الباروكي” ومنذ ذلك الوقت وهذا الوصف يلتصق بي إلى ما لا نهاية حتى عندما تكون “الباروكية” غائبة في عمل من أعمالي مثلما هو الحال في “العمى” وفي “كل الأسماء”. ان “اللغة الخشبية” كما تسميها ليست فقط من خاصيات “الواقعية الجديدة” وتحديدا للروائيين البرتغاليين الذين ينتمون إلى هذا التيار الذين لهم ميل لنوع من الغنائية في التعبير. وفي ما يخصني افترض أنني تأثرت بكتابنا الكلاسيكيين في القرن الثامن عشر وتحديدا بالكاتب اليسوعي انطونيو فييرا. * رواياتك المتعددة الأصوات مثل “الله الاكتع” و”سنة موت ريكاردو رايس” و”الطوف الحجري” و”الانجيل بحسب المسيح” تحيلنا إلى الاوبرا. فالأصوات تختلط ببعضها البعض والخطاب المباشر يسبق أو يعقب الخطاب غير المباشر. لماذا هذا الاختيار؟
- من هذه الزاوية، يمكن القول إن الحياة هي أيضا أوبرا، أنا أطمح إلى المستحيل، وإلى نقل تزامن الكلمات، والحركات والوجوه والأجواء والعواطف والأفكار والمرئي واللامرئي، والذي يسمع. ولا يسمع وإذا ما تخليت عن وضع النقاط والفواصل فلكي أصل إلى هذا التزامن.
انه أمر مستحيل، غير أني أحاول أن أقوم به كل يوم.. * هل تساير رواياتك منطق مشروع أدبي؟
- ليس لدي مشاريع، عندما انتهي من رواية، لا أعرف ما الذي سيأتي بعدها. لذلك أنا أنتظر فكرة تبرز بين وقت وآخر. مع ذلك أنا ألاحظ أن هناك انسجاما، وأن هناك منطقا، وخيطا أحمر، يشدّ الواحدة إلى الأخرى ويمكن أن يقود ملاحظا غير عارف إلى التفكير بأن هناك مشروعا. وأنا أقول إنه ليس هناك مشروع فالشجرة لا تنوي معرفة عدد أغصانها ولا الاتجاهات التي سوف تختارها، قبل أن تمدّ جذورها عميقا في الأرض. وفي هذه الحالة أنا شجرة. * في العديد من رواياتك، أنت تجعل العالم الخيالي في مواجهة العالم الواقعي.. لماذا؟
- بكل بساطة، ليس من الممكن أن نجعل عالم الخيال في مواجهة عالم الواقع لأن كل قصة خيالية تصبح في نفس اللحظة التي تنشأ فيها جزءا من عالم الواقع، الكتابة تعني بسط فضاء الحياة، والواقع يغذي الخيال وهذا بدوره يغذي الواقع. الخيال ليس له وجود مستقل بذاته، وإنما هو نتاج الواقع. * ما هي المصادر التي تستلهم منها مواضيع رواياتك؟
- القائمة ستكون بلا نهاية. مع ذلك، ولسبب لا أدريه، يحتل جويس واحدا من الأماكن الأخيرة، وإذا ما كان هناك شيء من جويس في “الله الاكتع” فإنه مجرد صدفة. أن عائلتي الروحية “وليسمح لي باستعمال هذا المصطلح، وليغفر لي القراء الجرأة على الزعم أني واحد من هذه العائلة” تتكون من غوغول وكافكا ومونتاني وسرفانتس وانطونيو فييرا الأب اليسوعي الذي كنت ذكرته قبل حين. * كلمة حول بسوا، عندما نتمعّن في الأدب البرتغالي خلال القرن العشرين نحن لا نملك الا أن يصعقنا حضوره القوي الذي أعقب وفاته. وهذا الحضور يشل عددا كبيرا من الأدباء المعاصرين. هل أنك كتبت “سنة موت ريكاردو رايس” لكي تتحرر من هيمنة بسوا على الأدب البرتغالي؟
- أنا لا ألاحظ هذا الشلل بل باستطاعتي أن أقول إن نوعا من هذا الحضور الخانق لبسوا قد يكون دفع البعض من شعرائنا إلى اتخاذ موقف رافض، مخفي أو معلن عنه، لكل اثر من آثار بسوا في أعمالهم. ومن الصعب راهنا أن نجد في البرتغال من يقبل أن يكون مواصلا لتجربة أي كان من الشعراء أو الأدباء السابقين. * هل التاريخ بالنسبة إليكم خيال؟
- في كل تاريخ هناك جزء من الخيال. وهذا الجزء من الخيال يمكن أن يكون ضروريا إذا ما نحن سعينا عن حسن نية لسد الثغرات والفجوات. غير أن هذا الخيال يمكن أن يصبح ضارا ومؤذيا إذا ما نحن استعملناه لحجب وقائع أو لتفسيرها بطريقة تخدم أغراضنا وأهدافنا ومصالحنا. * التاريخ في قلب كل أعمالك. التاريخ الذي في طور التشكل لا يحظى باهتمام كبير عندك. هل يمكن أن نعتبر روايتك “الطوف الحجري” مناهضة لاوروبا؟
- صحيح أن هناك قراء كثيرين اعتبروا هذه الرواية مناهضة لاوروبا الموحدة. فمن ناحية، أنا أفضل فيها شبه الجزيرة الأوروبية عن أوروبا، وهو نتيجة متأخرة لضغينة تاريخية أردت أن أكون صدى لها. وأنا أعتقد أنه لا يمكن أن يقوم بعمل كهذا الا كاتب برتغالي. ومن ناحية أخرى، وبحسب الطريقة التي أنظر بها إلى الأشياء اليوم حاولت أن يكون “الطوف” سفينة تجر أوروبا بأسرها باتجاه الجنوب ويبعدها عن المطامح والمطامع التي يختص بها الشمال المعتد بنفسه والراغب في الهيمنة على الآخرين، ويجعلها متضامنة مع شعوب العالم الثالث الفقيرة والمستغلة..
حسونة المصباحي ع ا ل
فينيقيون أم عرب.. اللبنانيون بين رواسب الماضي ومستحقات المستقبل
بعد 20 عاماً على انتهاء الحرب الأهلية وطيّ صفحةالسجال حول هوية لبنان العربية، لايزال بعض اللبنانيين يجاهرون بأنهم "فينيقيون" وليسوا عرباً، في موقف ينطلق من قناعة سياسية أكثر منها علمية،وفي بلد يغلب فيه الانتماء الديني على الولاء للوطن.
وتؤكدريبيكا، الطالبة الجامعية اللبنانية، أنها "فينيقية". وتقول "بالتأكيد،انا من أصل فينيقي قبل كل شيء. لا أعتقد أن اللبنانيين هم عرب"، مضيفة: "نحن موجودون هنا منذ آلاف السنين".
وتعتمد ماريان (22 عاماً) صديقة ريبيكا، لهجة أكثر دبلوماسية "لا يمكننا ان ننكرعروبتنا، لكننا لسنا عرباً بالفعل، فنحن منفتحون أكثر من غيرنا".
أماشحادة (50 عاماً) الموظف المتقاعد، فيرى أن "اللبنانيين يتشابهون"، مؤكداً "نحن عرب، ولا مجال للجدال حول ذلك، فنحن نعيش في محيط عربي".
غيرأن علماء الاجتماع والوراثة يعتبرون أن الأسس التي قام عليها هذا الجدل فيالماضي ولايزال البعض يستند اليها غير قائمة من المنظار العلمي والتاريخي.
ويقولعالم الاجتماع والمؤرخ بطرس لبكي: "هناك مفهوم في عقول بعض اللبنانيين هونتيجة رواسب الماضي وتركيب هويات متناقضة خلال القرنين الأخيرين لدعممطالب سياسية وطائفية".
ويضيف: "كل طائفة أرادتإضفاء الشرعية التاريخية على خياراتها السياسية وعلى نفوذها من خلالالهوية. وراء كل إعلان حول الهوية كان يوجد مشروع سياسي".
ويشيرلبكي الى جدل عقائدي بدأ مع القرن العشرين بين المسيحيين الموارنة الذينشكلوا الطائفة الاكثر نفوذاً في لبنان منذ الاستقلال وحتى اندلاع الحربالاهلية (1975-1990)، والمسلمين بشكل عام.
وتباهىاللبنانيون عبر تاريخهم الحديث بأن استقلال بلدهم نتج عن تنازل المسلمينعن فكرة ضم لبنان الى دولة عربية أكبر، وتخلي المسيحيين عن الوصايةالغربية التي كانت متمثلة بالانتداب الفرنسي.
غيران ذلك لم يجعلهم يتفقون على هوية لبنان. وقد علّق الصحافي اللبنانيالمعروف جورج نقاش في تلك الفترة على هذا الموضوع بعبارة باتت شهيرة وفيهاأن "سلبيتين لا تنشآن أمة".
ولعل هاتين السلبيتين هما اللتان أنتجتا مادة في الدستور اللبناني تقول إن لبنان "ذو وجه عربي".
وألغىاتفاق الطائف الذي وضع حداً للحرب الأهلية هذه المادة ليصبح لبنان بموجبمقدمة الدستور "عربي الهوية والانتماء". وهدأ السجال حول الموضوع، لكنه لمينته.
وكان المسيحيون الذين يشكلون أقلية في الشرقيخشون الذوبان في محيطهم العربي، فتوجهوا نحو الغرب. في المقابل، بالغالمسلمون المطالبون في سنوات ما بعد الاستقلال (1943) بدور أكبر فيالسلطة، في المزج بين الإسلام والعروبة.
وبلغ الجدلأوجه خلال الحرب عندما ازداد رفض الشريحة الكبرى من المسيحيين الذين خاضواحرباً شرسة ضد الفلسطينيين السنة المدعومين من عدد كبير من الدول العربية،للإقرار بـ"عروبتهم".
وأرادوا بشتى الوسائل تأكيدأصالتهم في هذه البلاد، وأنهم من أحفاد الشعب الفينيقي القديم الذي عرفبمهارته في التجارة والملاحة البحرية.
ولايزال السؤال يثير جدلاً لدى طرحه، حتى في الخارج. وأثبت العلم أن الانتماء الى العروبة لا يتناقض مع الأصل الفينيقي.
ويقولالاختصاصي في علم الوراثة من الجامعة اللبنانية الامريكية الدكتور بيارزلوعا إنه أجرى دراسة حول الجينات الوراثية للشعوب في سوريا ولبنانوفلسطين نشرت قبل أشهر وأثبتت ان السكان الذين ينتشرون على هذا الساحلالمشرقي يحملون تقريباً الجينات نفسها. ويضيف "أن نسبة تشابههم أكثر مننسبة اختلافهم".
وكان زلوعا نشر في 2008 دراسات حولاصول الشعوب في الشرق الاوسط بيّنت وجود آثار من جينات فينيقية "في الحمضالريبي النووي لـ30% على الاقل من اللبنانيين".
ويقول: "دهشت لوجود هذه الكمية من الآثار الجينية بعد مرور آلاف السنين".
إلاأن الباحث الذي نشر دراساته في مجلتي "اميركان جورنال اوف هيومندجينيتيكس" و"انالز اوف هيومن دجينيتيكس" العلميتين، يؤكد ايضاً أن هذهالجينات ليست حكراً على طائفة معينة. فقد يكون حامل الآثار الفينيقية،مسيحياً او مسلماً.
ويوضح أن الفينيقيين "عاشوا قبل الديانات والانقسامات الجغرافية والسياسية".
ويشيرزلوعا الى انه عثر أيضاً في لبنان على آثار جينية كثيرة مصدرها شبهالجزيرة العربية تعود الى تاريخ الفتح الإسلامي على الأرجح، وأخرى الىالحملات الصليبية.
ويرى أن اختلاط المفاهيم في هذه المسألة ناتج عن ان البعض يعتبرون العرب إتنية متجانسة.
ويقولإن "العرب لا يشكلون إتنية. يمكنني ان أكون من أصل كنعاني (فينيقي) وأنأكون عربياً لأن العروبة مرتبطة باللغة وبالثقافة"، لا بالدين والوراثةالجينية.
أ ف ب
هل تكف الفلسفة عن تجديد الأسئلة وتصل الى جواب الحقيقة؟
حينيتساءل نيوتن أو اينشتين أو أديسون عن موضوعة علمية (في عصر العلم) وحينيجيبون وحين يكتشفون أو يخترعون يتوقف ذلك السؤال وتنتهي الإجابة، وتوضعنقطة عند نهاية السطر. ولكن حين يتساءل سقراط أو أفلاطون أو أرسطو أو ابنرشد أوابن سينا... ديكارت أو كانط أو هابرماس.... وكذلك يجيبون فإنالأجوبة والأسئلة لا تكف. فالسؤال العلمي محدد والجواب العلمي جواب ناجزإلى حد بعيد.
السؤال الفلسفي سؤال كثيف وأزليلطبيعة موضوعاته ومفارقتها. سؤال يحمل من الجدة القدر نفسه من القدم. أماالإجابة فلا يمكن إلا أن تتكرر للتأكيد أو تلغي التأكيد أو تعدل التأكيدأي تأكيد؟ ما تظن الإجابة (الأجوبة) الفلسفية أنه الحقيقة. من هنا رأىالدارسون والمهتمون بالفلسفة كيف تتجدد الأسئلة. وكيف تقوم من رمادها بعدوهم الإجابات. ألا ترى كيف أن السؤال عن غاية الفلسفة وأغراضها وعن أدواتفعل التفلسف. وعن العلاقة بين الفلسفة والدين وعلائقها بالعلم والقانونوالسياسة والأخلاق (فلذات كبدها) وبالكون والإنسان، - وعلى رغم إجاباتهاالمتنوعة والمتكررة - لم تطفئ المحاولة ولم ترو ظمأ الأسئلة؟ وكأن هيدجريشتق قانوناً (ملازماً للفلسفة) حين يتلو «إن أهم ما في الفلسفة أن تتحولالأجوبة إلى تساؤلات».
من هنا حق لكل مبتدئ ومريدجديد أن يتلمس البدايات، يتلمس آثار عمالقة الفكر والعرفان الفلسفي فيحبوو يتساءل لعله يوماً يشتد عوده ويكبر فيجاوب. هذه المحاولة «النص» هيتعبير عن تجدد السؤال الفلسفي وأزلية طرحه. إن هذا «القول» كي لا يكونتقولاً لا يتجاهل مداد الفلسفة، حول إشكال العقل والوجدان والاعتقاد بينالدين والوحي (وهذان يختلفان بالمفهوم الغربي عكس الإسلامي) والعلموالرومانسية لكن ديدن التفلسف أن يظل قولاً على قول. وتلك هي مفردات هذهالإطلالة - المقال - من موضوعات وأسئلة القلق الفلسفي؛ إذ في الفلسفة - قديماً وحاضراً - يمثل الإله والإنسان والعقل والإرادة والحق وحتىالجسم... موضوعات أصيلة في الفكر الفلسفي لدى الغربيين - والفلسفة هيغربية أولاً تكون كمّاً ونوعاً - وعلى رغم الصفاء الفكري، والصرامة والدقةالمنهجية، والعمق العقلي إلا أن المتأمل للنتاج الغربي في أكثر تلكالموضوعات الفلسفية يجده - عموماً - نتاجاً حائراً وهو ما يجعل التفلسفيتحول إلى عمل مجرد من المعنى حين يحيد عن غائيته - (الوصول إلى الحقيقة) ولكن، وعلى رغم ذلك يظل له مغزى على كل حال؟ فالفعل الفلسفي أبعد من أنيوصم بالترفيه والرفاهية وليس قطعاً رياضة نظرية من أجل التجريد والمتعةفحسب. وهو ما يفارق على الأقل المهمة التي اختطتها الفلسفة وأعلنتهالذاتها فالفعل الفلسفي ظل فعلاً مثابراً في بحثه عن الحقيقة. وهو ما شكللهاثاً دائماً وكرس حيرة عميقة لا تنفك تلازم نتاج العقل الفلسفي الغربيحين يحاول أن يتوغل في التجريد والتعالي.
وعلى رغمالتقدم الهائل الذي أحرزه الفكر الغربي في بيئته وفي مجالات عدة، إذ يكشفالتفلسف الغربي في توجهاته المثالية والنقدية عبقرية نادرة حين يتعاطى معالواقع لتثويره ومع قيم التنوير المختلفة «الحرية والمساواة وحقوق الإنسانوالتقدم والبيئة... إلخ» إلا أن علامات تساؤل كثيرة تثور حينما تفقدالرؤية الفلسفية للغرب عموماً الانسجام والتماسك بين تلك القيم والرؤيةالعامة للدين وللكون والإنسان، وسرعان ما تبدأ عجلة العقل والفلسفةبالتراجع. حين يفتقد الفيلسوف الغربي أرضية الوضوح النظري والعقديالضرورية ليستطيع العقل أن يتفلسف أو يصل إلى شيء.
فالإنسانوالطبيعة ومختلف القوى المركبة فيهما، لا يمكن أن تمثل حقيقة (مستقلة) قائمة وناجزة أحرى أن تجيب عن حقيقة كلية ومطلقة، يبحث عنها السؤالالماورائي للفلسفة الغربية دون كلل. وبخاصة حين تفتضح أدوات التفلسف؛ إذأداة التفلسف سواء كانت «عقلاً» للتجريد والنظر أو «تجربة» للملاحظةوالفحص لا تنتج إلا الأرق عند الفيلسوف الباحث عن الحقيقة المطلقة، بأدواتمحدودة وقاصرة، فهذه الأداة «العقل والتجربة» توصل الفيلسوف إلى ما يشبهالحقيقة أو تدله على جزء منها في أحسن الأحوال، لكن التحدي يكمن فيالنتيجة الثانية:
حين توعز تلك الأدوات للفيلسوف - فيما يشبه الخيانة - بضرورة تجاوزها وهو ما يرجعه دوماً إلى نقطة البداية. وأسعد الفلاسفة - إن كانت السعادة لا تزال غاية من غايات الفلسفة - هو منعلم أن للوصول إلى الحقيقة طرقاً وأدوات متعددة، كلها تصب وتحيل حينيستعملها جملة إلى أن مصدر معرفة الحقيقة الكلية الكاملة هو أداة متعاليةومفارقة هي «الوحي»، وهنا يدرك الفيلسوف المتجرد أن لمعراج العقل منتهى. وأتعس الفلاسفة حقاً - إن كان بقي من الفلاسفة من يرى في التعاسة والألمطريقاً - هو من حبس نفسه في دائرة مغلقة أقطابها الحيرة والنكوص إلى بدايةالبحث دوماً. ونتيجة هذا الفعل التعيس والتي تمثل قمة العقل بالنسبةللمشتغل هي «النسبية» التي تجعل العمر الفلسفي ينقضي من دون إدراك ولو جزءبسيط من الحقيقة، فالحقيقة لا يمكن إلا أن تكون مطلقة وواضحة أو لا تكون.
إنمنطق التمزيق والتجزيء للأداة والغاية والموضوع في الفلسفة، هو منطق معيق. فإذا كان من خصائص التفلسف الشمولية والكلية فإن النظر - على سبيل المثال - للإنسان لا يمكن إلا أن يكون كلياً وشاملاً، ويعاند «التجزئة» إن ديكارتلا يمكن أن يمثل إجابة حين يمزق النظر الفلسفي «للأنا» بين أنا التفكيروأنا الوجود. فالروح والعقل والجسم. هي تجليات للإنسان في أبعادهالمتداخلة والمختلفة والمتكاملة، وهي تعبير عن حقيقة واحدة كاملة وناجزة،روح تتطلع للسمو الدائم، وعقل يجلو الوسائل والأدوات - كرائد يستطلعالطريق -، وجسم يتطهر دوماً، ويسابق سمو الروح ونور العقل. ليعكس حقيقةالتوازن والانسجام، لذلك التنوع الكامن في مخلوق رائع اسمه «الإنسان». يرنو دوماً بعاطفته وبروحه وعقله وجسمه، في تكامل بديع، وفي وحدة نادرة منالإعجاز إلى ملكوت ربه تلبية لنداء لا يزال يسمعه كلما صفت روحه وقوي عقلهوطهر جسمه، قاطعاً الفيافي والمفازات يعثر مرة ويتطهر مرات لكنه سائر علىدرب فقه مقصده فيه.
من هنا حتمية المراجعة والسؤالمرة أخرى عن الغاية من الفلسفة؟ وعن مدى صدقية غرضها الأسمى؟ وعن ماهيةحقيقة بحث الحقيقة عند الفلسفة؟ هل الفلسفة تبحث عن حقيقة واحدة؟ أو عنحقائق كثيرة ومتعددة؟ وعن كفاءة وسائلها؟ هل ستعترف بتعدد المنابع؟ كيفنعقد وساطة بين الفلسفة والعلم والدين؟ أليس من أشراط لتوظف الفلسفة عندالدين كما العلم اليوم؟
من الواضح أن الفلسفة أولنقل التفلسف هو حاجة عقلية لدى الإنسان اليوم كما الأمس، وحاجات الإنسانغير قابلة للمحو والإلغاء. بل بالاعتراف والتلبية وهو سر إنجذاب العقلللتفلسف، فهذا العمل الفكري والعقلي المضني (التجريدي والتجريبي) هو أداةتفتح للعقل، لكن من المستحيل أو شبه المستحيل - إذا جاز الحديث عن «فلسفةللمستحيل» أن يبلغ فعل التفلسف مدى متجاوزاً للإنسان والطبيعة وستظلالمدركات والمرئيات مبلغه من العلم ما لم ينطلق من الحقائق الناجزة فيالوحي ولكن هذا «المبلغ» سيظل مجالاً وسبحاً عميقاً وغزيراً وغنياً يوسعصدور الفلاسفة ويثلجها - إذا كان للفيلسوف عقل قنوع - وهو ما يلمح إلىقيام مهمة تاريخية بانتظار الفلسفة على ناصية مفترق الحيرة والنكوص مهمةلا تلغي الفلسفة ولا تجعلها ضرباً من العلم له فرضياته وتجاربهوقوانينه... إذ الفلسفة تتمنع عن ذلك وتأباه؛ إذ يحد من طبيعة الفعلالفلسفي وهو يرمي دوماً للمطلق والتجريد والابتعاد بل الإيغال والتفلت منالقوننة والحد والتعريف. ولكن هذه المهمة التاريخية هي مزيج من الاعترافوالتعديل. الاعتراف بأن سحر العالم وجذوته وغموضه لا يسبر مهما غمرناهبضياء العقل وحيداً. ولكنه مجال يؤبد السؤال الفلسفي وضرورة البحث والنظرلتسبح الفلسفة في هذا السحر وتلك الجذوة وذاك الغموض لكن هذا الاعتراف هوعتبة التواضع (ومدعاة التعديل) أن يتواضع الفكر الفلسفي وأن لا يتعالى ولايتشوف للمستحيل فأنوار التجلي ستجعله دكاً.
أنيتعلم وتلك حدود المعرفة كيف يظل مندهشاً ومشدوهاً لتتقوى روحه. فالإجابةالتي تغري طموح الفلسفة وكبرياءها محجوبة عن محض التفكير الإنساني المجردالمحدود ذي الوسائل المحدودة. أليست هذه دعوة لأن يلزم الفيلسوف حدوده وأنيعرف المسالك الفجاج التي يمكن أن تمثل سبحاً للعقل والتجربة ويعمل منخلالها ليراكم الحقيقة. أم أن الخوف الأزلي الذي لا ينفك يلازم الفلسفة منالمحدود والمحسوس، سيجعل من الفيلسوف مستكبراً عن الحقيقة التي يدعيهاهدفاً ومحبوباً أسمى، إن الدين وأسراره الروحية. والإنسان وعوالمه. والأخلاق وفضاءاتها.. والعقل ومداءاته. والكون واتساعه، يمكن أن تمثلموضوعاً يلبي طموح وحاجة التفلسف لدى الإنسان ذي المكانة العالية فريد عقدهذا الكون. وليس أي إنسان. الإنسان الفيلسوف صاحب العقل القوي. والجنانالحاضر. والعاطفة المرهفة والخاطر اللماح. والحس اللطيف. الذي لا يفقدالدهشة والحيرة أبداً، وهو ما يجعل عقله دوماً منتبهاً؛ لأن السر العجيبوالجميل الذي يحسه الفيلسوف داخل الإنسان والمحيط الطبيعي والكوني أثمن منأن يغفل عنه فالبحث والتأمل في المحسوسات والمعنويات وأسرارها هو ضرب منالمتعة ومن تحمل المسؤولية، لا ينفك يعطى للإنسان الفيلسوف من المعقولاتذات الدلالة والمغزى مايجعله يرى من الآيات في النفس (اعرف نفسك) والآفاقحتى يتبين له الحق. فآيات النظر دالة على النفس والآفاق، وعلى قيومها (سيدالإنسان وخالقه). ولكن على الفلسفة أن تدرك قصورها عن الإحاطة فالإنسانالمكرم - والتي هي وسيلة بيده - والكون المسخر- الذي هو موضوع لها - كلذلك يشهد بالمحدودية والقصور والحاجة.
إن الفلسفةليست فوق الإنسان ومن العبث أن تحاول أن تكون فوقه؛ لأنها نتاج عقله وهوما يدفعنا لإعادة طرح ذلك السؤال الفلسفي الموفق الشديد التعقيد كيف يشكلالإنسان موضوعاً لذاته؟ غاية التفلسف اليوم أن يستضيء بالوحي. وأن يتأملالآيات والصفات. وأن يلمح الفرق بين المعرفة والإدراك. وأن يعمق العلمويؤنسنه ويهذبه، وأن يخدم الإنسان، لا أن تعمق التشويشات الوجوديةوالمادية مأزق الإنسان بعد أن أفترضته له، إن الفعل والزمن الفلسفي مدعوانلتغيير المسار والخروج من الدائرة المغلقة (السؤال - الحيرة - السؤال) فطعم الحقيقة المطلقة أسعد وألذ من طعم الحيرة المعذبة. مهما خلع علىالحيرة من التمجيد. وحين تعرف الفلسفة وتعترف بطريق الحقيقة فإن العقلسيعرف الطمأنينة والراحة النشطة، وسيعرج في مداءات ليست بغريبة عنه، ألاترى معي أن الكون والإنسان موضوعات فلسفية في القرآن لا تخلق من كثرةالرد، إنها دعوة للخروج بالعقل من محنته في الغرب، حين يكون العقلانتقائياً حين يكون عقلاً للاحتلال، والبحث الدءوب عن عقلنة التوسع من أجلالسيطرة والأسواق، بل حين يتحور العقل إلى ملكة وأداة باعثة على التدميروالتخريب وهو ما أصبحت تتنبه له قوى كثيرة وتتصدى له من داخل الفلسفةبرؤية نقدية تدرك أخطار التمجيد المفرط، بل وتأليه العقل. وجعله على حسابالإنسان الذي هو ليس عقلاً فحسب. فمتى ستدرك الفلسفة الغربية في نسخهاالحديثة قيمة التوازن وتعدد زوايا قراءة الحقيقة.
السعد بن عبدالله بن بيه /الحياة
معضلة التواصل الإنساني في القصة والرواية
تصادفأن قرأت خلال قراءتى لرواية "في كل أسبوع يوم جمعة" لإبراهيم عبدالمجيد،قصة قصيرة بعنوان "بريد السما" لمحسن خضر، نشرت في الملحق الأدبي لأهرامالجمعة منذ أسابيع قليلة.
وأدهشنيأن العملين يتناولان مسألة التواصل الإنساني بين الناس، التي أصبحت معضلةكبرى في زماننا المعاصر، المكهرب بتيارات الشبكة العنكبوتية والأقمارالصناعية والهواتف المحمولة.
المثيروالجميل في العملين (الرواية والقصة) هو كيفية تناول كل منهما بصدق طبيعيودونما أدنى افتعال، لوسيلة إحياء ذلك التواصل المفتقد بين البني آدمين،بل والإصرار على ذلك بشدة مهما بلغت المصاعب والأهوال. فرواية إبراهيمعبدالمجيد تؤكد أن التواصل ممكن ومتاح وميسر وقليل التكلفة لكل من لم يفتهقطار الكمبيوتر، بغض النظر عن عمره. صحيح أنه تواصل غير حميمي لأنه يتمإلكترونيا عبر الفضاء، حيث يمكن لشيخ في السبعين مخاطبة ابنه الشاب المقيمبأميركا بالصوت من خلال المايك، أو بالمكاتبة من خلال برنامج الشات، (وترجمتها العربية هي الثرثرة)، وذلك بمجرد أن يضغط على زر أو على الماوس،كما أنه يمكنه أن يراه وهو يخاطبه في نفس اللحظة لو انضمت كاميرا صغيرة فيحجم ثلث قبضة اليد إلى مجموعة الأسلاك العديدة التي تربط بين تلك الأشياء. وبنفس الكيفية يمكن لشاب في أدنى أرجاء الأرض أن يتحاور مع فتاة في أقصىأرجائها فتلتقي الثقافات وتتعانق، وربما تسفر عن نتيجة مثمرة للطرفين،وقفا على طبيعة الأهداف المشتركة أو المختلفة حول مبدأ التواصل من أساسه.
وربمالا يكون الأمر كذلك على الإطلاق، حتى أنه قد يسفر - وباستخدام نفسالتكنولوجيا ونفس البساطة - عن جريمة قتل أو سرقة رصيد بنكي أو اقتحامأسرار مؤسسة عسكرية أو صناعية.
ولماكان برنامج الثرثرة أو الشات، يسمح بتحاور عدد كبير من الناس قد لا يعرفأحدهم الآخر على الإطلاق، فإن مساحة البوح الإنساني المتحرر من كل قيدممكن تتسع لدرجة مذهلة، قد تكون بمثابة علاج نفسي طبيعي للمتحدث أوالمتحدثة، وقد تجلب عليهما كارثة لو تورط - أو تورطت - في علاقة غيرمأمونة الجانب، وهذا ما تعرضت رواية إبراهيم عبدالمجيد لمعظمه في ثناياأحداثها التي جمعت بين السحاقية، والفيلسوف، والمتطرف الديني، والعاهرة،والأستاذ الجامعي، والفتاة الباحثة عن زوج على خلق، والشاب الثائر على قمعحريته مهما كان الثمن، والقاتلة المحترفة التي تستدرج ضحاياها من الرجالبمساعدة زوجها المونجول، والسائق المكافح الذي يعمل على ميكروباس متهالك،والصحافية التي تبتاع الحشيش من الساحل الشمالي حيث تنوى البقاء، ثم يتغيرمزاجها المرفه فجأة فتعود إلى الإسكندرية لتنزل بأحد فنادقها الفخمةلتلتقى بالسحاقية وتتعرف على تجربتها عمليا، والمشتاقة التي تعد من سيدخلدماغها بأنه سيراها كما ولدتها أمها.
ومنخلال هذا التجمع البشري المتناقض نقرأ حكايات حب لم تكتمل، بلغت إحداهاذروة الخسة والنذالة من الحبيب الذي هرب ليلة زفافه إلى الخارج مع أجنبيةهيأت له سبيلا أفضل للحياة فباع حبيبته. وقصص زواج تمت بنجاح عبرالإنترنت، وقصص شباب هربوا من مصر بطرق غير شرعية بحثا عن فرصة عملبالخارج فتعرضوا للموت غرقا حيث تموت الأم وينتحر الأب.
إنها ثرثرة جماعية غير مقننة، ولكنها عرضت علينا الدنيا بجمالها وقبحها في صورة روائية.
وأعتقدأن إبراهيم عبدالمجيد كان أسبق الروائيين المصريين إلى تقديم عمل روائيضخم شديد الإثارة، يقوم بنيانه الأساسي على استخدام أحدث تكنولوجياالاتصالات الغربية، والتي تؤكد عمق الهوة بيننا وبين الغرب المتقدم بسرعةالصاروخ دون لحظة توقف، بينما نحن مازلنا نرتد إلى الماضي حتى في استخدامهذه المنجزات، حين يظهر في برنامج الشات من يدافع عن النقاب ويحلل ويحرمفيما يشاء وكيف يشاء، لمجرد أنه أطال لحيته وحفظ بعض العبارات الدينيةالوهابية التي انفصلت بشكلها ومضمونها كل الانفصال عن العصر.
ولولم يكن عبدالمجيد ملما إلماما كافيا باستخدام هذه التكنولوجيا – رغمانتمائه لجيلنا الذي دخل مرحلة الشيخوخة - لما استطاع كتابة هذه الرواية. والذي يؤكد لنا ذلك هو وجوده باستمرار على موقع الفيس بوك الشهير، وغيرهمن المواقع الأدبية الإلكترونية الأخرى، والتي عقدت بينه وبين أجيال عديدةمن الشباب صداقات مثمرة، تم من خلالها تبادل الخبرات والتواصل بين الأجيال.
وقدبرع إبراهيم عبدالمجيد في انتهاز فرصة وجود هذا التجمع الإنساني الضخم،والمتواصل إلكترونيا، بقلب أو بلا قلب، ليتعرض إلى كل ما يعانى منهمجتمعنا من تسلط ذكوري وقهر بوليسي وتخلف اقتصادي وسياسي وانهيار أخلاقيوفساد زاد عن الحد، بحيث أدى ذلك كله إلى تراجع مصري عام في معظم مجالاتالحياة.
وكانتعرض عبدالمجيد لتلك القضايا الخطيرة - بخبرة الروائي المتمرس - ناعماطبيعيا خاليا من المباشرة والعصبية الزاعقة الخارجة عن نطاق الفن الجميل،قائما بالدرجة الأولى على حب شديد لهذا الوطن الجميل، مهما تكاتفت ضدهأسباب القبح التي يتفنن في صنعها المفسدون.
إذنفالقول بأن التواصل الإلكتروني بين الناس شيء كريه ولا إنساني ومخاطرهكبيرة، يعد قولا منافيا للموضوعية، رغم أنه قد يكون بالفعل كذلك في بعضالأحيان. ولكن الأمر يتوقف بالدرجة الأولى على حسن المقصد في استخدام هذاالنوع المعاصر من وسائل التواصل الإنساني، عبر الشبكة العنكبوتية، والتييمكنها أن تنجز للبشر في كسر من الثانية ما كان يتم إنجازه منذ عدة سنواتفي عدة أسابيع.
غيرأن هناك قولا آخر عن فقدان ذلك التواصل لجوهره الحقيقي الذي ينبغي أن يقومعلى الرؤية والتلامس بالمصافحة والرؤية المتبادلة للابتسامة والدمعة،وسماع صوت الآهة النابعة من القلب لتصب في القلب الآخر وجها لوجه، وتبادلالأحضان والقبلات وكل وسائل التعبير الحية عن الحب والتعاطف والتواصلالإنساني الحقيقي بأبعاده الحميمية كافة بين الأهل والأصدقاء والأحباء.
وفي قصة محسن خضر، كانت وسيلة التواصل مشبك غسيل أزرق مقفول على رسالةورقية مكتوبة بخط اليد، تلقى عليه من دار المسنين كل يوم من نزيلة مجهولةلا تفصح عن نفسها على الطبيعة، وإنما من خلال فضفضاتها الإنسانية لعابرليل مجهول تنتظر يوميا موعد عبوره لتلقي إليه بهمومها وآمالها وذكرياتها،بعد أن انتهى بها مطاف الحياة إلى هذا النزل البارد، وقد قتل ابنها الشابفي حادث إرهابي، ثم مات أبوه عقب ذلك حزنا عليه، ثم هاجرت ابنتها معحبيبها إلى أقاصي الدنيا، وصارت تبخل عليها حتى بمكالمة تليفونية لتطمئنعلى مجرد وجودها على قيد الحياة.
لقدكانت هذه الشخصية - التيتتسول اليوم إنسانا مجهولا يستمع إليها ويتواصلمعها إنسانيا - في يوم من الأيام ملأ السمع والبصر، بحكم موقعها الإعلامىوالثقافي الهام. لقد كانت زميلة وصديقة للإعلامية المحبوبة الرقيقةالراحلة سلوى حجازي شهيدة الطائرة الليبية المنفجرة. إن عابر السبيل هذايعد بالنسبة لها كابنها، والمداد الذي تكتب به كلماتها إليه يكاد يكونمغموسا بالدم الذي يجرى في شرايينها. تلك الكلمات غير المكهربة بتياراتالنت وهواء الفضائيات، والتي تكشف ببراءة شديدة عن طبيعة الحياة بغدرهاوعطائها.
إنهذه الرسائل التي تسقط من السماء على كتف عابر الليل، تعد بمثابة وثائقإنسانية غاية في الرقة، مترعة بالشجن، مصاغة بلغة شاعرية تنم عن مستوىثقافي رفيع لكاتبته، التي كانت يوما في ذروة الشهرة ثم أصبحت بحكم قانونالحياة منسية مهجورة مهملة، لا تجد من يتواصل مع مشاعرها ويستمع إليها ولولم ينطق بكلمة واحدة. رسائلها الحية كانت تقطر فنا ومعرفة وحبا وتعاطفاغنسانيا مجردا من كل الأشكال والقوانين التي قد تحتوي ذلك التعاطف، أوتضعه في إطار من العرف أو الاتفاق أو القانون. إنه الإنسان، ذلك المخلوقالجميل المسكين المحكوم عليه بانتظار الموت، ورغم ذلك فهو يبحث عن مواطنالجمال في الدنيا، ويتوهم السعادة انتظارا للحظة الحاسمة.
تقول له نزيلة دار المسنين في رسائلها:
"عزيزى.. راقبتك مرارا في نفس المكان ونفس التوقيت.. بدا كتفاك وكأنك تحمل جبلافوقهما ما فات فات, وما مات مات, هل نقطف ثمارا لم نبذر بذرتها؟
هل - نطير بأجنحة ليست لنا بل ثبتها الآخرون في أجسادنا.. ما رأيك؟ لاأرتجي منك سوى الإصغاء! لا أجد من أتحدث معه! مزق رسائلي المتطفلة بعدقراءتها، لا قبلها من فضلك."
وكلماتوالت الرسائل ازدادت قوة الحبل السرى الواصل بين بوحها الصادق وتعاطفهالأكثر صدقا، رغم فارق العمر والشهرة. والدليل على هذا الصدق المتبادل أنهعندما تنقطع الرسائل فجأة ينتابه قلق شديد ويظل يجوب الشارع رائحا غاديابانتظار المشبك يلقى على كتفه. كانت متوعكة. تنفس الصعداء حين تلقى رسالةما بعد الانقطاع. حدثته عن قلبها العليل، فانقبض قلبه لأجلها، الأمر الذيقد يحدث وقد لا يحدث في تواصل الشات، أما هنا فلا بد من رد فعل مماثل،فالتقارب الإنساني يمكن لمسه وتذوقه حين تقول له في إحدى رسائلها: "يغمرنيامتنان كبير تجاهك. أبصرك متخفية تلتقط رسائلي بانتظام".
هنا احتكاك إنساني حقيقي رغم البعد، فهي تراه بشحمه ولحمه وإن لم يرها هو، وفي ذلك اختلاف كبير عن الرؤية من خلال الكاميرا بالطبع.
"يبدوأن الأمر يروق لك لانتظامك اليومي في الحضور بنفس التوقيت. هل يدهشك أننيكتبت نعيي وأعطيته للأخصائي الاجتماعي بالدار، ونقدته مبلغا كبيرا لنشرهفي الأهرام بعد وفاتى؟"
وبعد أكثر من ثلاثين رسالة جاءت فترة انقطاع جديدة طالت هذه المرة، حتىقرأ نعيها في الجريدة، وكانت المرة الأولى التي يرى فيها صورتها.
ورغم ما يبدو من تشابه بين حالة الشات المعاصر عن بعد عبر الإنترنت، وحالةالحوار الصامت عن قرب عبر المسافة بين الأرض والطابق الرابع أو الخامس منمبنى المسنين، إلا أن هناك رابطة تبدو كما لو كانت رابطة دم حقيقية بينالطرفين في الحالة الثانية، حتى أن تأثر عابر الليل بوفاة محدثته أفقدهالحماس للاندفاع وراء مشروع حياته الذي كان يشغل باله قبل أن يتواصل معها.
وعودةإلى جوهر الموضوع، نتساءل هل يحق للبعض أن يتهموا وسيلة الاتصال الحديثةالرائعة بأنها كانت سببا في التباعد الجسماني بين الأهل والأصدقاء، وأنهاأفقدت التواصل الإنساني روحه وحيويته؟ أم أن تلك الوسيلة قربت بين الناسأكثر من ذي قبل، ويسرت عليهم سبل الاتصال وسرعة إنجاز المصالح، ووفرتعليهم المال والوقت والجهد؟
لقدكان ابن أحد أصدقائي يعمل محاميا في مؤسسة ليبية قانونية يمتلكها محامكبير. كان هذا الليبي ينتهز فرصة تكالب الشباب المصريين عليه، فيعينهمويعطيهم أجرا جيدا وسكنا مجانيا، لكنه كان يرفض استخراج إقامة قانونية لهملأنها تكلفه كثيرا كما كان يدعي. ومن خلال النت اتصل صديقي بابنه وحذره منالبقاء هناك بصفة غير قانونية، فربما صدر قانون فجائي- كالمعتاد - بسجنالمخالفين، بحيث تتحول المسألة إلى مأساة، وربما يعجز الأب عن استعادةابنه، كما حدث لأبنائنا كثيرا من قبل في أكثر من دولة عربية.
وفياللحظة التي كان صديقي يتحاور مع ابنه في برنامج الشات حول هذه المشكلةدخل عليهما صديق للأب، يعمل في شركة دولية بإحدى الدول الأوروبية، وأيدالصديق وجهة نظر صديقه بضرورة عودة الابن تجنبا للمخاطرة مهما كانتالمغريات المالية. وأضاف قائلا إن للشركة الأوروبية التي يعمل بها فرعاعربيا في ليبيا، مقره لا يبعد كثيرا عن مقر المؤسسة القانونية التي يعملبها الشاب. فما كان من الابن إلا أن تقدم بمؤهلاته إلى هذه الشركة وقُبلللعمل بها، وخلال أيام قلائل كان ينعم بإقامة قانونية وراتب أكبر وسكنأفضل وطمأنينة له ولوالده.
منكان يصدق منذ زمننا الماضي البعيد أنه سيأتي يوم يلتقي فيه الأب في مصر معالابن في ليبيا مع الصديق في أوروبا عبر شاشة زجاجية صغيرة، ليتم في لحظةتغيير مصائر وأقدار وأحوال، بفضل هذه الشبكة الساحرة المستطيلة. من كانيصدق أن الأب المغترب بعيدا عن وطنه وأسرته لأجل لقمة العيش، يستطيع عبرأسطوانة مدمجة تسمى السى دي، أو عبر رسالة بريد إلكترونية، أن يرى فيلمامصورا (فيديو) كاملا لولادة طفله منذ لحظة خروجه إلى الحياة حتى يومالاحتفال بمرور أسبوع على مولده، كما لو كان موجودا مع أسرته في نفسالزمن؟
إننيأرى هذه الشبكة كما أرى الدنيا تماما، بكل تناقضاتها، وبكل ما تفعله بناوما نفعله بنا. إنني أرى أن هناك معادلة سحرية يستطيع كل منا التوصل إليهابأسلوبه الخاص للتعامل بنجاح معها كما يتعامل مع الدنيا بحيث يلعق منعسلها ويتحاشى كدوراتها قدر استطاعته، بمعنى أن يستخدمها، لا أن يدعهاتستخدمه. أما الأقدار فلا يد لأحد فيها.
وأعودإلى القصة والرواية لأقول إن بعض أبطال الشات الإلكتروني في رواية إبراهيمعبدالمجيد تم بينهما لقاء حقيقي، بمعنى أنهما التقيا وجها لوجه، بغض النظرعن نتائج اللقاء المتوقف بالطبع على النوايا. وكان الأمر ممكنا لو قررعابر الليل في قصة محسن خضر، أن يصعد إلى الطابق الرابع أو الخامس ليلتقيوجها بوجه مع الإعلامية المتقاعدة في دار المسنين، والتي لا بد أنها ستكونأكثر فرحة وسعادة برؤيته من اكتفائها ورضاها بمجرد تلقيه رسائلها وقراءتهادون أن يلتقيا.
سعيد سالم
روائي مصري....meo
الجدوى الاقتصادية للبحث العلمي
أحمد دعدوش
لقد جرت عادة المستثمرين ورجال الأعمال على إجراء دراسات الجدوى الاقتصادية لأي مشروع يقدمون على الاستثمار فيه، ويتم ذلك عبر حساب تكاليف المشروع بكافة أشكالها (المتغيرة والثابتة)، ثم مقارنتها بالعوائد المتوقعة خلال فترة زمنية محددة. وفي بعض الأحيان، تضاف بعض الاعتبارات الأخرى غير المادية كالاجتماعية والقومية والأخلاقية، والتي لا يمكن قياسها حسابيا، بل يتم إعطاؤها عددا من النقاط حسب أهميتها، بهدف تقدير قيمتها أثناء إجراء المقارنة.
ولكن الانقلاب الذي يجري اليوم في معادلة الاقتصاد الحديث قد زاد من تعقيد هذه المعادلة، إذ لم تعد عناصر الاستثمار التقليدية من الأرض والعمل ورأس المال معمولا بها اليوم، بل أصبح التركيز منصبا على كل من الإدارة الفعالة والتدريب العالي والمعرفة المتجددة، كما أن احتكار المعلومات بات عملة صعبة في ميدان الاستثمار المعاصر، مما أعطاها قيمة رمزية عالية، وجعلها موضع اهتمام الحكومات والمؤسسات، ودفع بالقوانين الدولية للتحرك في سبيل حماية حقوق ملكيتها.
ومن هذا المنطلق، نجد أن قيمة معظم السلع المتداولة في التجارة الدولية المعاصرة تتحدد بناء على كمية ونوعية التقنية المستخدمة في إنتاجها، ولا يقتصر ذلك على قطاعي الصناعة والخدمات فحسب، بل يمتد إلى قطاع الإنتاج الزراعي بشقيه الحيواني والنباتي، مما يعزز من وجود العديد من الدول الصغيرة جغرافيا وديموغرافيا على الساحة الدولية، ويسمح لدولة مثل كوريا الجنوبية بتبوء المركز الحادي عشر عالميا كأحد أكثر الدول تقدما وثراء في غضون أربعة عقود، بالرغم من فقرها النسبي في الموارد الطبيعية.
وبناء على ما سبق، تتضح لنا أهمية البحث العلمي للاقتصاديات الوطنية، ودراسة الجدوى الاقتصادية لمشاريع البحث العلمي، تماما كما تتم دراسة الجدوى الاقتصادية لأي مشروع استثماري تقليدي. ولعل أهم الشروط الواجب توفيرها لتعظيم فوائده تتلخص في النقاط الثلاث التالية:
1- اختيار الشخص المناسب في المكان المناسب بدءا من مرحلة التعليم المدرسي وانتهاء بعملية التخصص العلمي العالي، إذ بات من الضروري للباحث أن يكون الاختصاص الذي يختاره واقعا في صلب اهتمامه، وأن يكون إنتاجه العملي والبحثي ناشئا عن رغبة شخصية وشعور تام بالرضا وتحقيق الذات، ولا يتأتى ذلك إلا بالتأكد من مواءمة الاختصاص من الميول النفسية والشخصية ومن القدرات العقلية والجسدية. علما بأن الإبكار في الكشف عن هذه الإمكانيات لدى الباحث في سنوات عمره الأولى ستضاعف من المردود المأمول تحصيله فيما بعد، فضلا عن توفير الكثير من الجهود والتكاليف التي يتم هدرها عادة أثناء مرحلة التعليم في سبيل التخصص، والتي غالبا ما يتم تحمل أعبائها من قبل الحكومة.
2- تعميق التخصص في المجال البحثي الذي يختاره الباحث، وعدم التبحر في العموميات والفروع الأخرى التي تتقاطع مع مجال التخصص، فقد أفرز التوسع العلمي المعاصر في مختلف مجالات العلوم أعدادا هائلة من الاختصاصات الدقيقة، والتي يمس كل منها جانبا صغيرا من التراكمات العلمية المعروفة. وهكذا أصبحت الثقافة المنشودة لدى المثقف المعاصر تقتضي أن يعرف عن شيء كل شيء، وعن كل شيء شيء.
3- ضرورة توافق البحوث العلمية ومناهج التعليم مع الواقع المعاش، وهذه مشكلة تعاني منها الدول النامية بشكل كبير، إذ غالبا ما تعتمد هذه الدول في بناء نهضتها على العلماء والباحثين الذين يتم إيفادهم إلى دول الغرب، فيعودون إلى أوطانهم وقد تشربوا الفكر والثقافة الغربيين، وكثيرا ما يؤدي ذلك إلى نوع من الاغتراب الثقافي الذي يعيشه هؤلاء المثقفون في مجتمعاتهم، وينسلخون بشكل أو بآخر عنها على الرغم من حاجتها الماسة للإفادة من علومهم وخبراتهم.
ومن جهة أخرى، كثيرا ما يقع الباحثون في مشكلة التعقيد الأكاديمي التخصصي في غضون بحثهم في القضايا الاجتماعية العامة، وتشيع هذه الظاهرة على وجه الخصوص لدى الباحثين في مجال العلوم الإنسانية على اختلاف مشاربها، مما يزيد من اتساع الهوة الفاصلة بين أبحاثهم وبين الواقع، ويقلل من أهمية نتائجها. ويمكننا الحد من عواقب هذه المشكلة عبر دفع الباحثين للانخراط في المجتمع بشكل أكبر، وتوسيع دائرة البحث لتعم شرائح واسعة من الأفراد والمؤسسات المختارين كموضوع للبحث، وأيضا من خلال توعية عامة الناس لجدوى البحث العلمي وفوائده الاجتماعية، إذ كثيرا ما تلقى الأبحاث نفورا من قبل العامة وتشكيكا في جدواها، وذلك للأسباب المذكورة. وفي هذا يقول العالم برناردو هوساي الحاصل على جائزة نوبل في الطب أن لا وجود لعلم تطبيقي إذا لم يكن هناك تطبيق له.
وفي هذا السياق، تظهر مشكلة الروتين والجمود في عملية البحث العلمي في العالم العربي، إذ تشير الإحصائيات إلى أن حوالي 99% من إجمالي الإنفاق على البحث العلمي ذات مصدر حكومي، حيث يحجم القطاع الخاص عن المساهمة في تمويل البحوث والتطوير، إما بسبب قصور الأنظمة عن السماح لهم بذلك، أو بسبب نقص الوعي لدى المستثمر العربي بأهمية البحث العلمي، وميله نحو استيراد التقانة الجاهزة في ظل توفر السيولة المالية الكافية ونقص الخبرات الوطنية الكفوءة، ولا شك في أن الاستمرار على هذا النحو سيزيد من صعوبة حل المشكلة، وسيوقع بلادنا في أزمة تخلف حضاري مزمنة.
من جهة أخرى، تظهر أزمة الإنفاق على البحث العلمي في اقتصار معظمها على المخصصات الإدارية قليلة الجدوى، إذ يتم إنفاق ما نسبته 76% من مجموع ميزانية البحث العلمي في الوطن العربي على المخصصات والأجور المدفوعة للباحثين والعاملين في هذا المجال، في الوقت الذي تقل فيه هذه النسبة عن 20% في الدول المتقدمة، حيث تخصص النسبة الباقية لبناء وتطوير البنى التحتية لمؤسسات البحث وتجهيزاتها التقنية المكلفة.
ومن المعروف أن عملية تمويل البحث العلمي تعتمد على مصادر أربعة مهمة، أولها التمويل الذاتي وهو الذي يعتمد على مخصصات المؤسسة البحثية، وهي غالبا ما تكون محدودة في نطاق ضيق حتى في أكبر جامعات العالم، كما تتوجه غالبا لتغطية النفقات الأساسية لعملية البحث العلمي من تجهيزات ونفقات إدارية وتكاليف نقل واتصال ومنح دراسية للمتميزين وغير ذلك. ثم يأتي التمويل الدولي والقائم على التبرعات واتفاقيات الشراكة ومنح الدراسة التي تقدمها الهيئات والمنظمات والدول المتقدمة إلى دول العالم الثالث. والمصدر الثالث هو التمويل الحكومي لكل دولة على حدة، وأخيرا هناك التمويل الخاص الذي تقدمه المؤسسات والشركات والأفراد، والذي يأخذ الطابع التجاري الاستثماري أو الخيري في بعض الأحيان.
لقد أدرك العالم المتقدم أهمية البحث العلمي في بناء القوة الاقتصادية في العصر الحاضر، وباتت الدول الصناعية تعول الكثير على إنفاقها السخي على البحث العلمي، إذ بلغت حصتها من الإنفاق العالمي في عام 1990 حوالي 73% وبمبلغ قدره 450 مليار دولار، وهي تتوقع بالطبع أن تجني مكاسب أكبر بكثير بعد توظيف جهود علمائها في تطوير اقتصاداتها، حيث ينادي البنك الدولي منذ أواخر السبعينات بمفهوم استرداد تكلفة التعليم العالي بالكامل، وألا تتحمل الدول أعباء مالية في إنفاقها على التعليم العالي إلا في حدود دنيا، حيث يتوقع استرداد كامل النفقات التي يستهلكها الطالب أثناء دراسته، عبر توظيف خبرته العملية في بناء اقتصاد بلاده، والتي يتوقع أن تكون محصلتها أعظم من التكاليف التي أنفقت على تحصيلها، وبكلمة أخرى فإن عملية التعليم والتدريب في الدول المتقدمة يُنظر إليها اليوم على أنها استثمار مباشر طويل الأمد.
وهذا أمر يصعب تحقيقه في بلادنا على أي حال، إذ غالبا ما يعتمد الطالب على التعليم الجامعي الحكومي، والذي لا يتصف بمجرد قلة تكاليفه أو حتى بمجانيته فحسب، بل أيضا بتخلفه عن التطور العالمي، فضلا عن جمود أساليبه التدريسية، وشيوع أنظمة البيروقراطية الحكومية في مؤسساته، والذي يؤدي في مجموعه إلى تعميق حالة العزلة التي يعيشها العالِم والمثقف منذ بداية مرحلة تحصيله العلمي، وتحول العلم لديه إلى مجرد وسيلة لتحصيل المال الذي يؤمّن له حد الكفاف، أو مطية لاعتلاء المناصب الوظيفية في أحسن الأحوال.
وهكذا نجد أن مشكلة البحث العملي في بلادنا العربية قد دخلت بالفعل في حلقة مفرغة، فهي من جهة عاجزة عن تحقيق نتائجها المتوخاة بسبب ضعف الموارد والتخلف الاجتماعي والفساد الإداري، كما أنها مغرقة في البعد عن الواقع لانسلاخ أصحابها عن مجتمعاتهم واختلاف مرجعياتهم الثقافية والفكرية المرتبطة بالغرب من جهة أخرى.
ولا خلاف على أن حل هذه المعضلة يستلزم جهودا كبيرة من قبل الجميع، ويبدأ ذلك بالضرورة من الوعي الاجتماعي والإداري بأهمية البحث العلمي للدولة والمجتمع، وضرورة حياده وموضوعيته، ويستتبع ذلك العمل على تهيئة المناخ العلمي للباحثين، عبر تزويد مراكز البحث والدراسات باحتياجاتها، وعزلها الإداري عن القيادات السياسية والفكرية لضمان حد أعلى من الموضوعية، وإفساح المجال للشركات والمؤسسات التابعة للقطاع الخاص بالاستثمار في مجال البحث العلمي، مع توفير التسهيلات الكافية لرفد هذا القطاع الهام بكل احتياجاته، ثم الربط بين كافة المؤسسات البحثية والجامعات لضمان التوافق والتعاون المثمر، وفتح قنوات الاتصال وتذليلها للباحث في سبيل الحصول على المعلومة بطريقة ميسرة.
يبقى أن نشير هنا إلى أن شيوع روح الاتكالية لدى المواطن العربي، واعتياده على الاكتفاء بما تقدمه له الدولة من تعليم مجاني ووظيفة مضمونة، قد تسببا في إضاعة الكثير من فرص التطوير الذاتي والرغبة في الإنجاز لديه، مقارنة بما نجده لدى الفرد العادي في الدول الأخرى المتقدمة، وتتشابه ذلك في كل من الدول العربية التي انتهجت النهج الاشتراكي، والأخرى التي اختارت خطها الليبرالي الخاص والذي يعطي المواطن الكثير من الامتيازات بسبب وفرة الموارد المادية لديها كعوائد من صناعة النفط. ولا شك في أن هذه الدول على اختلاف توجهاتها قد بدأت مؤخرا في الانتقال التدريجي نحو التخفيف من وطأة هذا الاتكال المرضي لدى المواطن، وبدأنا نجد بالفعل بوادر ذلك التوجه العقلاني لدى المواطن العربي في اعتماده على نفسه واكتشاف طاقاته، ولعل هذه المشاهدات الطيبة على الرغم من قلتها ستشكل فاتحة خير لمجتمعاتنا العربية التي عانت ركودا ثقيل الوطأة طيلة العقود الماضية، وستدفعنا للتفاؤل في مستقبل أفضل، في عالم متطور لا هوادة فيه.
ديوان العرب
الانترنت أداة عصرية لتكوين علاقات اجتماعية
لم تكن أندريا تدري ان العلاقة العاطفية السريعة التي ربطت بينها وبين الشاب المصري ستنقلب الى كابوس في القاهرة باحثة عمن يقرضها اموالا تعينها على الاقامة والعودة الى بلدها الارجنتين.
أندريا- وهذا ليس اسمها الحقيقي- مطلقة تبلغ من العمر 33 عاما ولديها ولد من زواج سابق، في مرحلة التعليم الثانوية،وهي مفتونة بالانترنت تمضي ساعات طوال في مدينتها كوردوبا في وسط الارجنتين، امام شاشته الفضية تنقر على ازرار لوحة مفاتيحه تجوس خلال مواقع الدردشة والتعارف خاصة على الياهو مسينجر الذي تعرفت من خلاله على العديد من الاصدقاء.
لم تكن زيارتها للقاهرة هي الاولى فقد سبق ان اقامت فيها حوالي شهر من قبل في استضافة اسرة شاب آخر تعرفت عليه عبر الانترنت في رحلة مولها والدها رجل الاعمال الا ان العلاقة لم تكلل بالارتباط الدائم وهو ما كانت تسعى اليه أندريا.
ربما يكون هذا هو السبب وراء عدم تردد أندريا في القيام بالمغامرة مرة ثانية لتلتقي نشأت - وهو ليس اسمه الحقيقي- في احدى محافظات الوجه البحري بعد علاقة على الانترنت امتدت شهورا، الا انه خذلها وتهرب منها بعد ايام ثلاثة لتجد نفسها في ضائقة مالية لم تكن تتحسب لها.
"ظاهرة لا يمكن ايقافها"
ليست كل العلاقات التي تبدا على الانترنت تنتهي مثل هذه النهاية فكثير من العلاقات العاطفية التي كانت ساحاتها فضاءات الانترنت كللت بالنجاح في صورة ارتباط دائم بمباركة الاهل.
ورغم ان منتقدي تكوين علاقات على الانترنت يتخذون من القصص الشبيهة بقصة أندريا اساسا لانتقاداتهم الا ان استخدام الانترنت كوسيلة للتعارف والتواصل الاجتماعي وتكوين صداقات جديدة اضحى حقيقة نشاهدها كل يوم، " ولايمكن ان نوقف هذه الظاهرة" كما يشير الدكتور اديب عقل استاذ علم الاجتماع في جامعة دمشق.
يقول عقل" عندما يكون هناك تواصل وتوافق في الحوار فهناك عملية التقاء في وجهات النظر يعنى هناك قواسم مشتركة بين الشباب عن طريق الانترنت. لقد زرت العديد من مواقع الانترنت في مقاهي الانترنت وشهدت نوعية الحوار بين الشباب الحوار به جانب انساني وجانب اخلاقي وجانب قيمي"
في المجتمعات المحافظة يشد الشباب تكوين علاقات من خلال الانترنت
ويضيف " هذا التواصل ايجابي وهناك من يحارب هذا التواصل في مجتمعنا لان في مجتمعاتنا هناك عملية ضبط اجتماعي للشباب، فعن طريق الانترنت اصبح الشاب والشابة يتحاوران دون عملية احتكاك لكن عمليا هناك انعاكسات ايجابية لهذا الامر فلذلك الامر مستمر ولا يمكن ان نوقف هذه الظاهرة".
غياب الاطر الاجتماعية
ولا يعود الامر فقط إلى بريق الانترنت كآداة سهلة وعصرية ورخيصة نسبيا لتكوين علاقات جديدة بعيدا عن الاطر المألوفة، لكن ساعدت عوامل اجتماعية وثقافية وثيقة الصلة بالمجتمعات العربية على تنامي هذه الظاهرة.
من بين هذه العوامل الميل المتزايد لغالبية المجتمعات العربية نحو المحافظة وتصاعد الدعوات للفصل بين الجنسين وعدم الاختلاط وانكماش الطبقة الوسطى بل وتدهورها في بعض البلدان الكبرى.
اضافة الى تنامي مشكلة العنوسة التي اضحت هما يؤرق الابوين، وتراجع اعداد الزيجات في ضوء ازمات اقتصادية وبطالة لا تمكن الشباب من توفير مستلزمات الزواج.
وقبل ذلك كله اصبح الزواج مشكلة بل مشكلة المشاكل التي تفرض نفسها على كل بيت لديه ولد او بنت في عمر الزواج ليس فقط على الصعيد المادي وتدبير تكاليف الزواج ولكن قبل ذلك على صعيد الاطر الاجتماعية المناسبة للتعارف بين الجنسين.
ولا ننسى أن بعض المجتمعات تعتبر الاختلاط بين الجنسين من غير المتزوجين امرا محرما أو مرفوضا خاصة في منطقة الخليج.
وكما يوضح استاذ علم الاجتماع الدكتور عقل" ليس هناك من عوامل استغلال اوقات فراغ الشباب ليس هناك نوادي وليس هناك منظمات وليس هناك مناسبات يلتقي فيها الجنسان لذا لجأ الشباب الى الانترنت لتكون عملية الحوار الثقافي عن طريق الانترنت وهذا الامر طبيعي ولا يمكن تجاوزه".
غياب الشفافية
احد اوجه النقد الرئيسية التي توجه للعلاقات المؤسسة من خلال الشبكة العنكبوتية هو انها علاقات "افتراضية" وتفتقر الى ضمانات الصدق والشفافية فمن يصف نفسه بالوسامة والطول قد يكون دميما قصيرا وقد يكون خلف الاسم الانثوي رجل وخلف السيدة المثالية شخصية فوضوية، فالاقنعة متاحة دائما لمن يرغب في ارتدائها.
تقول الدكتورة سلوى العمد استاذ علم الاجتماع والانثروبولوجيا جامعة فيلادفيا بالادرن "أرى هذا النوع من العلاقات بالاجمال بالنسبة لي انا ... اراه غريبا قليلا لاننا لا نستطيع أن نتأكد من هو المتحدث الاخر الينا فكيف يمكن للمرء ان يلتقي باناس لا يعرفهم ولا تلتقي العيون ويتبادلون النظرات في حين لديك اصدقاء واخوة في نفس المنزل قد لا تتعاطى معهم بهذه الطريقة".
وتضيف" هناك نوع جديد من علاقات لا أرى أنه علاقة في الواقع وانما هو نوع من التسلية وعلاقات وهمية لا اساس لها في الواقع الا اذا كان هناك استثناءات لا ادرى عنها".
وما تشير اليه الدكتورة هو ملمح آخر لما يعتبره البعض مآخذ تكتنف مسعى الباحثين عن علاقات افتراضية عبر الانترنت.
فالساعات الطويلة التي يمضيها هؤلاء تعمق لديهم شعور العزلة والانطواء عن محيطعهم الاجتماعي الطبيعي، وتفصلهم عن صداقات واقعية قد تكون قريبة ومتاحة.
ومؤخرا بدأ المختصون في علم النفس يتحدثون عن ظاهرة جديدة وهي ما يطلق عليه " جرح المشاعر الافتراضية" وذلك عندما يتعرض شخص ما للرفض أو التجاهل من قبل اصدقاء مفترضين. ويقول هؤلاء إن آلام الرفض الاليكتروني تعادل آلام الرفض الواقعي.
دردشة .. فلقاء
وفقا للارقام تصل عدد المواقع التي تقدم خدمة الراغبين في الزواج باللغة العربية حوالي 200 موقع بعضها يطلب رسوما من الراغب في الزواج، والبعض الآخر وهو قليل يقدم الخدمة مجانا. وبعضها اتخذ اسماء اسلامية لجذب مزيد من المستخدمين.
والمتصفح للانترنت بحثا عن رأي مستخدمي هذه المواقع سيجد اتقساما واضحا في الرأي حول جدوى محاولة الاقتران عن طريق شبكة الاتصالات الدولية، فكل حسب تجربته الخاصة.
وبينما تكلل قصص بالنجاح وتسفر عن زواج سعيد هناك في المقابل قصص مليئة بالاحباط ومشاعر الخيبة من العثور على شريك مناسب وسط هذا البحر المتلاطم من الاشخاص الافتراضيين.
وينسحب هذا الاختلاف في وجهة النظر الى المتخصيين فبينما تنظر الدكتورة سلوى العمد بحذر الى هذا النوع من العلاقات لا يتردد الدكتور عقل في دعم هذا التوجه.
تقول الدكتورة العمد" الحقيقة نحن تربينا على شيء ان يكون هناك بين الناس صلة وتواصل مسبق حتى يكونوا ارتباط لكن هناك ارتباطات تتم عن طريق الانترنت لا ادري عن التكوين الشخصي والنفسي للاشخاص الذين يرتبطون عن طرق الانترنت ... لكن هناك مواقع تسهل على الناس الارتباط".
وتضيف" لا ادرى ان كان الارتباط يتم دون ان يتعرفوا على بعضهم البعض بشكل مباشر فهذه مسألة فيها شيء من الخطورة على الانسان ومصيره ان يرتبط بانسان اخر لا يعرفه مطلقا... اما ان يتعرف على انسان ويرتبط به لا أرى فيها مسألة غريبة".
بينما يرى الدكتور عقل أن" التواصل والاختيار عن طريق الانترنت أمر طبيعي ولا يمكن أن نتجاوزه ولا يمكن أن يتم عن طريق النظرة الاولى كما يقولون في مجتمعاتنا. هناك حوار متواصل لقاءات متعددة اكتشاف الاخر توافق ثقافي. بالنتيجة يؤدي ذلك إلى توافق فكري وتوافق روحي أنا مع هذا الظاهرة".
وربما يصلح الانترنت اساسا لاختيار شريك الحياة، كما تشير فتاة ارتبطت عن هذا الطريق، للذين يدققون في الاختيار اكثر من غيرهم حيث تتيح مواقع الزواج فرصا واسعة للاختيار من بين عدد يبدو غير محدود.
فمن مزايا الانترنت انه يجعل الشخص يركز على الصفات الفكرية والخصائص النفسية في شخصية الطرف الآخر دون التأثر بالمواصفات الجسدية التي ربما تأخذ اهتماما اكبر من قيمتها في حالة زواج الصالونات المشهور في المجتمعات العربية.