*هاشم صالح ميشيل أليو ماري هي وزيرة خارجية فرنسا. إنها امرأة وليست رجلا على عكس ما توحي به المظاهر أحيانا. وبالتالي فلها زوج يدعى باتريك أولييه وزير الشؤون البرلمانية في حكومة الرئيس ساركوزي. وقد تفتحت عبقريته لا فض فوه عام 2007 عن العبارات التالية: يا أخي، القذافي تغير كثيرا! إنه لم يعد ذلك الشخص الذي تعرفونه قبل عشرين سنة. لقد عقل فعلا ولم يعد إرهابيا. هل تعلمون بأنه يقرأ مونتسكيو؟ بصراحة ما كنا نعرف. نحن مجرد جهلة ليس إلا. لو قال لي أحدهم بأن القذافي يقرأ هتلر أو موسوليني أو جنكيز خان لما وجدت في الأمر أي أعجوبة. أما أن يضيع وقته في قراءة أحد كبار فلاسفة التنوير الأوروبي فهذا شيء يتجاوز عقلي وإمكانياتي. نقول ذلك خاصة أن مونتسكيو يمثل العقل الراجح والنزعة الإنسانية داخل حركة التنوير، بالإضافة إلى جان جاك روسو بالطبع. إنه مبلور نظرية الفصل بين السلطات واحترام اللعبة الديمقراطية والتناوب على السلطة. إنه المنظر الأكبر للحكم الرشيد، حكم القانون والمؤسسات في العصور الحديثة. وبالتالي فهو أبعد ما يكون عن شخص نزق، مجنون، لا يعرف شيئا اسمه منطق ولا قانون ولا دستور.
أخطر شيء فعله القذافي هو أنه دمر الروح الليبية من الداخل. لقد شوهها، أفسدها، أجبرها على أن تعتقد ما لا تعتقده، أن تقول بأن الأبيض أصفر والأحمر أخضر، والباطل حق والحق باطل. هذا التدجين العقائدي الإرهابي هو الذي أطفأ ذكاء الشعوب والحضارات. انظر ما فعله ماو تسي تونغ وستالين وكيم ايل سونغ الذين فرضوا نفسهم أيضا كفلاسفة، وليس فقط كرجال دولة. فكانت النتيجة كارثة. نقول ذلك على الرغم من أنهم أكثر عقلانية بكثير من القذافي. لو أن القذافي اكتفى بكونه عقيدا نجح في القفز على السلطة في ليلة ما فيها ضوء لهان الأمر. لو أنه اكتفى بقمع الليبيين سياسيا لهان الأمر أيضا. أما أن يفرض نفسه عليهم - وعلينا - كمثقف أو حتى كفيلسوف، فهنا الطامة الكبرى. متى سيخرج الشعب الليبي من هذا التشويه الفكري والنفسي والعقلي الذي مارسه عليه طيلة أربعين سنة؟ لك الله أيها الشعب الليبي البطل والعظيم! لقد قتلك روحيا والآن يريد أن يجهز عليك جسديا. لم يشبع من التجريب والعسف فيك على طول الخط.
هذا رجل سادي بالمعنى الحرفي للكلمة. هذا رجل لم يعرف في حياته شيئا اسمه تأنيب الضمير. هذا نيرون. ومع ذلك فإني أشفق عليه لأنه تشوه شكليا بالقياس إلى ما كان عليه إبان شبابه الزاهر.. أقسم بالله أكاد أحزن عليه لأنه لا يمتلك كل طاقاته العقلية. انظروا إليه وهو يخطب كالثور المجروح الذي لا يستطيع أن يصدق ما يحصل له، فأصبح يضرب في كل الاتجاهات ويخبط خبط عشواء.. إنه في عالم آخر غير هذا العالم. إنه مستلب عقليا تماما. من هنا وجه الخطر والخطورة. لقد أصبح خطرا على نفسه وعلى الآخرين.. مصيبة حقيقية.
لك الله أيها البلد الكبير في هذه الساعات الحرجة والحاسمة التي تصنع فيها الشعوب. إني لا أستطيع أن أرى صور ضحاياك أو شهدائك الأبرار على شاشات التلفزيون أحيانا، فأغمض عيني أو أغير القناة فورا. إني معك قلبا وقالبا كملايين العرب الآخرين. عندما يقتلك الديكتاتور من الداخل، عندما يجبرك على أن تؤمن بأشياء لا تريدها ولا ترغبها، عندما يتدخل حتى في تركيبتك العقلية، عندما يفرض على البلاد كلها نفس الخطاب العقيم الأجوف، فإنه يدمرك روحيا ونفسيا، ويشوهك عقليا.
طيلة أربعين سنة وليبيا ترزح تحت حكم قراقوش التعسفي الاعتباطي الذي لا يعترف بمنطق ولا قانون. أحيانا يستغرب المرء كيف بقي الشعب الليبي على قيد الحياة بعد كل هذه السنوات؟ بل ويستغرب كيف أمكن لشخص كالقذافي أن يحكمه طيلة أربعين سنة متواصلة؟ هل هو عبقري وكل الليبيين والليبيات أغبياء؟ مستحيل. هذه غلطة من غلطات التاريخ، فلتة من فلتات الزمان التي لا تتكرر إلا كل عشرة قرون. أعتقد أن هيغل نفسه عاجز عن الإجابة عن هذا السؤال. أعتقد أنه عاجز عن تفسير ظاهرة القذافي، هو الذي اكتشف جل قوانين التاريخ الكونية. ربما صفعنا بعبارته الشهيرة: كل ما هو واقعي عقلاني! بمعنى أنه ينبغي أن تمروا بمرحلة الجنون والتشويه العقلي لكي تعرفوا معنى العقل وقيمة العقل. ينبغي أن تمروا بالخطأ لكي تعرفوا معنى الصح. الإنسان «لا يتعلم إلا من كيسه» كما يقول المثل العامي الذي سبق هيغل إلى اكتشاف هذا القانون التاريخي. ينبغي أن تدفعوا الثمن باهظا لكي تستنيروا وتتحضروا وتصبحوا بشرا.
أعتقد أن ليبيا بعد القذافي سيكون فيها جوع هائل للحرية أكثر من جوعها إلى الخبز. أقول ذلك وهي البلد الغني الأبي الكريم الذي لا يهان. سوف يكون فيها جوع هائل للعقل والفلسفة والمنطق والحقيقة. أعتقد أنها سترفع قيمة الفكر الحر إلى أعلى مكان. أعتقد أنها ستؤسس أفضل الجامعات. أعتقد أنها ستبدأ بإصلاح الجامعات والمدارس والبرامج وكل شيء. هذا بالإضافة إلى حرق الكتاب الأخضر! لأول مرة أنا من مؤيدي حرق الكتب. وكل ذلك من أجل إنقاذ الروح الليبية، من أجل تنظيفها من أربعين سنة غباء وجهل ودجل وتدجيل. وربما أصبحت بؤرة النور والتنوير بعد كل هذه السنوات العجاف، صحراء الفكر.. عاشت ليبيا! أو قل فلتنبعث ليبيا من جديد!
الدولة ونظريات النشأة
د.صالح الشادي
في العهود الماضية – باستثناء المدن اليونانية القديمة والتي عرفت نوعا منالديمقراطية المباشرة – ساد طويلا مفهوم خاطىء وغير علمي للدولة ، فقد كانتالدولة تنصهر في شخصية الحاكم ، فكان الحاكم هو الدولة . ولكن هذا المفهومالمشّوه للدولة بدأ ينحسر وينتهي وبالذات بعد الثورة الفرنسية في عام 1789حيث بدأت تسود الديمقراطية وماتقوم عليه من مبدأ سيادة الأمة ، فلم تعدالسيادة للحاكم بل للأمة ، وبدأ الفكر الإنساني والواقع السياسي يعرفإنفصال الدولة عن شخص الحاكم بحيث أصبح الحاكم مجرد فرد أو أفراد أو هيئاتتختارهم الأمة لتمثيلها وتمثيل الدولة ، يتغير أشخاصها ولكن تبقى الأمةوتبقى الدولة ككيان مستقل يتمتع بشخصية معنوية .. تنفصل عن شخصية الحاكم .
الشكل الأول للدولة (المدينة الدولة (
اليونان نسبوا صفة (بوليس ) الى "الدولة المدينة" وتعتبر هذه العبارة جذرالسياسة في لغتنا . رغم أنها ليست الشكل الإستثنائي للدولة ، إلا أنها تمثلالدولة اليونانية أفضل تمثيل .
ليست أجهزة (البوليس) كثيرة العدد، وهي ليست معقدة الأشكال . فهي تمثلالعناصر الثلاثة الأساسية الموروثة عن العهد البدائي . الملك ومجلس القدماءوأخيرا الشعب . أما العلاقات الممكن نسجها بين العناصر الثلاثة هذه فهيمرتبطة بتغيرات البنى الإجتماعية التي تحملها وليست رهنا لأية نظريةدستورية مطلقة . إلا أن القاعدة النموذجية لما أصبح لاحقا النظام السياسيالبرجوازي قد وضعت في (البوليس المدينة (
تعريف الدولة
اختلف علماء السياسة في مسألة تعريف الدولة ومعايير تميزها عن المجتمعاتالسياسية الأخرى فالبعض يرون أنها عبارة عن مجموعة دائمة ومستقلة منالأفراد يملكون أقليما معينا، وتربطهم رابطة سياسية مصدرها الإشتراك فيالخضوع لسلطة مركزية تكفل لكل فرد منهم التمتع بحريته ومباشرة حقوقه . وعرفها آخرون بأنها مجموعة كبيرة من الناس تقطن على الدوام إقليما معيناوتتمتع بالشخصية المعنوية والنظام والإستقلال . لكن الشيء الذى يؤكده علماءالسياسة والاجتماع على حد سواء أن مصطلح الدولة يشير الى رابطة تسمح بوجودقيادة سياسية . ويعرفها (كابلان )kaplan بأنها "جماعة إقليمية ذات سيادة "
أسس الدولة المثالية لدى أرسطو
يعمد أرسطو-كما عمد إفلاطون – إلى بيان تفصيلي لنظام الدولة المثالية ،إنما إقتصر فحسب على بيان العناصر والأسس التي تقوم عليها هذه الدولةالمثالية التي يطلق عليها أحيانا ( الحكومة الدستورية ) وأحيانا(الجمهورية ) . وتتلخص تلك الأسس فيما يلي :
1 - حكومة قانونية : أي أنها حكومة يدين حكامهابمبدأ سيطرة أحكام القانون ،وعليه فشئون الحكم انما تدار وفقا لقواعد عامة لا بمقتضى قرارات أو أوامرفردية تحكمية .
2 - الهدف هو الصالح العام : وعلى ذلك فلا يجوز أن تستهدف الحكومة صالح فردأو طبقة من الطبقات حتىولوكانت هذه الطبقة هي الأغلبية ، انا يجب أن يكونالهدف هو المصلحة العليا للأمة جميعا .
3- رضاء الشعب : أي أن الحكومة يجب أن تكون موضع رضاء الشعب بحيث لا تستند الى مجرد القوة وحدها لتدعيم سلطانها .
أصل نشأة الدولة
استنبط المفكرون والباحثون مذاهب ونظريات عدة لتفسير أصل نشأة الدولةويمكن تلخيصها فيما يلي :
(أولا) المذاهب التيوقراطية Doctrines Theocratiqueses ويعرفهاأنصارها بأنها المذاهب القائلة بأن السلطة مصدرها الله ، وأن الدولة إنماهي نظام إلهي أي من صنع الله .
وينقسم أنصار هذه المذاهب إلى فريقين :
(أ)الفريق الأول يأخذ بنظرية الحق الإلهي المباشر . ويرى أن الدولةكانت من صنع الله بطريقة مباشرة وأن الله قد إختار الملوك مباشرة لحكمالشعب .
(ب) الفريق الثاني يأخذ بنظرية الحق الإلهي غير المباشر . ويرى ا، الدولةكانت من صنع الله بطريقة غير مباشرة وأن الله لا يتدخل مباشرة لإختيارالسلطة الحاكمة ، وإنما يتم تدخله بطريقة غير مباشرة عن طريق توجيه الحوادث، وإرادة الشر توجيها من شأنه أن يؤدي إلى ذلك الإختيار ! .
(ثانيا ) المذاهب الديمقراطية
ويقصد بها تلك المذاهب التي ترجع أصل السلطة أو مصدرها إلى الإرادة العامةللأمة ، وتقررأن السلطة لاتكون مشروعة الا حينما تكون وليدة تلك الإرادةالعامة للأمة . وبعبارة أخرى :المذاهب الديمقراطية هي القائلة بسيادة الأمة .
طبيعة السيادة
السيادة Sovereignity هي الخاصية الرئيسية المميزة للدولة ، وهي أساسامفهوم قانوني يشير الى القوة العليا النهائية . ولكل دولة هيئة أو جهاز ذوسيادة لديه القوة العليا التي تخول له حق ترجمة إرادة الدولة الى صيّغقانونية نافذة المفعول ومثل هذه الهيئة ذات السيادة قد تكون شخصا، أومجموعةأشخاص
سيادة الأمة
تعتبر نظرية سيادة الأمة نظرية فرنسية في نشأتها ، إذ أن الفقه الدستوريينسبها إلى المفكر السياسي الفرنسي جان جاك روسو . وإن كان كان هناك منالمفكرين من سبقه الى هذه النظرية ! . وطبقا لمضون سيادة الأمة فإن السيادةكسلطة عليا لا ترجع إلى فرد أو أفراد محددين بذواتهم ، ولا إلى هيئة معينه، بل ترجع إلى الأمة ذاتها بإعتبارها وحدةمجردة و مستقلة عن الأفرادالمكونين لها . ولكنها ترمز إليهم . فالسيادة مملوكة للأمة كشخص جماعي يمثلالكافة .
ونظرا لأن الأمة هي الصاحب الفعلي للسيادة بإعتبار الأمة وحدة لا تتجزأ ،فإن السيادة تصبح هي الأخرى (كل واحد) غير قابل للتجزئة على الأفراد . ومنخصائص السيادة أيضا بجانب عدم قابليتها للتجزئة ، كونها لا تقبل التصرففيها كما لا تقبل التملك بمضي الوقت . والجدير ذكره هنا الى أن أول منتطرق للسيادة ككل واحد هو لوبريه في كتابه سيادة الملك الصادر في 1632 حيثإعتبر أن سيادة الملك كل واحد غير قابل للتجزئة أو الانتقال أو التحول ،وإن كان قد إعترف بأن السلطة قد أصبحت ملكا للشعوب التي تتمتع بحق السيادة . ويقول روسو أن الحكومة لكي تصبح شرعية عليها أن تطيع الشعب صاحب السيادة ،ويقول في العقد الاجتماعي ( كل منا يضع شخصه وكل قوته تحت الإدارة العلياللإرادة العامة ، ونحن نتلقى كهيئة كل فرد باعتباره جزءا لا يتجزء من الكل )
وينتج عن هذا أن للإرادة العامة La volonte generale وحدها الحق في قيادةقوة الدولة وتوجيهها نحو الهدف المنشود للصالح العام ، والإرادة العامة هيإرادة الأفرادفي جملتهم ، وهي ليست مجموعة إرادات الأفراد ، ولـكنها روحعامة تعبر عن الصالح العام وهي وحدها مصدر القانون ولها السلطة المطلقة دونوجود أي واسطة أو ممثلين ، لأن علاقة الأفراد بالدولة يجب أن تكون مباشرة ،ولكن السلطان الذي يمارس السلطة العامة له حدود لا يجب أن يتعداه.
والإرادة العامة الكلية إرادة مستقيمة دائما ، إنها إرادة الشعب كله ،والشعب لا يريد إلا المنفعة العامة ومن خرج عن الخضوع لها أرغمه المجتمععلى ذلك ، يقول روسو: ( لكي لا يكون العقد الاجتماعي مجرد صيغة جوفاء ،فإنه ينطوي ضمنا على التعهد الوحيد الذي يدعم سائر التعهدات ألا وهو أن كلمن يرفض إطاعة الإرادة العامة ، فإن المجتمع كله يضطره إلى الطاعة ، ولايعني ذلك إلا أنه يجبر على أن يكون حرا ! . (
سيادة الشعب
تتفق نظرية سيادة الشعب مع نظرية سيادة الأمة في كونهما يجعلان السيادةلجماعة الأفراد وليس لأشخاص الحكام . ولكنهما يختلفان بعد ذلك اختلافاموضوعيا جوهريا .. فنظرية سيادة الأمة تمنح السيادة للأمة ذاتها كوحدة لاتقبل التجزئة ومستقلة عن الأفراد المكونين لها . بينما نظرية سيادة الشعبتعطي السيادة لأفراد الشعب أنفسهم وبذواتهم .
فطبقا لنظرية سيادة الشعب تنقسم السيادة وتتوزع على جميع افراد الشعب ،بحيث يملك كل فرد منهم جزءا من السيادة متساويا مع أجزاء باقي الأفراد ،وبلا تفرقة بين حاكم ومحكوم . وحول ممارسة السيادة التي تندمج مع التشريع ،يرى روسو بأنها يجب أن تبقى في هيئة الشعب . وممارسة السلطة التشريعية منحق الشعب وحده . والذين يضعون التشريعات هم المفوضون من الشعب وليسالممثلين .
(ثالثا) نظرية القوة
يرى أنصار هذه النظرية أن الدولة هي من صنع القوة والعنف ، فهي تقوم علىأساس حق الأقوى ، وفي ذلك يقول بلوتاركPlutarque أن أقدم القوانين التييخضع لها العالم هو قانون حكم الأقوى وسيطرته على الضعيف ولقد قيل تأييدالهذه النظرية أن حوادث التاريخ جاءت شاهدة عل صحتها إذ هو غالبا مايبين لناأن عنصر القوة يغلب وجوده أكثر من عنصر التعاقد (الرضى والإتفاق ) كمبعثأو مصدر لنشأة دولة جديدة .
فالدولة تنشأ عندما يستطيع فرد أو فئة من الأفراد فرض قوتها على باقيالأفراد الذين يخضعون لقوة الطرف الأول الذي يمثل (السلطة الحاكمة ) . وإذاكان الإختلاف بين الهيئة الحاكمة والطبقة المحكومة مصدر القوة والغلبة ،فإن شكل القوة كان يتمثل لدى الكتاب القدامى في القوة المادية وحدهاكالانتصار في الحروب !
ولكن في نظر الكتاب الأحدث تأخذ القوة معنى واسعا بحيث تشمل إلى جانب القوةالمادية أشكال ومظاهر أخرى : كالقوة الفكرية والاقتصادية أو السياسية ،وهذه النظرية قد تصدق على نشأة كثير من الدول القديمة ، حيث كان للقوة دورامؤثرا في نشأتها . ولكنها لا تصدق في نشأةالدول الحديثة نسبيا . فالسعيمن أجل القوة والرغبة في تأكيد الذات هما وفقا لرواد (نظرية القوة ) الغريزتين الأساسيتين لدى الإنسان ، وكان الإنسان يعبر عن هاتين الغريزتينفي الصراعات الحادة التي شهدها المجتمع الإنساني .
وحينما تقام الدولة فإنها لاتستطيع بأية حال أن تتخلى عن القوة والسيطرةوالغلبة ، فهي بحاجة إلى إستخدام القوة لتفرض سيادتها داخليا وخارجيا . فكأن الدولة هي من صنع قانون الأقوى ، والسلطة في الدولة تتمركز لدىالأقلية التي لها القوة والنفوذ ، تلك القوة التي قد يختلف شكلها أو مظهرهامن كونها مادية أو أدبية أو فكرية أو إقتصادية الخ .- وهو ماأراه منسجمامع شكل السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية - .
لقد أستخدمت هذه النظرية إستخدامات مختلفة بواسطة المفكرين لكي تخدمأغراضهم الخاصة ، فقد إستخدمها آباء الكنيسة في العصور الوسطى لتبرير سيادةالسلطة الدينية على السلطة السياسية . فقد ذهبوا الى أن الدولة هي نتاجللقوة ، علىحين أن الكنيسة هي نظام مقدس من صنع الله ، وهذا بالتالى مايبررتفوقها وعلو شأنها !
كذلك إكتشف الماركسيون أصل الدولة في سيطرة طبقة على أخرى ، والدولة هيآداة الإستغلال الطبقي . على أن نظرية القوة هذه ، وإن كانت تجد تدعيماتاريخيا إلى حد ما ، فهي تتعرض لعدة إنتقادات . فهي تبالغ في تصوير أهميةجانب واحد فقط من الطبيعة البشرية ، ويتماثل الجانب الآخر الذي يرتكز علىالتعاون ورغبة الإنسان في الإستقرار
والسلام والأمن . ومن الملاحظ أن نظرية القوة معادية لروح الديمقراطية ،فالجدل والمناقشة هما أساس الديمقراطية . هذا فضلا عن أن نمو وتطور القانونالدولي ونشأة المنظمات الدولية قد حدد العلاقات بين الدول ، ومنع إستخدامالقوة أو التهديد ، وبعبارة أخرى يمكن القول أن الدور الذي تلعبه القوة فيالمجال الدولي لم يعد هو الدور الأساسي الوحيد .
(رابعا) نظام العائلة .
يرى أنصار هذه النظرية هذه النظرية أن الجماعة البدائية الأولى في أقدمعصور تاريخ البشرية إنما كانت العائلة ، ثم إجتمعت بضعة عائلات فتكونتعشيرة ، ثم أدى إجتماع بضعة عشائر إلى تكوين قبيلة (وذلك في حالة جماعاتالبدو الرحل ) وحين إستقرت على بقعة من الأرض تكونت القرية ، كما أدىإجتماع بضعة قرى إلى تكوين دويلة "مدينة " وإذا كانت العائلة أو الأسرة هيالخلية الأولى للدولة أيضا يرجع أساسها وأصلها الأول إلى فكرة السلطةالأبوية لرب الأسرة على أفرادها .
وتذهب النظرية الأبوية للدولة Patriarchal Theory إلى أن الدولة هي نتاجالتطور الطبيعي لنظام العائلة الذي كان الانتساب فيه إلى خط الذكور ، وكانالجد الأكبر هو الحاكم المطلق . وقد قرر (سيرهنري مين ) رائد هذه النظريةفي مؤلفه " القانون القديم والتاريخ المبكر للنظم " أن هناك شواهد تاريخيةتدعم نظريته ، وأن هذه الشواهد مستمدة من الملاحظات الحديثة التي تناولتتلك الحضارات الأقل تقدما من حضارتنا ، وكذلك السجلات التي إحتفظت بهاأجناس معينه عن تاريخها القديم ، ثم من القانون القديم . غير أن هذهالنظرية تصطدم مع الحقائق العلمية ! فعلماء الإجتماع يؤكدون أن الأسرة لمتكن هي الصورة الأولى للجماعة البشرية وهذا أول نقد هام لأساس هذه النظريةالتى أرجعت نشأة الدولة إلى الأسرة .
كذلك يشهد التاريخ بأن كثير من الدول لم تنشأ على أساس هذا التطور ،فالولايات الأمريكية مثلا لم تنشأ على هذا النحو ، وهناك العديد من الدولكذلك – غير أنني أعتقد أن تلك النظرية قد تنطبق على بعض الدول التليدة التينشأة من أصل أسرة واحدة وفي أزمان موغلة في القدم ، وما مسميات بعض تلكالدول والتي تنسب الى أسماء أشخاص إلا دلالة واضحة على ذلك ! –وأخيرا نظريةتطور الأسرة هي محل للنقد حينما تماثل بين سلطة الحكومة في الدولة وبينسلطة رب الأسرة على إعتبار أن السلطة الأبوية هي أصل السلطة الحكومية !
هذا التشبيه لا يستقيم نظرا لإختلاف طبيعة السلطتين تماما ، فسلطة ربالأسرة على أفرادها هي شخصية مرتبطة بشخصه هو وتزول بزواله أو بإستقلالأفراد الأسرة منه . أما السلطة الحاكمة فهي سلطة غير شخصية ، لا ترتبط بشخصهذا الحاكم أو غيره ولا تنتهي إذن بزوال هذا الحاكم أو ذاك . فهي دائماسلطة مجردة موضوعية ومنفصلة عن شخص من يمارسها .
(خامسا) نظرية التطور التاريخي (الطبيعي(
يقول أنصار هذه النظرية أن كل أمة تتكون وتتطور (وتصبح دولة ) تطورا طبيعياطبقا لظروفها الخاصة وبناء على عوامل متعددة . وتؤدي هذه النظرية –فيمايرى بارتملي –إلى تقرير مبدأ هام : هو أن أفضل نظام للحكم لشعب من الشعوبهو ذلك النظام الذي يرى أكثر ملائمة لدرجة تطور الشعب ومستواه من المدنيةفي زمن من الأزمنة ، وبذلك يعد أفضل نظام لحكم فرنسا مثلا في آخر القرنالسابع عشر هو النظام الملكي !
ويعتبر (ديجي) من أهم الفقهاء الذين إعتنقوا نظرية التطور التاريخي .فهويعرف الدولة على أساس التضامن الإجتماعي القائم على الإختلاف السياسي .
فالدولة لديه عبارة عن ظاهرة إجتماعيةتنشأ مع واقع حياة الأفراد الذينيشعرون بضرورة التضامن الإجتماعي فيما بينهم ، ونتيجة الإختلاف السياسي بينأفراد المجموعة
تنشأ بينها طبقة حاكمة وطبقة أخرى محكومة . وطبقة الحكام إستطاعت أن تفرضسلطتها على الطبقة المحكومة نتيجة ماتملكه من وسائل القوة والتأثير ، سواءمن الناحية المادية أو الروحية أو الإقتصادية أو بغير ذلك من الوسائل .
وترى نظرية التطور التاريخي تلك ، أن الدولة لم تنشأ نتيجة عامل واحدبذاته كالقوة أو الأسرة أو إتفاق إرادة الأفراد في عقد ، وإنما نشأت الدولةنتيجة عوامل متعددة تفاعلت معا فيما بينها على مر الزمن وأدت إلى إجتماعالأفراد وظهور طبقة من بينهم إستطاعت أن تفرض سلطتها على باقي الأفراد ، أيأدت إلى ظهور هيئة حاكمة وطبقة محكومة وبالتالي نشأة الدولة .
يقول ( جارنر) Garner "ليست الدولة من صنع العناية الإلهية! وليست نتاجالغلبة القوة الفيزيقية ، ولا هي من خلق الإعتقاد ، وليست مجرد إتساع وتطورللأسرة ".لقد أوضح علماء الإجتماع في العصر الحديث أن الظواهر الإجتماعيةلا يمكن تفسيرها بالإضافة إلى عامل واحد. والدولة شأنها شأن أي ظاهرة أخرىفي الحياة الإجتماعية قد مرت خلال مراحل للنمو والتطور، فهي إذن نتاجللعملية التطورية التي يشارك بها أكثر من عامل واحد . وخلال مراحل التطورهذه أخذت الدولة أشكالا وصورا متعددة . وهكذا يقال إن النظرية التطورية –وهي أكثر النظريات قبولا عن أصل الدولة – تستند إلى تفسير تعددي للظواهرالسياسية ..
وقد أكد عدد من علماء الإجتماع الأوائل من أمثال (باجوت ) و(سبنسر ) أنالدولة شأنها شأن المجتمع تشهد عملية تطور تدريجي من البسيط إلى مرحلة أكثرنضجا وتكاملا وقد حدد باجوت في مؤلفه (الفيزياء والسياسة ) ثلاث مراحللتطور الحكومة :
المرحلة الأولى : هي مرحلة الإعتماد على التقاليد وهي لا تعرف وجودا للحكومة .
والمرحلة الثانية : هي مرحلة الصراع بين الجماعة وهي بداية ظهور الحكومة .
والمرحلة الثالثة والأخيرة : وهي التي تتميز بالمناقشة والتوفيق وترتبط بنضج الحكومة .
كذلك يذهب سبنسر في مؤلفه (مبادىء علم الإجتماع ) إلى تحديد شكلين للمجتمع هما
المجتمع القبلي العسكري والمجتمع الصناعي يخضعان لمبادىء التطور المجتمعيالذي أقرها.كما أشار (جيدنجز) إلى مراحل ثلاث هي : العسكرية الدينية ،والتحررية القانونية ، والإقتصادية الأخلاقية . على حين نجد أن (هوبهاوس) يقسم تاريخ الحكومة إلى حقبات هي : القرابة والسلطة والمواطنة .
ويعتقد عدد من علماء الإجتماع المعاصرين أمثال (لوي) أن كافة المجتمعاتقد شهدت نظاما معينا للحكومة يسعى إلى تنظيم علاقة الأفراد ويحمي مصالحالجماعة ، ثم حدث أن تطورت الدولة ببطء من الشكل البسيط إلى الشكل المركب . ويقول (جاتل) "إن الدولة مثل كل النظم الإجتماعية الأخرى ، تنشأ عن مصادرمتنوعة وتحت ظروف مختلفة … ومن العسير تحديد تقسيم دقيق ونهائي بين الأشكالالمبكرة للتنظيم الأجتماعي التي لا تتضمن وجود الدول والأشكال التىأعقبتها وكانت تنطوي على وجود الدول " ومع ذلك فقد أسهمت ميادينالأنثروبولوجيا ، وفقه اللغة ، والآثار حديثا في إلقاء الضوء على أصلالدولة ، وتذكر على سبيل المثال دراسات (راتزل) و (روث ) و( وريرفرز )و(وليامسون ) التي أمدتنا بمعلومات قيمه عـن وسائل الضبط الإجتماعي فيالمجتمعات البدائية – وعلى أساس من السجلات المتاحة أمكن إستخلاص بعضالتعميمات حول أصل الدولة .
ومهمة النظرية التطورية (التاريخية) اليوم هي أن تلقي الضوء على القوىوالعوامل التي عملت على إيجاد الوحدة والتنظيم في الجماعات الإجتماعيةالمبكرةتلك التي أدت إلى ظهور الدولة ، ويمكن تحديد هذه القوى على النحوالتالي :
1- القرابة
يقول (ماكيفر ) " إن القرابة هي التي أوجدت المجتمع ، والمجتمع بدوره هوالذي أوجد الدولة " . ولقد عملت روابط القرابة هذه على تدعيم مشاعر الوحدةوالتضـامن بينالناس ، تلك المشاعر التي تعد أساس الحياة السياسية . هذا فضلا عن أنانحدار الأسرة عن أصل واحد أوجد أكبر يوجد لدى الأفراد احتراما للحقوقوالواجبات التي تفرضها القبيلة .
2- الدين
لعب الدين كقوة أساسية في تكوين الدولة دورا هاما خلال التاريخ . فلقد عملتالصور الأولية للحياة الدينية على تقوية روابط التضامنالإجتماعي بينالشعوب البدائية والقبلية . وأكد الدين البدائي على أهمية الجزاءات وكانعاملا أساسيا من عوامل الضبط في هذه المجتمعات.
3-الأنشطة الإقتصادية
التعاون هو أساس الحياة الإقتصادية وهو يتطلب الإمتثال لبعض القواعدالمقررة . وكان ظهور الملكية الخاصة والفوارق الإجتماعية الراجعة إلىالثروة من بين العوامل الرئيسة التي ساعدت على إيجاد قواعد جديدة تنظم هذاالموقف المتغيّر ، وهذا بدوره هو ماشجع عل صياغة القوانين المنظمة لتلكالعلاقات ، بل أن التنظيم الحكومي بصفة عامة يستهدف في الحقيقة حمايةالأفراد وتنظيم واجباتهم .
4- القوة
أكد عدد من الدارسين دور القوة في بناء الدولة . فقد نظر ماركس -على سبيلالمثال-إلى الدولة على أنها من نتائج السيطرة الإقتصادية للطبقة التيتستغلها كوسيلة لإستغلال الجماهير ! ولا يمكن إغفال دور الحرب في بناءالدولة والدفاع عنها وتحقيق السلام أحيانا.
5- الوعي السياسي
إن الوعي بوجود مصالح مشتركة تربط الجماعة ببعضها ، والحاجة إلى إيجادالتنظيمات التي تحقق هذه المصالح وتدافع عنها يعد عاملا رئيسا في بناءالدولة ، بل أن التنظيمات السياسية قد نشأت نتيجة لمثل هذا الوعي في معظمالحالات .
ثورة مصر / والشرق الأوسط الجديد
د.صالح الشادي
" إن شعوب الدول الإسلامية تريد وتستحق الحريات ذاتها ، مثلها مثل كل بلد ، ومن واجب حكوماتهم الإصغاء إلى آمالهم . ".. بهذه العبارة ضمن ج.بوش خطابه الذي ألقاه في احتفالية مؤسسة الصندوق القومي للديمقراطية في الشهر السادس من العام 2003 . وكان يرمي إلى وضع مسوغات تبرر لأمريكا البدء في عملياتها العسكرية والمخابراتية لبدء مسلسل التغيير في منطقة الشرق الأوسط .. وقد عاد ليؤكد الأمر في خطابه اللاحق في نفس المؤسسة بمناسبة الذكرى 20 لإنشاء الصندوق وفي نهاية ذلك العام ، حيث قال : " إن التزامنا بالديمقراطية في الشرق الأوسط هو محور كلمة اليوم ، ويجب أن تتركز عليه السياسة الأمريكية خلال السنوات المقبلة ". وأردف قائلا : " طالما بقي الشرق الأوسط مكانا لاتزدهر فيه الحرية سيبقى مكانا للركود والعنف وعلى استعداد لتصدير تلك المشاعر .. الخ " .
كانت تلك ، نغمات تغيير قد بدأت تطرأ على فكر السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية ، والتي كانت تتبنى سابقا منطق جورج روكنان المخطط الإستراتيجي الأمريكي 1948 عندما قال :" نحن الأمريكيين نمتلك أكثر من خمسين بالمائة من ثروة العالم ، وبالرغم من أننا لا نشكل سوى ستة بالمائة من سكانه .. وعلينا أن نحافظ على هذا الوضع المختل لصالحنا ، وأن نضرب بالعواطف والمشاعر عرض الحائط / علينا أن نتوقف عن التفكير بحقوق الإنسان ورفع مستويات المعيشة ، وتحقيق الديمقراطية في العالم . " .
إن أهمية الشرق الأوسط بالنسبة للمخططين من الساسة الأمريكان كما هو معروف تكمن في أنه أغنى مناطق العالم على الإطلاق ، ففيه من الخيرات الزراعية ما لايحصى ، بالإضافة إلى الموارد الطبيعية وعلى رأسها البترول ، الذي قدر له أن يكون أكبر مصدر للطاقة الضرورية لتحريك العجلة الصناعية التي هي عماد الحضارة الحديثة .
وتعتبر منطقة الشرق الأوسط إلى جانب ما ذكر سوقا استهلاكية ضخمة للمنتجات الأمريكية فحجم التجارة العربية الأمريكية يتراوح بين 13-16 مليار دولار سنويا ، وتشكل الاستثمارات العربية حوالي 760مليار دولار في الاقتصاديات الأولية ، يستحوذ الاقتصاد الأمريكي على حوالي 14 بالمائة منها . كما تمثل المنطقة أهمية قصوى لمبيعات السلاح الأمريكي ، اذ تشتري حوالي ثلث مبيعات أمريكا من السلاح . إلى جانب عوامل جيوسياسية وأيدلوجية أخرى يطول ذكرها في هذا المقام . ولعل الهدف الاقتصادي الأكبر لأمريكا هو بناء اطار اقليمي مرتبط بها ويتكون من الدول التي تملك خزان النفط الرئيسي في العالم لضمان امدادات نفطية رخيصة ودائمة .
وعليه فقد أصبحت فكرة التغيير في الشرق ضرورة قصوى تنصب في نهاية الأمر في صالح أمريكا وأمنها القومي على المدى القريب والبعيد .. وخاصة بعد أحداث التسعينات المتلاحقة .. والتي توجت بحادثة الحادي عشر من سبتمبر في بدايات العقد الأول من هذا القرن . وكان محتوى الكتاب الذي يحمل مسمى ( الشرق الأوسط الجديد ) .. و الذي نشر عام في العام 1993 لمؤلفه ( شمعون بيريز ) هو الجذوة التي إضاءة الطريق أمام المخيلة الأمريكية لخلق ملامح التغيير وفكرته . إذ بين بيريز في كتابه أهم الأخطار التي تواجه الشرق الأوسط من أصولية وحركات دينية راديكالية ، يتوجب أن يواجهها نظام جديد قادر على تحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي ، وعلى اطفاء نيران التطرف الديني وتبرير رياح الثورة الساخنة وفق بعدين :
الأول: البعد الأمني والذي يتضمن توقيع معاهدات لتخفيض الإنفاق على التسلح لغايات الحفاظ على أمن وسلامة المنطقة .
الثاني : البعد الاقتصادي ويهدف إلى معالجة جذور الفقر واليأس التي تعتبر من المصادر الأساسية لانتشار الأصولية والحركات الراديكالية ، إذ لا يمكن الوصول الى تسوية سياسية فارغة من أية مضامين اقتصادية تعمل على اجتثاث الأسباب الرئيسة الكامنة وراء انتشار الأصولية والحركات الراديكالية .
ووفق تلك الرؤية ، فقد تم خلق نوع من التحالف الاستراتيجي الجديد مابين أمريكا واسرائيل بحيث تكون إسرائيل عقلا مفكرا لقيادة النظام الإقليمي ، عبر تحويله إلى قاعدة تقنية-إدارية قادرة على تنظيم المنطقة اقتصاديا ، إضافة إلى ضرورة إبقائها – وكما يرى الرئيس السابق (كلنتون) " ديمقراطية ، قوية ، وواحة للحرية " مع العمل على وقف انتشار الصواريخ في المنطقة . وعلى ذلك يمكن استخلاص الأهداف الأمريكية – الإسرائيلية المعلنة من وراء بناء نظام الشرق الأوسط – وكما يراها (إدوارد دجيرجيان ) مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق - فيما يلي :
- توحيد دول المنطقة اقتصاديا ، وتحوير جهودها نحو البناء والتنمية لتجاوز الصراعات والنعرات القومية فيها .
- تحقيق الرفاهية والرخاء لدول المنطقة ، وإحلال الديمقراطية كنظام حكم في النظام الشرق أوسطي باعتبار أن أنظمة الحكم العربية تمثل وتجسد الماضي ، وهي أنظمة سلطوية عسكرية مخالفة لمبدأ الحريات الذي يكفل عمليات التطوير والبناء .
- تخفيض النفقات العسكرية في المنطقة وطي صفحة الحروب والنزاعات ، وتوجيه تلك النفقات للبناء والتعمير ورفاهية الشعوب .
- إحلال السلام الذي لا يعني مجرد التوقيع ، بل تفعيل الاتفاقيات إلى مزيد من الانفتاح والتعاون بين دول المنطقة .
- مواجهة ما يسمى الحركات الراديكالية في المنطقة بهدف القضاء على ظاهرة الإرهاب لأن (بيريز) يرى " أن الأصولية تشق طريقها في كل بلد عربي مهددة بذلك السلام الإقليمي " . وقد جاء مؤتمر شرم الشيخ في 13آذار 1996 ليجسد البداية الحقيقية لمكافحة تلك الظاهرة .
- تعاون دول المنطقة في ميادين الطاقة، والمياه، والنقل ، والمواصلات .. الخ .
وفي العام 2004 تبلورت فكرة الشرق الأوسط الكبير من خلال قمة مجموعة الثماني للدول الصناعية في مدينة سي آيلاند بولاية جورجيا الأمريكية ، والتي شاركت بها إلى جانب أمريكا مجموعة من الدول الأوروبية والأفريقية ، واعتذر عن حضورها والمشاركة فيها زعماء مصر ، والسعودية ، والمغرب ، والكويت ، وباكستان .
وأخذت المبادرة التي تبنتها القمة خطة الشرق الأوسط وشمال أفرقيا في اعتبارها الانتقادات التي وجهت لمبادرة الشرق الأوسط الكبير التي سبق طرحها ، فتضمنت إقرارا بأن الإصلاح ينبع من الداخل ويختلف من بلد إلى أخر .
وجاء في الفقرة الأولى من مقدمة الصيغة الأخيرة وعلى لسان الدول الثماني : " نعلن دعمنا للإصلاح الديمقراطي والاجتماعي والاقتصادي المنبثق من المنطقة " . وذلك في إشارة واضحة إلى أن الإصلاح يعتمد على شعوب المنطقة ويجب عدم فرضه من الخارج . كما ورد ترحيب بتصريحات دول المنطقة حول الإصلاح حيث أشير إلى ما صدر عن قمة تونس ، ومؤتمر الإصلاح في الإسكندرية ، ومؤتمر صنعاء ، فضلا عن لقاء المنتدى الاقتصادي الدولي في البحر الميت .
ووفق مانشرلاحقا فقد اعتمد مشروع الإصلاح على ثلاثة ركائز رئيسة :
أولا : تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح :
حيث أكد المشروع أن الديمقراطية والحرية مفقودتان الى حد بعيد في الشرق الأوسط ، وعلى ضوء ذلك تلتزم مجموعة الثماني بعدة أمور .
1-مبادرة الانتخابات الحرة .2- الزيارات المتبادلة والتدريب على الصعيد البرلماني للمساعدة في (دمقرطة ) دول الشرق الأوسط الكبير . 3- دعم وسائل الإعلام المستقبلية والمستقلة . 4- تشجيع مبادئ الشفافية ومكافحة الفساد . 5- دعم منظمات المجتمع المدني بالمنطقة وتفعيلها وخاصة المعنية بحقوق الإنسان والمرأة .
2-ثانيا : بناء مجتمع معرفي :
حيث أوضح المشروع الإخفاقات لدول المنطقة في مواكبة العالم الحديث ، وطرح سلسلة من الأفكار للارتقاء بمستوى التعليم تضمنت فكرة توسيع مدار الاكتشاف التي تستخدم التقنية الحديثة ومناهج التعليم المتقدمة ، الى جانب دعم التعليم عبر الانترنت وتجسير الهوة الحاسوبية بين المنطقة ودول العالم .
ثالثا : توسيع الفرص الاقتصادية :
حيث ركز المشروع على أن مفتاح التحول سيكون بإطلاق قدرات القطاع الخاص في المنطقة ويتمثل ذلك بعدة مبادرات منها : مبادرة النمو ، وتتمثل في إقراض المشاريع الصغيرة ، والمشاركة في مؤسسات مالية شرق أوسطية للمساعدة على تنمية المشاريع .. ومنها : مبادرة التجارة ، والتي تدعو إلى الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية ، وتحسين التبادل التجاري ، والتصنيع ، وتفعيل التعاون البيني بين رجال الأعمال .
ويمكن القول بأن مشروع الشرق الأوسط الكبير هو عملية فك وتركيب لكيان هذه المنطقة .. عملية تطال البنى الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية برمتها .. لا تبقي ولاتذر ، وتهدف إلى إعادة تشكيل العقل العربي ، وصياغة الإنسان المسلم والعربي وفق معيار أمريكي . كما يتجه المشروع إلى تحديث وتقريب التشريعات الاجتماعية ، وتطوير فلسفة التعليم ، وتمكين المرأة ، وتغريب الشباب ضمن فكرة التغيير على منظومة القيم الجديدة .وقد تم تبني النموذج التركي ليكون الشكل المقترح للصورة العامة التي ينبغي أن يكون عليها الحال في المنطقة واتخذت في هذا الصدد العديد من الإجراءات المتلاحقة سياسيا وإعلاميا وثقافيا ، وتم تكريس العديد من القنوات الفضائية ذات الواجهة العربية لخدمة الرؤية الأمريكية عبر الغسيل الدماغي المنظم ولتهيئة الشعوب في المنطقة للتغيير المتدرج و الشامل .
وقد جاء توقيت المبادرة الأمريكية للشرق الأوسط الكبير بعد عام من نهاية العلميات العسكرية لغزو العراق ، استعداد للمرحلة الثانية في خطة التغيير الشامل التي تبنتها أمريكا ووافقتها عليها معظم دول العالم الكبرى وفق لقاءات واتفاقات سرية ومعلنة أوكلت بموجبها أمريكا بالبدء بعمليات التحويل والتبديل والتغيير وحسب الخطة الموضوعة لكل دولة من دول المنطقة .
ردود فعل الحكومات العربية تفاوتت إزاء المشروع الأمريكي مابين رافض ومتحفظ ومساير .. وفي هذا الصدد أكد بيان سعودي مصري صدر من الرياض عقب إعلان المشروع عن عدم قبول زعماء البلدين لفرض نموذج إصلاحي بعينه على الدول العربية والإسلامية من الخارج ، مؤكدين أن الاهتمام بتحقيق الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط يستلزم إيجاد حلول عادلة ومنصفة لقضايا الأمة العربية والإسلامية وعلى رأسها القضية الفلسطينية وقضية العراق . كما أشار البيان إلى أن الدول العربية تمضي على طريق التنمية والتحديث والإصلاح بما يتفق مع مصالح شعوبها وقيمها وتلبية لاحتياجاتها وخصوصيتها وهويتها العربية .
كما رفضت سوريا المشروع ، حيث أكد نائب الرئيس السوري خدام – قبل انشقاقه عن النظام السوري – بأن " أي مدخل للتعاون بين العرب وغيرهم حول الإصلاح يجب أن ينطلق من قضية الاحتلال الإسرائيلي وتطبيق قرارات الأمم المتحدة . فيما أعلن الرئيس رفيق الحريري صراحة عن رفضه الكامل للمبادرة وأعلن عن مخاوفه من تطبيقها .. ولم يمض القليل من الوقت حتى انتقل الحريري إلى بارئه من خلال ذلك التفجير الشهير الذي أودى بحياته .. لتدخل لبنان في منعطف سياسي آخر .. أما ليبيا فقد جنحت إلى إعادة المياه الى مجاريها وبطريقة دراماتيكية عجيبة .
وكان رأي قطر واليمن وغيرهما من الدول العربية هو التعاطي مع المشروع بحذر بعد دراسته بشكل متأن ..إذ صرح خارجية قطر بتأييده لفكرة المبادرة وعدم رفضها ، وكان تعليق الرئيس اليمني حولها هو : (علينا أن نحلق رؤوسنا قبل أن يحلقوا لنا ) .
إذن فتغيير الأنظمة داخل المنطقة الشرق أوسطية قائم- كما أجمع المحللون في قراءات ودراسات عديدة نشرت على مدى سنين من العقد المنصرم - ولكن بوسائل مختلفة. كما ذكر المحلل نعيم الأشهب في كتابه الذي صدر عام 2005 (مشروع الشرق أعلى مراحل التبعية ) .. : " فإذا كان استخدام الحرب في العراق هو وسيلة التغيير من أعلى ، فإن مشروع الإصلاح الأمريكي المطروح هو بمثابة وسيلة لتغيير النظم من أسفل ، وهي نفس الطريقة التي أتبعت لزلزلة النظام السوفيتي السابق ، فعندما حاول جورباتشوف إصلاحه أدى ذلك الى انهياره وتفككه ، فعملية الإصلاح إن لم يتم إدارتها بجدية ، فقد تؤدي إلى حالة انهيار وفوضى " .
وكا يرى المراقبون أيضا، فإنه بقدر ماعجزت الحكومات العربية عن الاستفادة من التشخيص الذي قدمته تقارير التنمية الإنسانية ، وكان بمثابة جرس إنذار يدق عالميا ، ويضم السماح بما ورد فيه من اعراض لمرض عضال تستدعي التغيير وتنادي بالإصلاح العاجل والسريع ، فإن القوى الخارجية وجدت ضالتها لاستغلال ماورد به من نواقص ، لكن بدور هجوم المبادرات الإصلاحية الذي أخذت تشنه بطريقة مدروسة ومحسوبة على الجبهات السياسية والإعلامية ولأهداف متباينة في مغزاها .
المراقب لتطورات الأحداث خلال العقد الماضي يلحظ بأن هناك جهودا كثيرة تبذل لتحويل ذلك الحلم الأمريكي الى حقيقة .. فالدعم الضخم الذي حظيت به الكثير من المؤسسات الإعلامية الخاصة إخبارية كانت أم منوعة .. وتفعيل دور المنظمات الحقوقية ، وتسريب الوثائق التي من شأنها أن تخلق استعدادا نفسيا وتهيئة شعوبية للتغيير .. قد أتى أكله ولازال ، وما التطورات الدراميكية التي تشهدها الساحة العربية الآن الا مشهدا من مشاهد التغيير .. وهي مشاهد قد عهدها العالم من قبل .
فالمتابع لمجريات تاريخ السياسة الأمريكية الخارجية يتبين له بأنها أطاحت بالكثير من الأنظمة المنتخبة خلال الحرب الباردة ، كما حدث مع حكومة محمود مصدق في إيران عام 1953بانقلاب عسكري هندسته وكالة الاستخبارات الأمريكية ، وكذلك بإسقاط حكومة السلفادور اللينوي في تشيلي في سبتمبر 1973. وغيرها وصولا الى التغييرات قريبة العهد التي فصمت الباكستان ،وقسمت العراق ، وقصمت السودان، وصولا الى ماجرى ويجري في تونس ، ومصر .. والبقية تأتي .
رئيس دار المصدر الدولية للإعلام *
ثورة أحمد عرابي في مصر
( وما أشبه الليلة بالبارحة )
"لقد خلقنا الله أحرارا ولم يخلقنا تراثا وعقار . فوالله الذي لا إله هو إننا سوف لا نورَث ولا نُستعبد بعد اليوم ". أحمد عرابي .
يقول الرافعي عبد الرحمن أن " الثورة العرابية كانت ثورة دفاع عن الحق ، ودفاع عن الحياة ، وليس من ينكر ما كان عليه معظم الرؤساء الشراكسة والترك وغيرهم من الغلظة والغطرسة والزراية بالمواطنين .. ويشير.. إلى أن المعاملة السيئة التي لقيها العرب من الترك إبان حكمهم ، كانت من أهم الأسباب في قيام الفتن والثورات في السلطنة العثمانية .
وقد قامت الثورة العرابية لتؤكد حق المصريين من ضباط الجيش في المساواة بأندادهم من الترك والجركس ، ثم اتـسع مداها لتؤكد حق المصريين في المساواة المطلقة بالترك وتنكر حق استئثار الخديوي وبطانته ورجال دولته من الترك والأجانب بالسلطة دون أصحابها من المصريين .
بذور الثورة :
لقد كانت الظروف العامة في مصر قبل قيام الثورة أسوأ ما تكون عليه ، اذ كان الشعب المصري يقاسي أشد أنواع الظلم، وأبشع ألوان الاستعباد من حكم الأسرة العلوية ، إضافـة إلى أن البلاد كانت تعيش في أزمة اقتصادية عنيفة منذ أوائل عهد الخديوي إسماعيل نتيجة للديون التي أثقلت كاهل البلاد . ولم تكن تلك الديون لولا إسراف الخديوي وتبذيره وفساد حكمه .. ومما زاد من سوء الأمور أن الخديوي قد رهن جميع موارد الدولة المالية ، كإيرادات الحكومة من السكك الحديدية ، وإيرادات الجمارك ومعظم أنواع الضرائب التي كانت تحصل من الشعب .
ومن أثر تلك الأزمة المالية للشعب .. أن الانهيار الاقتصادي في البلاد دفع الحكومة إلى فرض ضرائب جديدة غير عادلة على الفلاحين ، واستعملت وسائل بالغة القسوة في تحصيل هذه الضرائب مما أدى إلى سوء حالتهم .. وأصبحت البلاد على شفا الإفلاس ، وهنا أصبحت الفرصة سانحة للاستعمار الأجنبي لكي يتدخل .. وهو ماتم بالفعل لا حقا .
أحمد عرابي :
ولد أحمد عرابي في 31مارس سنة 1841في (هرية رزنه) وهي قرية بقرب الزقازيق ، وكان أبوه شيخ البلد ، وهو من عائلة بدوية استوطنت تلك القرية في عهد جده عرابي ، ولما شب وترعرع ، علمه أبوه مبادئ القراءة والكتابة ، وعهد إلى رجل يدعى ميخائيل غطاس كان صرافا في البلد تدريبه على الكتابة والأعمال الحسابية .. ثم أرسله والده إلى الجامع الأزهر لطلب العلم ، فمكث أربع سنوات أتم في خلالها استظهار القرآن الكريم وتلقى شيئا من اللغة والتفسير والفقه .
التحق بالعسكرية في العام 1854 جنديا بسيطا وعين كاتبا لأنه كان يجيد القراءة والحساب . وفي عام 1858 رقي إلى رتبة ضابط .. وتسلسل في الرتب العسكرية إلى أن أصبح برتبة قائم مقام في العام 1860 م .
بداية دعوته الوطنية :
كان لخطبة ألقاها سعيد باشا في (قصر النيل ) أثرها البالغ في نفس عرابي .. إذ كان حديث سعيد عن المصريين وقوميتهم وأنهم ظلموا واستعبدوا من قبل الغير من الأجانب .. وقد قال عرابي في هذاالصدد " أنه لما انتهى سعيد باشا من إلقائها –الخطبة – خرج المدعوون من الأمراء والعظماء غاضبين حانقين .. وقد دهشوا مما سمعوا … أما المصريون فخرجوا ووجوههم تتهلل فرحا واستبشارا ، وقال : أنه اعتبر هذه الخطبة أول حجر في أساس مبدأ مصر للمصريين .
أسباب الثورة العرابية:
كان للثورة أسباب عدة ومتشعبة .. أهمها تذمر الضباط والجنود المصريين من المعاملة السيئة التي كانوا يلقونها على أيدي رؤسائهم من غير المصريين . وكانت العدالة معطلة والقضاة مسخرين يستعملهم الحاكم للتنكيل بالعناصر الوطنية ، لنفيهم خارج البلاد واستباحت رقابهم وحرياتهم دون حسيب أو رقيب .وكان هناك تعطيل للصحف الوطنية ، ولمجلس شورى النواب ، إضافة إلى حجم الضرائب الفاحش والذي كان يقع على كاهل المواطن البسيط لتسديد ديون الدولة .
وإلى جانب هذه الأوضاع التي تعد كافية لتكون الشرارة التي تشعل الثورة .. كان المجتمع المصري مهيئا فكريا لتحطيم سلاسله بسبب انتشار التعليم منذ عهد محمد على .. إضافة إلى مساهمة الشعراء والأدباء والصحفيون في بلورة حس الشعب الوطني والثوري وبث روح العزة والمقاومة ك جمال الدين الأفغاني على سبيل المثال .
البداية :
كان ضباط الجيش يتطلعون إلى رجل منهم يتولى زعامتهم وتوحيد كلمتهم للمطالبة بحقوقهم المشروعة . فوجدوا في عرابي ذلك الزعيم .. حيث توفرت فيه صفات الزعامة ، فقد كان ذو شخصية جذابة تؤثر فيمن حوله وتجذبهم إليه ، وكانت أقواله تقع من نفوس الضباط والسامعين موقع الإقناع . وهذا مظهر لقوة شخصيته .
ويمكن تحديد سنة 1881 لبدء زعامته العسكرية على معظم ضباط الجيش .. في هذه السنة كان عثمان رفقي يتولى وزارة الحربية ، وكان وحده من أسباب ظهور الثورة العرابية وآخر ما وقع منه .. أنه أصدر أمرا عبدا لعال حلمي إلى ديوان الجهادية وجعله معاونا بها – وهذا تقليل من شأنه – بعد أن كان قائدا ل آلاي طره . كما أصدر أمرا آخر بفصل عبدا لغفار بك قائم مقام آلاي الفرسان وعين شركسيا بدلا عنه !! وكان لذلك الأمر أثره السيئ على الضباط العرب الذين اجتمعوا بأحمد عرابي في بيته وعينوه رئيسا لهم للمطالبة بحقوق الضباط الوطنيين .. واتفقوا على كتابة طلب إلى رياض باشا يطالبونه بعزل وزير الحربية عثمان رفقي باشا .
قدم عرابي وعبدالعال- من أعوانه – ذلك الطلب الذي يضم الشكوى إلى وزارة الداخلية في 17يناير 1881 م فطلب رياض باشا مقابلة الضباط الذين سلموا هذه العريضة . فحضر إليه في اليوم التالي عرابي وعبدا لعال حلمي وعلى فهمي . وقد تبادل معهم رياض باشا بعض الاستفسارات ، ثم طيّب خاطرهم ووعدهم بأن ينظر بالأمر .وعندما عادوا إليه بعد أسبوع للنظر فيما تم وجدوه غاضبا وهددهم من عاقبة تلك العريضة .
أمر الخديوي بوقف الضباط الثلاث بحالتهم إلى مجلس عسكري .. وعلى أثر ذلك الأمر أرسل ناظر الجهادية بطاقات دعوة إلى عرابي ورفيقيه .. يدعوهم فيها إلى الحضور للمشاركة في احتفال جميلة هانم أخت الخديوي بمناسبة زفافها .. وكانت تلك حركة ذكية لاستدراجهم .. لمعرفة الجميع بشأن الظافر الضباط من العرب الأحرار مع عرابي ورفيقيه .
كانت تلك الدعوة مثيرة للريبة والشكك من قبل الضباط الثلاث .. مما جعلهم يشعرون بالخديعة وإن خادعاهم إلى ذلك – كما يقول عرابي – أن زمن الزفاف المحكي عنه لم يحن بعد ، فكانت هذه الحيلة سابقة لأوانها . وقد حدث ما كان متوقعا .. فقد ألقى القبض عليهم حال وصولهم وعرضوا على مجلس عسكري لمحاكمتهم إلا أن تدخل مؤيدي ومناصري عرابي عسكريا بقيادة محمد عبيد كان له أثره في إطلاق سراحه وزميليه .. وأدى الأمر إلى هروب أعضاء المجلس وحدوث بلبلة كبرى في صفوف العسكريين من غير المصريين . وقد أنتهي الأمر بإقالة رفقي وتعيين محمود سامي البارود وزيرا للحربية بطلب من عرابي ورفيقيه .
وفي يوم 12 فبراير استدعى الخديوي جميع الضباط الكبار من رتبة أل بكباشي إلى رتبة الفريق إلى اجتماع بسراي عابدين حضره أيضا محمود سامي وألقى خطابا عن محبته للجنود والاهتمام بأمورهم منذ توليه الحكم وأنه رغم تأثره من هذه الحادثة إلا أنه قد عفا ولم يبق في قلبه شيئا من آثارها .
أراد عرابي أن يجني ثمرة هذا الانتصار فتقدم مع زميليه إلى ديوان الجهادية بناء على رأي الآلات بالمطالب الآتية :
أولا- صرف النقود بدل التعيينات التي كانت تؤخذ من مخازن الجيش .. حفاظا على حقوق الجنود .
ثانيا- عدم استقطاع مرتبات الجنود .. في مدة إجازاتهم الطبيعية ما لم تتعدى ثلاثين يوما .
ثالثا – أن يؤخذ من الضباط والجنود نصف الأجرة في ركوب السكة الحديدية .
رابعا – صرف أثمان الملابس لإيقاف التلاعب في ورشة الترزية .
خامسا – سن قانون في الجيش خاص بالترقي .
سادسا – زيادة مرتبات جميع الضباط والجنود .
سابعا – سن قوانين شاملة للترقي والتقاعد والمكافآت والإجازات
ثامنا –إعادة أحمد بك عبدا لغفار قائمقام الفرسان إلى منصبه ، بعد فصله من قبل عثمان رفقي .
وقد تجاوب الخديوي مع معظم تلك الطلبات .
تأثرت هيبة الخديوي من جراء ما حدث وبدأ يبيت النية لمعاقبة عرابي والثوار .,. فكان أن اتجه إلى الدسائس .. حيث ظهر في صفوف العسكريين من حاول العصيان والتمرد وإحداث الفرقة .
وفي شهر يوليو وبينما كان الخديوي ينعم بالراحة في الاسكندرية .. دهمت عربة أحد الجنود فقتلته وفر قائدها اليوناني .. فحمل زملائه جثمانه إلى قصر الخديوي لعرض الأمر عليه .. فغضب الخديوي لهذا الأمر وأمر بمحاكمة الجنود الذين أتو بجثة رفيقهم عسكريا ..فأدينوا وتعرضوا لأحكام قاسية . غير أن البعض قد استكبر أمر المحاكمة كعبد العال حلمي الذي احتج أمام وزارة الحربية على ذلك .. مما أثار غضب الخديوي الذي اتهم الجيش بالفوضى وأصدر أمره بعزل محمود سامي البارودي .. مع إخطار عرابي .. وتعيين صهره داود باشا خلفا له .
بدأ الخديوي عن طريق داود باشا ينفذ خططه للقضاء على الحركة العرابية ..فقد أصدر داود يكن أوامره المشددة بمنع اجتماعات الضباط أو تركهم لمراكزهم العسكرية في الثكنات في أي وقت .. كما أمر بمنع تدخلهم في الأمور السياسية أو حتى التشاور والتناقش فيها ، كما حاول بكل الوسائل أن يقيد حرية الضباط الوطنيين وخاصة عرابي وعبدالعال حلمي وأحمد عبد الغفار .. ففرض عليهم رقابة شديدة من جواسيس الخديوي لتمنع اتصالهم بعضهم ببعض كما تمنع اتصالهم بالشعب لبث الدعوة الوطنية . كذلك هدد باعتقال كل من يخالف هذه الإجراءات ومعاقبته .
كانت تلك الإجراءات ترمي إلى الحد من نشاط عرابي والضباط الوطنيين وبالتالي يقضى تدريجيا على الحركة الوطنية . وقد كان من ضمن خطط داود للقضاء على الثورة نقل فرق الجيش الموالية لعرابي خارج القاهرة .. فقد أصدر أمره إلى إحدى فرق الجيش بالانتقالإلى الاسكندرية .. ولكن الضباط الوطنيين فطنوا إلى ان هناك مؤامرة من خلف ذلك الأمر .. فأجمعوا على رفض الأوامر . ووجد عرابي أن الفرصة قد حانت للقيام بمظاهرة عسكرية احتجاجية كبرى أمام قصر عابدين .
مظاهرة عابدين العسكرية :
في اليوم التاسع من سبتمبر 1881 سار الجيش في عرض عسكري كبير إلى ميدان عابدين حيث احتشدت فرقه المختلفة بأسلحتها وذخيرتها ، كما حضرت فرق المدفعية وذخيرتها .. وكانت قد احتشدت حول الميدان ألآلاف من جماهير الشعب .. وقد امتلأت نفوسها حماسا وحمية مبعثهما جرأة الجيش ورهبة الموقف ، ومما زاد من سوء مركز الخديوي وجعل موقفه حرجا أن الحرس الخاص بالقصر قد ترك مراكزه وأنضم إلى قوات الجيش المحتشدة في الميدان والمحاصرة للقصر .
طالب عرابي الخديوي بتعيين وزارة وطنية يرضى عنها الشعب ، وتأليف مجلس للنواب يمثل الأمة ، وتقوية الجيش وزيادة عدده .. إلا أن الخديوي لم يجبه إلى شيء زاعما أنه ورث هذه البلاد أبا عن جد فرد عرابي بكلماته الشهيرة :
"لقد خلقنا الله أحرارا ولم يخلقنا تراثا وعقار . فوالله الذي لا إله هو إننا سوف لانورث ولا نستعبد بعد اليوم ". وقد لمح عرابي للسفير الانجليزي كوكسن الذي شهد الحدث بأنه لن يخضع للتدخل الانجليزي وأنه سيقاومه بكل قوة . وقد بدأ تفكير الجيش بعد ذلك يتجه نحو عزل الخديوي إذا ما استمر في رفض المطالب التي عرضت عليه . ولكنه نزل عند رغبة الجيش وولى شريف باشا رئاسة الوزراء بطلب من عرابي كما عين محمود سامي البارودي وزيرا للحربية .
آثار الثورة :
بدأت آثار الثورة العرابية وآثارها تظهر واضحة في شكل الإصلاحات الكثيرة التي قامت بها حكومة شريف الوطنية والتي تمت في وقت قصير .
النهضة القضائية :
ومن هذه الإصلاحات .. تعديل النظام القضائي على أسس جديدة سليمة ، وإنشاء المحاكم الأهلية ، وكفالة حرية القضاء وعدم التدخل في شئونه .
النهضة التعليمية :
حاولت حكومة شريف الوطنية إصلاح التعليم فخصصت له ميزانية كبيرة وأنشأت المدارس في مختلف أطراف البلاد وخاصة النائية منها . وتم تعميم التعليم الابتدائي في جميع أنحاء القطر المصري .
النهضة النيابية :
وقد كان قيام النظام الدستوري في مصر وإنشاء مجلس النواب من أهم آثار الثورة العرابية .
كفاح الشعب ضد التدخل الأجنبي :
كان لمجلس النواب دوره الفاعل حين أصر أعضاءه على مناقشة الميزانية والإشراف عليها .. رغم تحفظ شريف تجاه هذا الأمر لأسباب سياسية ، وبعد مناقشات عدة .. قرر النواب بالجماع أن له سلطة الرقابة التامة على الميزانية ماعدا ما يختص بأداء الديون الأجنبية .. وكان أن استقال شريف باشا نتيجة الضغط الشعبي من جهة وعدم قدرته على التحرر من ضغط الانجليز ذوي الأطماع الاقتصادية .
النهضة الريفية :
كان أهم عمل لحكومة الثورة العرابية القضاء على السخرة قضاء تاما ، وتحريم ضرب الفلاحين وإلغاء الضرائب المجحفة ، وقيام المشاريع الزراعية التي حسنت من حال الفلاحين وإنتاجهم .
التدخل الأجنبي :
كانت انكلترا تخشى أن يقوم عرابي بعزل الخديوي فيكون ذلك فاتحة لتحريك الأوضاع في المنطقة العربية برمتها .. لذلك فقد نفذ سيمور ، قائـد الأسطول الانجليزي المرابط في ميناء الإسكندرية خطة تقضي باختلاق الذرائع للتدخل عسكريا .
وجه القائد المذكور احتجاجا إلى السلطات المصرية ، جاء فيه أن المصريين يرممون الحصون القديمة المواجهة لأسطوله .. واعتبر أن ذلك بمثابة عدائية لا يسعه السكوت عنها .
الخوف المفتعل من قوة هذه الحصون ، لم يكن سوى ذريعة للبدء بضرب الإسكندرية .. ووجه سيمور ثلاث مذكرات يطلب فيها وقف العمل في الحصون ، وأجيب على أولى مذكراته بأن العمل موقوف فيها ، وأنه ليس هناك من نية لتطويرها أو تحسينها .
لكن سيمور سرعان ما أمر قواته بضرب الحصون وذلك في الساعةالسابعة من صباح يوم الثلاثاء الحادي عشر من يوليو سنة 1882 ، وانصبت مدافع الأسطول الانجليزي تزرع الموت والدمار في الحصون وفي الأحياء السكنية ، لاتميز بين موقع عسكري ومنطقة مدنية . واستمر الجنود المصريون بالمقاومة اليائسة حتى تهدمت الحصون وتعطلت المدافع بفعل القصف المعادي المركز ، واستمرت الحالة على هذا المنوال حتى السادسة من مساء ذلك اليوم .
كانت الحصيلة .. ألفي قتيل مصري وخمسة قتلى فرنسيين .. ودمار .
أخلى المصريون المدينة يوم 12 يوليو وغادرها القائد عرابي مساء اليوم نفسه ، قاصدا كفر الدوار لقيادة الجيش من هناك .. وأنشأ الاستحكامات التي اتخذها الجيش المصري معسكرا له ( معسكر كفر الدوار ) .
في صباح 13 يوليو .. نزل الجيش الانجليزي إلى أرض الإسكندرية .
موقف تركيا :
كان موقف تركيا منذ شبت الثورة العرابية منطويا على سوء نية .. فقد أرادت أن تتخذ من هذه الثورة فرصة لاسترداد امتيازات الاستقلال الذي نالته مصر . وكانت متذبذبة في تأييدها فتارة مع الخديوي وتارة مع العرابيين .
خلال الغزو كانت المفاوضات تجري بالأستانة مابين اللورد دفرين سفيلر انجلترا هناك والباب العالي .. للاتفاق على إرسال جيش عثماني إلى مصر .. وكانت قصد انجلترا من تلك المفاوضات اطالت الوقت لتعطيل ذهاب الجيش العثماني ولقمع الثورة .. وقد تذرعت إلى إطالة المفاوضات باشتراطها شروطا عدة هي :
ألا يتجاوز الجيش العثماني خمسة أو ستة آلاف جندي .
عدم دخول الجيش عن طريق البر .. أو ميناء الاسكندرية .
عرض خططه الحربية على القيادة الانجليزية .
التعهد بالانسحاب إذا ما جلى الجيش الانجليزي .
وقد رفضت الحكومة التركية تلك الشروط .. وكان ذلك سببا في تعطيل إرسال جيشها . وفي غضون ذلك طلب اللورد دفرين من سعيد باشا الصدر الأعظم أن يعلن السلطان عصيان عرابي وأن يقترن هذا الإعلان بالاتفاق على اشتراك الجيشين في مصر . ولكن عرابي تعرض لهزيمة في مصر في واقعة التل الكبير مما جعل لورد دفرين يسارع بإبلاغ الباب العالي بهزيمة العرابيين وأنه لم يعد ثمة موجب لإرسال جيش عثماني لأن الجيش الانجليزي قد انتهى من مهمة إخماد الثورة .
كان عرابي يعتقد بأن السلطان العثماني يوافقه على كفاحه ضد الخديوي والاستعمار ، إلا أن الموقف كان عكس ذلك .. فقد أصدر السلطان بيانا وزع كمنشور في صفوف المصريين يتهم فيه عرابي بأنه خارج عن طاعة الله ونبيه وخليفته على الأرض .. مما أضعف الحال وزاد الأمور سوء في الكفة العرابية .
عندما عاد عرابي إلى القاهرة .. وجد أنه من العسير الدفاع عن القاهرة بألف جندي فقط … ! ورأى هو وصحبه بالخضوع والتسليم إلى الخديوي وحرروا وثيقة بذلك حملت تواقيعهم جميعا .
اعتقل زعماء الثورة العرابية .. والكثير من الضباط .. وحوكموا محاكمة عسكرية بتهمة عصيان الخديوي .. فكان الحكم على عرابي بالإعدام .. ثم خفف إلى النفي والمؤبد .. وكان ذلك الحكم دارجا على كل صحبه من رفاق الثورة .
أقام عرابي وستة من رفاقه في جزيرة سيلان وكانت حياتهم فيالمنفى حياة بؤس وحزن وشقاء .. إذ انقطعت صلتهم بالناس وطال اغترابهم عن الوطن وقد قال البارودي في ذلك شعرا :
محا البين ما أبقت عيون المها مني
فشبت ولم أقض اللبانة من سني
عناء ويأس واشتيــاق وغربة
ألا شد ما ألقاه في الدهر من غبن .
في عام 1901 صدر عفو من الخديوي عن عرابي .. فعاد ليقضي عشرة سنوات في وطنه قبل أن يلقى ربه في 21سبتمبر من عام 1911 . وكانت عودته بواسطة الانجليز وادلاؤه بعد رجوعه بتصريحات فيها تأييد للاحتلال وسياسته .. ! سببا في استقبال الأمة له بالفتور والسخط في بلده .
رحم الله الجميع .
د.صالح الشادي
رؤية نقدية للحرية
30-01-2011
إن الحرية قرينة الإبداع والخلق، ولعل مؤشر قمع الحرية داخل المجتمع يكون سببا واضحا في تكييف الإبداع بكل مجالاته سواء قبل ممارسته أو بعدها مباشرة، بمعنى أن المبدع عندما يعرف بحكم خبرته ومعرفته وتجربته الخاصة أن إبداعه وعمله سوف يلاقي منعا ما أو موقفا معاديا، فإنه يمارس على نفسه نوعا من الرقابة الذاتية ويمنع نفسه من ممارسة حريته الكاملة في إبداع يتأثر بمؤشر القمع والمنع فيخرج ناقصا وضعيف البنية. ولذلك فإننا نجد في مجتمعاتنا العربية عامة انتشار مؤشرات القمع والمنع والحظر والمصادرة في التعاطي مع الإبداع بكل تجلياته.
لقد عانى الكثير من مبدعينا على مستوى العالم العربي من المنع والمصادرة والرقابة على إبداعاتهم، سواء كانت أدبية أو علمية أو تقنية أو فكرية، وبالتالي أثر هذا كله على مسيرة التطور العلمي والفكري عندنا وبقيت مجمل الشعوب العربية تعاني من نير التخلف والفكر الكلاسيكي الذي ينبني على النفعية المادية والمصلحة الشخصية والرؤية القاصرة والمتخلفة للأمور. فصار العلم عندنا غريبا وشيئا غير مرغوب فيه ومحارب بشتى الوسائل على أساس متخلف ترجع به إلى الجاهلية قبل مجيء الإسلام الذي رفع من شأن العلم والفكر.
إن التطور الحضاري لمجتمع ما يرتبط ارتباطا وثيقا بالتطور العلمي والأدبي والفكري على السواء. وإن قياس مستويات هذا التطور يكون بمدى الإحساس بهامش الحرية في الإبداع والتعبير. فتقليص هامش الحرية يحول دون هذا التطور ويقف حجر عثرة أمام النمو الفكري لأفراد المجتمع ويحارب الفكر الحواري والمثمر، وبالتالي الزيادة في معدل الأمية والتخلف والجريمة والجهل والصراع الطبقي والديني والقيمي والثقافي.
إن المبدع عندما يمارس عمله الإبداعي في حدود إبداعياته، دون وجود لمشاكل تحد منها، يجعل مشروعه الإبداعي مثمرا في خدمة مجتمعه، ويستطيع أن يسهم في تغيير الرؤية المتخلفة للأمور ويرفع من شأن العلم والفكر، ويكون خطابه أكثر قدرة على خلخلة منظومة القيم المتوارثة وتحريك المجتمع في الاتجاه الصحيح والمفيد. فرسالة المبدع عموما هي تطوير الفكر العلمي والنقدي والأدبي وجعله حيا يتعايش مع متغيرات باقي الشعوب في العالم .
إن الحرية مؤشر مهم في عملية الإبداع، وستظل كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فمبادئ الحرية في مجال الإبداع تختلف حسب نوع الإبداع المتطرق إليه، ولذلك نجد أن للحرية معانيَ كثيرة تساعد المبدع أن يلتزم بها التزاما تجعله مبدعا حقيقيا لا مجرد شخص يمارس الحرية للهدم والتدمير. وبالتالي فالحرية ليست مطلقة بالمرة، بل هي مقننة مبنية على أسس ومبادئ وقيم متعارف عليها بين جميع الناس سواء على المستوى المحلي أو القطري أو الكوني.
وإذا حاولنا إيجاز الوظائف الواضحة للحرية التي نستهدفها في هذه المقالة وجدنا من أبرزها إحداث نقلة معرفية حاسمة في المجتمع وتوعيته بحقوقه وواجباته وحفاظه على قيمه المتميزة التي لا تنافي القيم الإنسانية المتوارثة على مر العصور، وبالتالي الحفاظ على التماسك الاجتماعي والإنساني بين جميع البشرية في العالم، وتتجلى أيضا في القدرة على تحقيق التوازن الثقافي والاجتماعي داخل المنظومة الإنسانية، لأن أغلب المفاهيم الراهنة حول ممارسة الحرية في المجتمعات العالمية تختلف اختلافا جذريا بحسب القناعات الفكرية والسياسية والدينية التي تتنوع بين أهل الأرض. وبذلك نعترف بأن هناك شرخا كبيرا قد أحدثته المفاهيم المغلوطة عند أغلب شعوب العالم حول الحرية ورفعت من حدة الصراع بين هذه الشعوب وحكوماتها، فخلخلت التماسك البشري الذي جاءت به سنة الله من خلال رسالات سماوية إلى بني البشر.
إن الجهد الذي يجب بذله اليوم ومستقبلا هو محاولة البحث الدؤوب عن الأفكار وصياغة المصطلحات والمنطلقات المشتركة بين جميع الشعوب والتي ترى على أنالحرية كمؤشر للحياة عند الإنسان يفترض أن يكون مفهوما متوافقا مع مفهوم الإنسانية أولا وأخيرا وأن يبتعد عن مؤثرات القناعة الفكرية والمواقف السياسية والدينية. وبالتالي التوافق على سبيل واحد للتشارك في ممارسة الحرية بأبعادها المختلفة.
إن الجمع بين التوافقات المشتركة بين سكان العالم على الحرية ضمن مفهوم الاحترام والاحترام المتبادل لخصوصيات كل شعب وكل فئة بشرية على حدة، يمثل منظومة متجانسة تقع في دائرة الاعتداد بالتعايش السلمي والتشارك الفعلي بين جميع الشعوب. ولعل إعادة تفسير القراءة لمفهوم الحرية وإمكانية تأويله حسب الخصوصيات المختلفة لدى كل الشعوب ستكون عملية مهمة ومفيدة تعالج كل الإشكاليات المطروحة اليوم بين الناس، فمثلا، الاختلاف بين الشعوب العربية والإسلامية والشعوب الغربية حول مقاربة الأديان بالسب والشتم والنقد الجارح والذي يرفع من حدة الصراع بين هذه الشعوب يمكن له أن ينتقي إن اتفقت جميع الأطراف على عدم المساس بمقدسات كل عقيدة دينية عند الآخر، وبالتالي الخروج باتفاق يحمي الدين ومقدساته ويعاقب كل مسيء من طرفه إلى دين من هذه الأديان.
فلا يحق البتة أن يدعو المختلف للآخر في الدين والقيم إلى استئصاله ومحاربته باسم الدين أو باسم قيم إنسانية جديدة تنافي الأعراف الإلاهية وتنحو نحو تأليه الإنسان والآلة والعقل دون الله. فهذا أمر مرفوض تماما في عرفنا ولا يمكننا قبوله تحت أي طائلة أو تحت أي عنوان فكري أو سياسي. إذ أنه من خلال تكريس ثقافة تأليه العقل والآلة والإنسان معا تدفع إلى استبعاد الدين ورفع راية الاستعباد الذي ينافي كل الديانات السماوية والعقائد الإلاهية. وهنا تصبح الحرية لاغية وغير مستساغة لأنها تضرب معتقدات البشر (مسلمين، مسيحيين، يهودا،....) التي لا يحتمل أي طرف من هؤلاء المساس بها أو التعرض لها بالنقد الجارح والشتم.
إن الحرية هي التي تتجسد فيها أعلى مراتب الجمال في الحياة والفن والفكر والعلم، والتي لا تناقض النظام، فالحرية هي أن تختار ضمن نظام متميز، والفوضى هي أن تفقد كل اختيار ضمن منظومة فاسدة. فالحرية تصبح مقبولة ضمن مقاييس ثابتة تتجاوز الزمان والمكان، ولا تعبث بها أمواج الحياة المتقلبة، وأذواق الناس المتضاربة وأزيائهم المتبدلة، وهي تمثل ما هو مشترك بين الأفراد والأمم في جميع العصور والأمكنة وهي حاجات أساسية، منها الحاجة إلى الإفصاح عما ينتاب الإنسان من عوامل نفسية وانفعالات وتأثيرات مختلفة، والحاجة إلى الحقيقة قولا وفعلا، والحاجة إلى الشعور بالجمال المطلق والتعبير عنه بشتى وسائل التعبير الممكنة، وغيرها من الحاجات الإنسانية التي تجعل ممارسة الحرية مضبوطة ضمن قانون إنساني أسمى
لا شك أن الحرية كفكر قد فرضت نفسها على الفكر العربي المعاصر والحديث بطريقة أو بأخرى في الستين الأخيرة، وأصبح لها خصوصها وأنظارها وآثارها اللافتة في مجال العلوم الإنسانية المختلفة، ولكن رغم الحماس الذي يصل بين أنصار الحرية شبه المطلقة وخصومها في الوطن العربي، ورغم كثرة ما كُتِب عنها، بل رغم تحول الحرية كسلوك إلى موضة تذكر في كل مناسبة وبغير مناسبة فليس هناك اتفاق واضح ومتوافق حوله لمفهوم الحرية كفكر وسلوك مما يجعلنا أمام أزمة تحديد لهذا المفهوم، وأمام أزمة إنتاج وعي مستقبل يجعل منها نوعا من القناعة الشخصية التي تتعارض مع القناعة الجمعية. وبالتالي يمكن الحديث عن التماهي الفكري عند العديد من الناس مع مفهوم الحرية المشترك بين الجميع في العالم .
عزيز العرباوي...م ا ا ل
سنة عربية بامتياز.. ننتظر فيها ست دول جديدة
حمدي فراج:
السنة الميلادية الجديدة التي تزداد التمنيات والصلوات لكي تكون سنة خير وبركة على الامة، مرشحة لميلاد ثلاثة دول عربية جديدة تخرج من رحم السودان “الحركة الشعبية في الجنوب” والعراق “دولة كردستان في الشمال” وفلسطين المحتلة، وإذا ما تمت الولادات الجديدة بالسلامة، وظلت الأم والمواليد بخير وبصحة جيدة، فإن السنة الجديدة ستكون سنة خير وبركة بكل تأكيد، وسيرتفع عدد دولنا العربية إلى حوالي خمس وعشرين دولة!.
فماذا لو جاءت الأمهات حاملات بدولتين في كل بطن، دارفور في غربي السودان، وشيعة العراق في جنوبه ودولة حماس في قطاع غزة المستقلة عن دولة الضفة؟! سيصبح العدد ثمانية وعشرين دولة “في عين اللي ما يصلي على النبي”، وسنكيد إسرائيل بهذا العدد المهول أكثر وأكثر، وبدلا من أن تظل تحثنا على الرحيل إلى الأردن أو لبنان، ستحثنا على الرحيل إلى الدول الجديدة التي لربما تحتاج إلى مزيد من السكان، ومزيد من الأيدي العاملة لكي يفاخر النظام بأنه يحكم شعبا كبيرا قائما على التعددية الطائفية التي تتسع للجميع ما عدا حرية الفكر والرأي والمعتقد، شأنها شأن الدولة الأم التي انفصلت عنها للتو!.
الدولة الفلسطينية هي التي من المتوقع تعثر ولادتها، رغم إصرار نطاسييها الذين يواكبونها على مدار عشرين سنة على أن الولادة حاصلة في هذه السنة الجديدة رغم أنه ليس هناك من أي مقومات علمية ومادية لمثل هذه الولادة، والشكوك تدور حول الحمل ذاته.
هناك في الطب النفسي ما يعرف بالحمل الوهمي، وتبدي الأم أعراضا مشابهة لأعراض الحمل الحقيقي، ويذكرنا هذا بكاريكاتير وضعه الفنان الشهيد ناجي العلي قبل حوالي ربع قرن حين قال الطبيب لسيدة متصابية في خريف عمرها تلبس ثوبا مزركشا جاءت لمراجعته بشأن حملها، قال لها: هذا انتفاخ يا منظومة، وكان يقصد بالطبع منظمة التحرير، في حين قال الشاعر العراقي الكبير مظفر النواب “والبلاد إذا سمنت وارمة”.
ونحن على بوابة السنة الجديدة، لا نريد تثبيط عزيمة أهل العزم توليد الدولة الجديدة، لكننا لا نقبل انتظار عشرين سنة أخرى من أجل تلك الدولة المزعومة التي نشك حين تقوم أنها ستكون مستقلة وذات سيادة على الجو قبل البر والبحر بعاصمة واحدة هي القدس لا رام الله أو غزة. بمعنى أن على القيادة الذهاب للبحث عن بدائل لهذه الولادة غير الطبيعية من أجل مولود غير مشوه يكون عبئا علينا لا سندا لنا طال انتظاره.. ويسعفنا وإياهم في ذلك شاعرنا الكبير محمود درويش الذي قال: ماذا تريدُ؟ عَلَمَاً؟ وماذا تنفع الأعلامُ .. هل حَمَتِ المدينَةَ من شظايا قنبُلَهْ؟/ ماذا تريدُ ؟ جريدةً؟... أتفقِّسُ الأوراقُ دُوريّاً وتغزلُ سنبُلَهْ؟/ ماذا تريدُ؟ شْرِطَةً؟... هل يعرف البوليسُ أين ستحبل الأرضُ الصغيرةُ بالرياح المُقْبِلَهْ؟/ ما أوسع الثورة، ما أضيقَ الرحلة، ما أكبَرَ الفكرة، ما أصغَر الدولة!...
ع ا ل
الأطوار الفكرية لتاريخ النص الشعري
إبراهيم أبو عواد
إن القصيدة حِزْبٌ قائم بذاته ، وهذا الحزب يعمل جاهداً لصناعة مجتمع حي خالٍ من حالات الموات انطلاقاً من مراكز صنع الرؤية الشعرية في الأفق القصائدي .
وهذه الصناعة الثورية لمجتمع الفضيلة توازن بين ميكانيكا الصور الأدبية وروحانية الأبعاد الوظيفية لمهمة الشاعر . مما يؤدي إلى تعميق الأبجدية الوجدانية ككتلة جغرافية تاريخية تبعث الحياة في خريطة النص الشعري عبر تثويره وجعله مناوئاً للروتين الكلماتي . إنه تطهير وجودي شامل بُغية تنسيق الفعاليات الثقافية التي تعمل على أنسنة الطبيعة المادية ، وإضفاء صفات الكائن الحي عليها ، لأن الطبيعة هي الوجه الآخر للإنسان . وبما أن الشَّاعر هو إنسانية الإنسان كان الأجدر بحمل عبء أنسنة العناصر واستنطاق قيم الجَمال المتفجرة.
وفي ضوء هذه الولادات الفكرية المتوالية تتجذر الظواهر الاجتماعية في قلب النظام الحركي للنص الشعري . وهذا يدفعنا دفعاً إلى تحليل السلوكيات الإنسانية الشعرية باعتبارها تشكيلاً وظيفياً قائماً على نفي التعارض بين الدلالات المتجذرة في الجسد القصائدي . إلا أن الدرب إلى اجتماعية التحليل الشَّبكي للنظام الكلامي المتآلف ليس سهلاً البتة، فهو يعتمد بالدرجة الأولى على كسر أيديولوجيات الرعب الذي يمع العقل من التفكير والإبداع.
ومن هنا نفهم حتمية التقاء الإنتاج السياسي مع البنية الاجتماعية من أجل توليد الصورة الأدبية المبتكَرة . فالصورة هي التغيير السياسي الحر ، والصراع الأبجدي داخل تاريخ الشِّعر الكاسر للقَوْلبة التقليدية ضمن متاهة استدعاء صور فنية تقليدية ومكررة.
ومن خلال تحليل سُلطة المعنى القصائدي على الألفاظ اللغوية نجد أن الأدب علم اقتصاد جديد ، اقتصاد من نوع مختلف يتضمن كامل التنويعات العابرة لتجنيس الأنساق اللغوية التي فقدت لونها نتيجة كثرة الاستعمال.
وليس كل تنويع قائم على تأريخ روح الفلسفة المنتشية باللغة الشَّاعرية يلائم نمو تاريخ القصيدة الطبيعي، لأن التأريخ يختلف عن التاريخ . فتأريخُ الحالة الشعرية هو رصد تحولاتها، أما التاريخ الشعري فهو المسار الذي تسلكه القصيدة أثناء أطوار نموها المختلفة . ومهما يكن من أمر فإن فلسفة الشِّعر ستظل هي الابن الشرعي والوحيد للحالة الوجدانية العارمة المتدفقة في القلب والروح معا.
وعلى الرغم من أهمية الشِّعر كقوة محركة للاستعداد البشري، إلا أنه من الخطأ المريع رؤية العالَم من خلال ثقب إبرة الشِّعر، لأن المجتمع القصائدي هو الخيال الواقعي بينما المجتمع الإنساني المحسوس فهو واقعية موغلة في تكريس العناصر المادية كحالة دُنيوية مُعاشة. والخيالُ الواقعي لا أهمية له إذا لم يتم نقله إلى المجتمع البشري نقلاً متواصلاً من أجل ضمان انفتاح الوعي الفكري على الإسهامات النقدية للنظام الشِّعري المغلَق.
إن فهم الأنساق السياسية للمدى الوجداني المندفع يجب أن يتم من خلال اعتبار المنهج الشِّعري ظاهرة مستقلة تتمتع بقيمة الرفض لكل المناحي السلبية في الواقع المعاش . وتعميق سيكولوجيا المجتمع يمر عبر جمعنة الأدوار السلوكية للمعنى المرن.
فالاستقرار الوظيفي ليس بأكثر من حالة مؤقتة ، تُترَك عندما تَفقد القدرةَ على الإدهاش وعندئذ يُصار إلى معنى جديد مُدهِش . ومبادئ القيم الجَمالية ليست عبئاً على كاهل المنظومة الثقافية النَّصية ، لأن قيمة الجَمال تمتلك في داخلها بذور الاستمرارية والتألق التي تحمل كُلَّ الأولويات في جهاز دولة القصيدة .
أما هيمنة قطاعات لغوية تقليدية على وُجهة النص الأدبي فسيقود إلى وأد الجنين الشَّاعري . وهذه التراكمات القاتلة تؤسس للانتحار التدريجي في الجسم الثقافي . لكن مهارة المزج بين الأطر الوجدانية واقتصاديات السياسة الأبجدية سوف يُخرج المجتمع الكلماتي من هاجس الموت إلى جغرافية حية عابرة للخرائط اللغوية المعلَّبة في قوالب الجمود والتقليد العبثي . وكل نفي للجمود هو إثبات للانفجار المنظَّم في كتلة اللغويات الوجدانية .
ومن أجل طرح تساؤلات تتحلى بالزخم الفكري غير المأزوم ينبغي توظيف الأنظمة السياسية في صميم النظام الشَّاعري الكلامي لكي تنتج عن الأبعاد الوجدانية للتجربة الشعرية أشكالٌ جديدة تفكك الجوهرَ ، ولا تكتفي بالضرب على السطح ، بل تغوص في أعماق علم الاجتماع القصائدي الذي هو تشريح المضامين الوجودية للحياة البشرية المفعمة بالمفارقات والتناقضات الفجة.
فاللغة الاجتماعية هي الصيغة الأكثر حداثة للتعبير عن سياسة الشِّعر. والهدف الاستشرافي لشاعرية الخصائص الإنسانية العليا يتمحور حول إيجاد انتماءات مجتمعية لها قدرةٌ كشفية ثاقبة تستطيع الوصول إلى أقاصي نقاط الإحساس البشري بعناصر الطبيعة الداخلية والخارجية.
ونحن في أمس الحاجة إلى صناعة قصيدة منتمية إلى إنسانية الكائن الحي تناقش مشاكل الفرد بعيداً عن الأنا العليا الوعظية المترفعة ، وتتعرض لمشكلات كل الكائنات الحية باعتبارها تشكيلات بصرية وسمعية في نظام طبيعي متنوع.
وبالطبع فإن إنتاجات القوى الاقتصادية الأبجدية ترتكز إلى مقدار الثروة الموضوعة داخل الكلمة، وهذا لا يلزم تحويل الكلام إلى بورصة أو سوق يطرح خيارَي العَرض والطلب. بل على العكس فإن الكلام الشِّعري لا يدخل في نطاق التَّسلع “تحويل العواطف إلى سِلَع”. فالشِّعر هو المتحدث الرسمي باسم التاريخ الإنساني، والتاريخُ لا يُباع ولا يُشترى.
العرب أونلاين
في وداع الأب الفعلي لجامعة بغداد
خير الدين حسيب
صباح التاسع عشر من تشرين الثاني ، لفظ الدكتور عبد العزيز الدوري انفاسه الاخيرة بعد معاناة شديدة خلال هذه السنة، من المرض والقهر، حلت عليه بعد ان ظل يقاوم ويعمل وينتج خلال وجوده في عمان منذ واحد واربعين عاماً ومنذ ان شرده وطنه العراق. ان علاقتي به ترجع الى حوالى خمسة وستين عاما، بدأت علاقة تلميذ باستاذه ثم تطورت الى علاقة زمالة وصداقة واخوة، تجاوزت العمل الاكاديمي الى حقل العمل العام، وقد ذقنا خلالها سوية بعض نتائج قسوة التجربة التي مر بها العراق حتى احداث عام 1968، وانتهت بكلينا خارج الوطن، ومع ذلك فأظننا كنا متمسكين سوية، قولا وفعلاً، بمبدأ «بلادي وإن جارت عليّ عزيزة»! ان الدكتور عبد العزيز الدوري هو الأب الفعلي لجامعة بغداد ابتداء، وجامعات عراقية اخرى في ما بعد. فقد انشأ في الخمسينات وقبل ان تقوم جامعة بغداد، الكلية الجامعية للآداب والعلوم في بغداد وكانت النواة الفعلية لجامعة بغداد في ما بعد من خلال ما ارساه فيها من تقاليد علمية واكاديمية جامعية ما لبثت ان اصبحت اساس جامعة بغداد عند انشائها، اضافة الى الكليات الاخرى التي كانت قائمة آنذاك وانضمت اليها. ومنذ ان استلم رئاسة جامعة بغداد منذ اوائل عام 1963 وحتى اواسط عام 1968 فقط، لم يرسّخ هذه الجامعة فقط، بل عمل على توسيع التعليم الجامعي في العراق، وانشأ جامعات اخرى في شمال العراق وجنوبه. وخلال تلك المسيرة كلها، وبعدها، لم ينقطع الدكتور الدوري عن العمل الاكاديمي، وقد ألف ونشر عددا كبيرا من المؤلفات منها: تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري، مقدمة في تاريخ صدر الاسلام، نشأة علم التاريخ عند العرب (باللغتين العربية والانكليزية)، العصر العباسي الاول: دراسة في التاريخ السياسي والاداري والمالي، دراسات في العصور العباسية المتأخرة، مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي (بعدة لغات)، النظم الاسلامية (باللغتين العربية والانكليزية)، الجذور التاريخية للقومية العربية، التكوين التاريخي للأمة العربية: دراسة في الهوية والوعي (باللغتين العربية والانكليزية)، اوراق في التاريخ والحضارة: اوراق في علم التاريخ، اوراق في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، اوراق في التاريخ العربي الاسلامي، اوراق في الفكر والثقافة. وقد نشر “مركز دراسات الوحدة العربية” الاعمال الكاملة للدوري، كما نشر العديد من الطبعات لمعظم كتبه. منذ تعرفت اليه وهامته تعلو باستمرار كلما علت قدراته وقيمته ومكانته، فضلا عما يستند اليه ذلك كله من صفات شخصية واخلاقية رفيعة. فهو مثال نادر من المثقفين والمفكرين والباحثين العرب الذي نذروا انفسهم بكل تواضع وتجرد – مقرونين بالكفاءة والحكمة والاقتدار – لخدمة العلم، ووضع محصلة هذا العلم في خدمة الامة العربية. فكان نموذجا رائعا للعالم الملتزم، الذي يخدم المبدأ ولا يستخدمه، والعالم الذي يكون السؤال الأول على لسان صاحبه كم اعطيت؟ لا كم اخذت؟ والعلم الذي ينفع الناس فيمكث في الارض، لا العلم الذي يفيد صاحبه فيمكن ان يذهب جفاء. وكان نموذجا رائعا للعالم الذي يهب نفسه لخدمة قيم انسانية ومثل عليا، فضلا عن ان يجعل العلم باستمرار في خدمة المجتمع. واذا كان “العلم للعلم” ترفاً لا تتحمله الشعوب النامية ولا تقدر على تبعاته، فان مسيرة عبد العزيز الدوري تعطي نموذجاً حياً لعالِم اصيل كبير نذر نفسه لخدمة قضايا امته وتطلعها الدائم الى التحرر والتقدم والوحدة، حيث يمكنني القول انه تبنى في البحث والدرس عملة ذات وجهين: على الوجه الاول منها منهج “العلم للعلم”... اعلاءً للحقيقة وحدها. وعلى الوجه الآخر منهج “العلم للمجتمع”... اعلاءً للحق بعد الحقيقة. ثم مكنته قدراته وكفاياته العلمية والفكرية والشخصية من الجمع بينهما – بين “العلم للعلم” و”العلم للمجتمع” او بين الحق والحقيقة – في منظومة علمية وفكرية بغير تناقض او ادعاء مؤكدا ان العلم الحقيقي هو الذي ينفع الناس، فيوسع مداركهم ومعارفهم، ويرتقي بنوعية حياتهم، ويفتح امامهم ابواب تحريرهم وتقدمهم. وان العلم الذي تحتاجه امتنا هو ذلك العلم الذي يحدد اصول هويتها الحقيقية، ويعلي من شأنها، ويحميها من الاستلاب والضياع وهو العلم الذي يمكنها من اكتشاف العلل التي تعوق طريق تقدمها، ويرسم لها سبل تحقيق غاياتها، ويؤكد مستقبلها الوحدوي استناداً الى الحقائق العلمية وحدها التي تكشف عن مدى عمق وضرورات الحقائق التي يصنعها اتصال الارض والتاريخ واللغة والثقافة والمصلحة والامن المشترك بين شعوبها. وقد استمر عبد العزيز الدوري في عطائه الفكري والعلمي دون انقطاع حتى الاشهر الاخيرة قبل وفاته، وهو يكاد يتم العام الاول من عقده العاشر، وظل يضيف ويبدع خلال ذلك.اننا ازاء عالم كبير واصيل، يؤكد سجل علمه وفكره – فضلاً عن ملكاته الشخصية والاخلاقية – نيله الجائزة التقديرية للثقافة العربية من المنظمة العربية للتربية والتقانة والعلوم عام 2001 والتي نالها بكل اعتبارات الجدارة والاستحقاق. وكثيرون هم الذين منحوا جوائز التقدير بحق، فأضافت اليهم شرفاً ومكانة وقليلون هم الذين منحوا مثل هذه الجوائز، فاضافوا هم اليها شرفاً ومكانة. وبين هذه الفئة الاخيرة يقع بكل تأكيد عبد العزيز الدوري. انني اذ انعى واودع عبد العزيز الدوري، فان خسارتي الشخصية وخسارة مركز دراسات الوحدة العربية الذي كان الدوري ركناً من اركانه الفكرية كبيرة في فقدانه، فقد فقدت بغيابه اكثر من صديق، وهو من القليلين جداً بالنسبة لي الذين كنت استطيع ان افتح له صدري وقلبي، وقد عزّ علي انني لم استطع ان اراه طوال هذه السنة، رغم مرضه ورغم حرصي على رؤيته، لظروف قاهرة كانت تحول دون زيارتي للأردن. لقد مات عبد العزيز الدوري جسداً، ولكنه باقٍ معنا وبعدنا فكراً، وهذه هي عظمة امثاله من عمالقة المفكرين.
شبكة اخبار العراق
صناعة الابتكار: الفضول المعرفي
احمد زويل
أثناء زيارتى لجنوب شرق آسيا سألنى رئيس وزراء: «ما الذى نحتاجه للحصول على جائزة نوبل؟» فأجبته مباشرة: «استثمر فى الأبحاث الأساسية واستقطب أفضل العقول».
ويبدو أنه فى العصر الحديث يتراجع العقل الذى تقوده الرغبة فى المعرفة، أو الفضول العلمى، إذ يعتقد البعض أنه بوسعهم أن يحققوا التقدم من خلال التركيز على مجالات أبحاث بعينها، وكأن بوسعهم أن يتنبأوا بالمستقبل وبأهمية تلك المجالات فيه، وأعتقد أن أسلوب التفكير هذا بمثابة «سوء فهم» يؤثر على ماهية المعرفة ويؤذى تمويل الأبحاث.
وأسمع باستمرار، خاصة فى البلاد النامية، جملة «الأبحاث التطبيقية هى ما نحتاج»، وعلى الرغم من أنه من الجيد أن يكون لدى دولة ما برنامج للأبحاث والتطوير فى مجالات معينة لحل مشكلات تواجهها تلك الدولة أو لتحقيق تقدم لافت فى أحد المجالات مثل استكشاف الفضاء أو البحث عن الطاقة البديلة، إلا أننى أوضحت خلال زيارتى المتنوعة كمبعوث علمى للولايات المتحدة أنه بدون الالتزام بالاستثمار القوى فى التعليم العلمى مع وجود قاعدة علمية أساسية فإن الدول لن تتمكن من الحصول على المعرفة التى تمكنها من إنتاج الاختراعات والاكتشافات، التى تسهم بدورها فى تشكيل مستقبل الأمم.
وهناك العديد من الأمثلة على اختراقات علمية تحققت بسبب الأبحاث التى يُحركها الفضول، ففى عامى الأول كعضو فى هيئة التدريس فى جامعة «كالتك»، فى 1976، تناقشت أنا وريتشارد فينمان، العالم الشهير الحائز على جائزة نوبل فى الطبيعة، حول ورقة علمية نشرها قبل 20 عاما عن بصريات الكم «quantum optics »، وهذه الورقة العلمية فتحت أبواباً كثيرة فى عدة مجالات بما فيها إمكانية التأثير والتحكم فى التفاعل بين الليزر والمادة.
ووقتها قال فينمان لى إنه لم يكن يعرف التأثير الكبير لهذا البحث، وإن كل ما كان يشغله هو الفضول عن المفارقة فى التأثير الليزرى من جهة والمجال المغناطيسى من جهة أخرى على المادة نفسها، وأنه عندما انتهى من المعالجة النظرية وجد العلماء تطبيقات متعددة وكثيرة.
ولعل المثال الأكثر شيوعا هو ابتكار الليزر نفسه فى عام 1960، ففى الاحتفال باليوبيل الذهبى لهذا الابتكار اجتمع الحاصلون على جائزة نوبل، فى باريس، ومن بينهم تشارلز تاونز، قال العالم الكبير إنه كان يبحث فى طيف الموجات الطويلة (MICROWAVES )، وكيف يمكنه تكبير الأشعة الضوئية، وهنا ولدت فكرة الليزر وخرج الشعاع الضوئى لأول مرة.
والآن تعد صناعة الليزر سوقا عالمية بالمليارات حيث يستخدم فى مجالات عديد من بينها الطب والصناعة والزراعة والدفاع.
وفى الاحتفال نفسه الذى أقيم فى متحف اللوفر فى باريس، كان حديثى عن رحلة نوبل وما بعدها، وأخبرت الحضور بأن الفضول هو الذى قادنى إلى علم الفيمتو، وأن الفضول نفسه هو الذى مكننا من اختراع الميكروسكوب رباعى الأبعاد الذى يجعل من الممكن مشاهدة المادة بجميع أبعادها (الثلاثة) مع إضافة الزمن كبعد رابع.
وهناك العديد من الاختراعات والاكتشافات التى تم التوصل إليها بأساليب مشابهة، لعل أبرزها الخريطة الجينية للإنسان، كما أن هناك اكتشافات تم التوصل إليها من خلال الفضول العلمى حول نظرية الكم ودوران الإلكترونات، ومن بينها تصوير الرنين المغناطيسى (MRI ) الذى أصبح أساسيا فى التشخيص الطبى، كما أتى الترانزستور وثورة المعلومات الناتجة عنه من خلال الفضول حول كيفية تحرك الإلكترون فى أشباه الموصلات.
ولاشك أن ناتج تلك الاكتشافات فى التطور الصناعى والطبى وفى صناعات تكنولوجيا المعلومات تعد الآن العامود الفقرى للاقتصاد وللاتصالات الدولية، ويعد الفضول المعرفى المحرك الرئيسى الذى أدى للتطورات الفكرية والابتكارات.
كيف إذن يمكننا أن نشجع مثل هذا الشكل من الأبحاث المبنية على الفضول؟.. الأبحاث التى يحركها الفضول تحتاج مبدئيا إلى علماء مبدعين يعملون فى بيئة تشجع على التعاون بين الباحثين وتؤلف بين المجالات المختلفة، ولكن يجب ألا يتم تقييد هذا المناخ بالإدارة الرتيبة والجامدة، حيث إن العقول المبدعة لا تعمل جيدا مع البيروقراطية.
وبالتالى لابد أن نسأل: هل هناك معادلة معينة لإدارة صناعة الاكتشافات والاختراعات؟ وتكمن الإجابة فى الاقتناع بثلاثة مبادئ:
■ الأول، والأكثر أهمية، هو البشر أنفسهم، فمنح الأهمية الملائمة لتأسيس وتشجيع التعليم المُلهم فى العلم والتكنولوجيا والرياضيات والهندسة ضرورى، حيث يجب أن تستقطب مجالات الأبحاث أفضل العقول الشابة، فالمبانى الضخمة والتمويل الغزير لن ينتجا الكثير فى ظل عدم وجود الأشخاص المناسبين.
■ ثانيا: إن خلق مناخ من التبادل المعرفى يعد من أهم الأساسيات لبلورة الأفكار بشكل واضح، فإنهاك الباحثين فى البيروقراطية وكتابة عدد كبير ومكثف من التقارير فى الجامعة أو تحويلهم لإداريين متفرغين هو بمثابة بداية النهاية للتقدم.
وأصبح النظام الحالى فى إدارة الأبحاث معقدا ومتشابكا، وهو ما يبرز الحاجة لمراجعة نظام التمويل التقليدى، ليكون السؤال: كيف يتم اختيار وتمويل الباحثين المميزين؟ وما مستوى التمويل اللائق لتحقيق الفائدة للمجتمع؟
■ ثالثا: بدون الموارد فإنه لا يمكن تحقيق الكثير، فمهما كانت العقول مبدعة فإن التمويل ضرورى لتصنيع الأدوات اللازمة للابتكار ولتوظيف الأطقم المساعدة للباحث المبدع، فالدول والمؤسسات التى تقدم البنية التحتية الملائمة وتمول تنفيذ الأفكار الإبداعية ستكون موطنا للابتكارات، ولكن هذا البناء والتمويل يجب أن يأتى بعد الحصول على الباحثين الخلاقين، لا أن يكون الأساس هو إدارتهم للحصول على المال من جهة معينة أو إجبار الباحث على العمل من أجل «موضة» متداولة مثل ما يفعله الكثيرون تحت شعارات الـ«نانو تكنولوجى» والـ«بيو تكنولوجى».
ويوجد العديد من المسؤولين فى الدول النامية الذين يأملون فى الوصول إلى نفس مستوى وكم الابتكارات الموجود فى العالم المتقدم، وخلال سعيهم هذا يهملون المفتاح الرئيسى وهو التعليم المبنى على الفهم والطريقة العلمية ووضع قاعدة رئيسية واسعة للبحث عن الحقيقة، وللأسف فإن بعض الدول المتقدمة بدأت تقوم بالأمر نفسه، وعلى القادة السياسيين أن يعلموا أن الرغبة فى اكتشاف معارف جديدة هو ما يُنتج الاختراعات والاكتشافات، وأنه بدون تلك الرغبة وإلإرادة القومية فإن الشباب الواعدين لن يكونوا منجذبين للإبداع والاختراع وخدمة وطنهم.
لقد حالفنى الحظ، خلال الثلاثين عاما الأخيرة، بالعمل فى منظومة لها عقيدة فى تلك القيم، وعلى الرغم من ضغوط التغيير فإننى أتمنى أن تبقى جامعة «كالتك» على دربها، وهى كما وصفها زميلى ورئيس الجامعة السابق ديفيد بالتيمور «قرية للعلم».
فحفظ المعرفة أمر سهل، ونقلها أيضا أمر سهل، ولكن صناعة معرفة جديدة ليست بالسهل، وليست مربحة على المدى القصير، غير أن التاريخ أثبت للجميع أن المعرفة أساس النهضة والتقدم، كما أنها قوة تثرى أى مجتمع وتجعله قائما على المنطق والحقائق الأساسية
ترجمة خالد عبدالحليم......المصري اليوم
احتراق الشعراء
21-11-2010
لانقصد هنا الاحتراق بمفهومه الفيزيقي والمادي..ولكننا نقصد المفهوم المجازي للاحتراق..أي ما يكابده الشاعر من معاناة ووجع حين يكون بصدد إبداع شعره، وما يمر به من لحظات عسر وقلق ساعة الكتابة.. وقد اخترنا لفظة الاحتراق لأنها أنسب من غيرها في الدلالة على الحالة التي تنتاب الشاعر عندما يركبه شيطان الشعر ويسبح في ملكوت الإبداع.
نحن المتلقين يغيب عنا هذا الوجه من أوجه الإبداع ، لأنه يرتبط باللحظات الحميمة منه ، والتي لا نستطيع استكشافها من مجرد القراءة.. إنها الطقوس الخاصة التي تحيط بفعل الكتابة ولا تظهر فيها.. فنحن نتلقى القصيدة بعد خروجها من رحم الإبداع مكتملة ناضجة ، ونستمتع بها وبجمالياتها دون أن نفكر للحظة واحدة في مقدار العذاب الذي رافق ولادتها ، ولا في حجم المعاناة التي اكتوى الشاعر بلهيبها أثناء الإبداع.
إن الشاعر حين يقدم شعره إلى المتلقي ، يقدمه مجردا من تفاصيل هذه الحالة ومن ملابساتها.. والمتلقي بدوره يقرأ القصيدة دون أن يفكر في زمن الإبداع ، ولا في ألم الكتابة.. لا يهمه أن يعرف كم من الوقت استغـرق الشاعـر في إبداع قصيدته.. ولا يهمه ما عاناه من ألم واحتراق لكتابة تلك القصيدة.. إنه يقرأها بمعزل عن شروط ولادتها.. ولا ذنب له في ذلك.. لأن تلك الشروط مسكوت عنها وغير مصرح بها.. وفي ذلك بعض الحيف.. فكيف نضع القصائد كلها على قدم المساواة ، وفيها قصائد كـُتِبت بـيُـسْـر وسهولة ومعاناة أقل من قصائد أخرى لم تـَخرج إلى الوجود إلا بعد جهد ولأي وسهر واحتراق؟!
ليس من المنطقي أن نطالب الشاعر بأن يُرْفِق كل قصيدة بشهادة ميلادها ، أو بما واكبها من معاناة.. كما أنه ليس من الممكن وضع مقياس مضبوط لمعرفة درجة المعاناة النفسية التي أحاطت بإبداع كل قصيدة.. اللهم إلا إذا اعتبرنا الجودة في التعبير والتصوير مقياسا لذلك.. أي كلما كان التعبير موفقا والصور جيدة وبديعة وجديدة كان ذلك دليلا على شدة المعاناة ولوعة الاحتراق عند الإبداع.. غير أن الجودة – كما هو معروف – هي مسألة نسبية فقط.. فما يبدو لي جيدا ، قد يراه غيري عاديا.. والعكس صحيح.
لا سبيل إذن إلى معرفة ذلك إلا من خلال ما يجود بـه الشاعر أو أشدُّ الناس التصاقا به وملازمة له من أحاديث موازية تكشف هذه الحالات النفسية الغريبة الأطوار أحيانا ، والتي تقدم لنا الشاعر وهو متلبس بفعل الإبداع.. تقدمه لنا وهو في لحظة من أكثر اللحظات حميمية.
نجد في كتب الأدب والنقد حالات نادرة ًجدا لاعترافات الشعراء أو روايات معارفهم عن تلك اللحظات.. ولكنها ، على الرغم من ندرتها ، دالة ومعبرة ، وتكشف الوجه الخفي من الإبداع.. لن نستقصي كل تلك الحالات.. ولكننا سنكتفي هنا بعرض نماذج منها ، لنقف ، نحن المتلقين ، على بعض من الشـروط الصعبة والمريرة التي تحيط بعملية الإبداع.
نبدأ بهذه الحكاية الطريفة التي أوردها الدكتور عبدالله الغذامي عن امرئ القيس في كتابه “النقد الثقافي” ، قال: كان امرؤ القيس يردد شطر بيته المشهور(مِكـَرٍّ مِفـَرٍّ مُقبلٍ مدبرٍ معا)
ولم يتمكن من إتمامه ، وبات الليل كله يردد الشطر دون أن تنفتح عليه التكملة ، وسمعَـته جاريته وهو في أزمته الإبداعية تلك ، فتمكنت من إكمال البيت. غير أنها خشيت من سطوة سيدها فيما لو أحـرجَـته بإتمام البيت نيابة عنه ، وهو فِـعْـلٌ أدركت الجارية أن الشاعر الفحل لا يأخذه بسلام.. ولذا فقد احتالت الجارية لنفسها حيلة ؛ ولما ذهبت إلى المرعى في الغد تعمَّدتْ أن تـنشغل عن الغنم حتى جاءهن الذئب وهجم عليهن ، فجاءت الجارية راكضة إلى سيدها وهي تصرخ وتقول له: سيدي لقد جاء الذئب من الخلف مسرعا ومباغتا كجلمود صخر حطه السيل من عل ِ ، وهنا لقـنت سيدها تمام البيت دون أن تعرض نفسها للخطر.
ما يهمنا من هذه الحكاية ، على الرغم من أنها لم ترد في أي من المصادر المدوَّنة ، بل رواها المؤلف عن والده ، ويبدو أنها من التراث الشفهي ، ما يهمنا منها أن الشاعر مهما بلغ شأنه وعلا مقامُه بين الشعراء تعتريه أحيانا لحظات عسيرة لا يستطيع فيها إتمام ما بدأه إلا بعد جهد ومعاناة وسهر طويل ، وأن المعنى العميق والصور الجميلة المعبرة قد تستعصي عليه ، فلا تـُسْـلِـمُ له القياد إلا بعد أن يحـرق في سبيلها بعضا من ذاته.
أما الشاعر المفلق الفرزدق فقد شبه لحظات العسر تلك بأنها أشد إيلاما من خلع ضِرس من أضراسه..قال: تمر علي ساعة ، اقتلاع ضرس من أضراسي أهون علي من قول بيت واحد من الشعر.. أو كما قال..وكم في هذا التعبير من دقة في بيان شدة الآلام التي يحس بها الشاعر حين تنغلق دونه منافذ الإبداع ، ويُضطـَر إلى السهر في انتظار أن يسعفه الوحي بشئ من الإلهام يُخرج به المعنى المنحبس في داخله..
ويحدثنا ابن رشيق عما كان يقع لأبي تمام في حالة من تلك الحالات.. قال: كان أبو تمام يُكـره نفسه على العمل حتى يظهر ذلك في شعره. حكى ذلك عنه بعض أصحابه ، قال: استأذنت عليه – وكان لا يستتِر عني – فأذِن لي فدخلت فإذا هو في بيت مُصهْـرَج قد غـُسِـل بالماء ، يتقلب يمينا وشمالا، فقلت: لقد بلغ بك الحر مبلغا شديدا؟ قال: لا ، ولكن غيـرُه. ومكث كذلك ساعة ثم قام كأنما أُطلِق من عِقال ، فقال: الآن ورِِدْتُ ، ثم استمد وكتب شيئا لا أعرفه ، ثم قال: أتدري ما كنتُ فيه الآن؟ قلت: كلا ، قال: قول أبي نواس:
«كالـدَّهـْر فيه شـَراسَة ولِيانُ»
أردتُ معناه فشمَسَ عليَّ حتى أمكن الله منه فصنعتُ:
« شرستَ ، بل لِنتَ ، بل قانيْتَ ذاك بذا
فأنتَ لا شــك فيــه السهْـل والجـبـــل.»
نستنتج من هذه الحكاية فائدة مهمة ، وهي أن حالة انحباس الشعر يمكن علاجها ، أو على الأقل التخفيف من حدة آلامها بأخذ حمام قد يساعد على انطلاق القريحة وعودة الوحي والإلهام.. ولذلك نجد ابن رشيق يقول: سألت شيخا من شيوخ هذه الصنعة فقلت: ما يُعِينُ على الشعر؟ قال:” زهرة البستان ، وسماع الغناء ، وراحة الحمام.»
أما المتنبي فإنه يغالب صعوبة الإبداع ، إذا واجهته ، بالإنشاد وترجيعه.. فقد ذكِر عنه أن متشرفا تشرف عليه وهو يصنع قصيدته التي أولها:
«جَلـَلا ً كما بي فـلـْيَـكُ التبريحُ»
وهو يتغـنـَّى ويصنـَع ، فإذا توقــَّف بعض التوقـُّف رجَّع الإنشاد من أول القصيدة إلى حيث انتهى منها.
ولم يسلم أمير الشعراء من هذا الأمر كذلك.. وهو مَنْ هو انسيابية َشعر ، وسلاسة َقريحة ، وتدفقَ إنتاج.. قد يكتب القصيدة بيسر وسهولة.. وقد يكتبها على مراحل.. وقد يكتب أبياتا منها ويستعصي عليه بيت فيظل منشغلا به ، مهووسا بإتمامه ، فلا يأتيه الفرج إلا بعد أيام.. حكى كاتبه داود بركات عن تلك الحالة ، فقال: قال لي صديق له: لقد لازمتـُه في ليلة في مطعم (دي لابرومينات) على كوبر قصر النيل ، وكان ذلك قبل الحرب ، فشرع يعمل في قصيدة النيل ، وكان كلَّ نصف ساعة يركـَب مركبة خيل ، ويسير في الجزيرة بضعَ دقائق ، ثم يعود إلى المِنضَدة التي كان يجلس عليها ، فيكتب عشرة أبيات أو اثني عشر بيتا ، وهكذا حتى انتهت القصيدة في ليلة إلا بيتا استعصى عليه ، ولم يتمكن منه إلا بعد يومين..
إن للإبداع لذة..ولكنها لا تـُدرَك إلا بالتعب والعـرق والسهر والاحتراق.. ولكي يستمتع المتلقي بالنص يكون الشاعر قبل ذلك قد أشعل بخور الإبداع في ذاته ، وأحرق أعصابه وخلاياه قرابين وزلفى أمام محراب الوحي والإلهام قبل أن يقدم عُصارة روحه وخلاصة تجاربه للآخرين..
إن الشعر لا ينكتب بالقلم وحده ، ولكنه ينكتب بالألم أيضا..
المصطفى السهلي ...انفاس نت
اذا كنت واثقا انها ستمطر فلم لاتحمل مظلة ؟
بقلم محسن العبيدي الصفار
18-10-2010
عندما كنت صغيرا قرأت قصة عن قرية اصابها الجفاف وانقطعت عنها الامطار فقرر شيخ القرية دعوة الناس لاقامة صلاة الاستسقاء في البر عسى الله ان يرزقهم بغيوم ممطرة تذهب عنهم غمة الجفاف وما ان اجتمع الناس للصلاة حتى نظر اليهم الشيخ واخذ يصرخ عليهم ياعديمي الايمان انتم لاتستحقون الرحمة استغرب الموجودون وسأله احدهم عن سبب غضبه فقال الشيخ لو أنكم حقا تؤمنون بان دعواتكم ستستجاب وسيهطل المطر لجلبتم معكم مظلات تقيكم من المطر لدى عودتكم ولكنكم انتم انفسكم لاتؤمنون بجدوى صلواتكم فكيف سيستجيب الله لها ؟.
هذه القصة او الطرفة تذكرني بالمسؤولين في العراق الديموقراطي الجديد الذين يحمل كل منهم جواز دولة اخرى الى جانب جوازه العراقي فلو افترضنا ان اكتساب الجنسيات الاخرى كان ضرورة ملحة بسبب تواجد هؤلاء الاشخاص في خارج العراق لعشرات السنين واحتياجهم الى وثائق سفر وغير ذلك وكون السفارات العراقية في الخارج لم تكن تعطي اي وثائق لمعارضي الحكم فأن سقوط النظام العراقي ورجوعهم الى العراق واستلامهم للمناصب الرسمية بكل مستوياتها يجب ان يكون قد حل هذه الاشكالية ويكون مرفقا بالتخلي عن الجنسيات الاخرى المكتسبة والعودة الى الجنسية العراقية باعتبارها الخيار الوحيد لشخص يحمل منصبا رفيعا في اي دولة في العالم .
واعود الى القصة التي ذكرتها في بداية الحديث فلو أن السادة المسؤولين الجدد كان لديهم ايمان حقيقي بالعراق الذي يحكمونه وبأستقراره الامني والسياسي والاقتصادي والمستقبل المليئ بالورود وعن عودة كل العراقيين الى العراق وجذب الاستثمارات وغير ذلك من الدعايات المدفوعة الثمن على شاشات الفضائيات العراقية والعربية, فلم لايبادر هؤلاء السادة ويثبتوا لنا ثقتهم بما يقولون عبر تخليهم علنا ورسميا عن الجنسيات الاخرى التي يحملونها والتي تلزمهم بالولاء لتلك الدول فكل الدول الغربية تضع شرط الولاء وان يقسم مكتسب الجنسية بان يكون ولاءه لتلك الدولة وان يدافع عنها وعن مصالحها قبل ان تعطى له . فإذا قال السادة المسؤولين ان ولائهم للعراق وحده فيكونون اذا كذابين ومنافقين واقسموا كذبا في تلك البلدان واذا كان ولائهم لتلك الدول فمعناه انهم اجانب ولايحق لهم حكم العراق واذا كان ولائهم مزدوجا فمعناه انهم جواسيس ومكانهم السجن وليس الوزارات والسفارات .
كيف يعقل ان يكون سفير دولة يحمل جنسية الدولة التي عين فيها ؟ يعني مثلا سفير العراق في المانيا يحمل الجنسية الالمانية وسفير العراق في ايران يحمل الجنسية الايرانية علما بان اكثر من نصف سفراء العراق في العالم يحملون جنسية الدول التي يعملون فيها.
كيف يتفاوض وزير عراقي يحمل الجنسية الامريكية مع مسؤول امريكي ؟ ومصالح من يجب يأخذ بنظر الاعتبار ؟ فهو مواطن عراقي ومواطن امريكي في نفس الوقت ففي العراق هو وزير او سفير ومسؤول عن الناس بينما في امريكا هو مواطن عادي اي ان المسؤول الامريكي الجالس امامه يعتبر مسؤولا عنه وتلزم عليه اطاعة اوامره .
واذا كانت الدول الغربية واثقة جدا من نجاح تجربة العراق ( الديموقراطية ) فلم لم تبادر هي الى الغاء جنسيات هؤلاء المسؤولين المكتسبة بينما تطارد اللاجئين العراقيين العاديين المساكين وتهددهم بالغاء لجؤوهم واعادتهم للعراق على اساس انه صار جنة يحلم كل انسان بالعيش فيها ؟
واذا كان العراق امنا فلم لم يبادر هؤلاء المسؤولين الى جلب عوائلهم للعراق ؟ ومازالت عواصم اوروبا وامريكا مليئة بعوائل حكام العراق الجديد الذين يشترون بشهية مفتوحة العقارات والاملاك ( من مالهم الحلال طبعا ) , ام ان العراق اصبح طبقتين طبقة الاشراف وهم حملة الجوازات المزدوجة الذين يتمتعون بحق السفر والتجوال والدراسة لهم ولعوائلهم في اي مكان في العالم والعبيد ( من ولد الخايبة) الذين يحملون الجواز العراقي فقط الذي يؤهلهم لتلقي انواع الاهانة والذل خلال سفرهم واقامتهم في اي بلد خصوصا الدول العربية الشقيقة .
اريد ان ارى مسؤولا عراقيا رفيعا واحدا يعلن على الملأ انه قد اسقط جنسيته الثانية وانه لايحتفظ بها تحسبا لاضطراره الى الهرب والعودة مرة ثانية للعيش في تلك الدولة فهل سنرى ذلك ؟
المرابط الراصد
مهدي إيران المنتظر وتدمير الكيان الصهيوني
17-10-2010
في كلمته مساء الأربعاء 13 أكتوبر 2010 ووسط أقرانه الشيعة بجنوب لبنان طمأن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد الكيان الصهيوني، عند حديثه عن تحرير فلسطين، وذلك بإرجائه التحرير وتدمير الكيان الصهيوني لحين ظهور مهدي الشيعة المنتظر وأن “المهدي المنتظر سيأتي إلى (هنا) وبرفقته السيد المسيح” في إشارة لتدميرهما الكيان الصهيوني.
وكنت قد بينت من قبل عبر ثلاثة مقالات متتالية بصحيفة المصريون ومن خلال المصادر الشيعية الأصلية أن اعتقاد الشيعة في المسجد الأقصى أنه في السماء الرابعة وليس في فلسطين، ومن ثم فإنه لا توجد قضية عقدية في فلسطين يحارب الشيعة من أجلها الصهاينة، وأن الرهان على إيران في محاربة الصهاينة رهان خاسر.
لكن بأي حال ولفهم هذا «المهدي المنتظر» الذي يتشبث به نجاد وكافة أقرانه الفرس والشيعة، قمت بتحليل محتوى البرامج المتعلقة بالمهدي المنتظر عند الشيعة في التليفزيون الرسمي الإيراني، وتبين لي أن التليفزيون الإيراني يأتي بروايات أهل السنة ويسقطها على إمامهم الغائب، ليثبت من خلال كتب السنة وجود مهدي منتظر، وهذا لا خلاف فيه، لكنهم يدلسون ويقفزون فوق الرواية السنية حول طبيعة المهدي وفقاً للرؤية السنية، ويطرحون الروايات الشيعية المعنية بمهديهم المنتظر، فيقول أحدهم (تشبث بحديث الرسول الذي قال: سيظهر رجل من ولدي يواطئ اسمه اسمي، وحرّفه هؤلاء السادة بنو الحسن، حرّفوا هذا الحديث وأضافوا إليه واسم أبيه اسم أبي، ليطبقوه على محمد بن عبد الله).
ويبين التلفزيون الإيراني أن مهديهم المنتظر محمد بن الحسن العسكري ذلك الطفل المسردب في السرداب منذ 1200 سنة وعمره حينها خمس سنوات قد « أخفي حمله، أخفيت ولادته، وأخفيت نشأته الأولى في ظل -من أدعوا أنه- والده في الخمس سنين التي عاشها معه، إلا الخواص الخواص من شيعة الإمام، بحيث أن الآخرين يأسوا من أن يكون للإمام العسكري ولد، حتى أن أبيه عندما ذهب من الدنيا كان السلطان والناس يعتقدون بأنه لا ولد له. ويتشابه هذا الطفل (كما في الروايات الشيعية) في ولادته ولادة نبي الله موسى على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام».
ويضيف التليفزيون الرسمي الإيراني « أن الروايات الشيعية تدل على أن للإمام محمد بن الحسن العسكري فعاليات كثيرة، فهو الحافظ الأول لهذا الدين في عصر غيبته، وقد ورد عن هذا الإمام في الروايات أنه يشهد موسم الحج كل عام، ويرى الناس ويرى ما يحدث لهم، وأنه لطالما أنجى أناساً في الصحاري تاهوا وهم يسافرون إلى موسم الحج، إما من خلال شخصه، أو من خلال بعض العاملين بين يديه، فقد ورد في الروايات أنه يعيش في طيبة، وهو اسم آخر للمدينة المنورة، وورد أيضاً أن الإمام يغيث الملهوفين (وأنه تعرض عليه أعمال العباد شأنه شأن آبائه). إذن الإمام يقوم بكثير من الفعاليات في عصر الغيبة، غيبته ليست ابتعاداً عن مسرح الأحداث، غيبته لأن الناس (عموم الناس) لا يعرفون شخصه، من هنا يعيش بينهم ومعهم، وقد يحضر أسواقهم كما ورد في الروايات، إلا أننا لا نشخصه لأنه ليست لدينا صورة فوتوغرافية عن الإمام، ولم نكن قد شاهدناه من قبل فمن الطبيعي جداً أننا عندما نشاهده نشاهد شخصاً لا نعرف أنه هو الإمام، إذن هذه نقطة حساسة ومهمة وكأننا نحن الغائبون وليس هو، هو الحاضر وهو المشاهد، من هنا غيبة الإمام تختلف عن غيبة الشخص بالمعنى المتعارف للغيبة. والنقطة التربوية الهامة في حضور الإمام موسم الحج كل سنة، هي أن المأمومين بإمامة هذا الإمام إذا استحضروا هذا المعنى وهم في موسم الحج فسيختلف حالهم المعنوي، إذ يطوفون بطوافه، ويسعون بسعيه، ويقفون بوقوفه في عرفة، وفي مزدلفة، ويرجمون الجمرات برجمه، فتصعد أعمالهم مع أعماله إلى الله (سبحانه وتعالى)». هكذا قال التليفزيون الإيراني ولو كذبوا ذلك فسيجدون الفيديو في كافة المنابر الإعلامية.
أما عن زواج هذا الطفل والذي عمره 1200 سنة الآن ونسله فيقول التليفزيون الرسمي الإيراني «الحقيقة الروايات ساكتة عن هذا الأمر، ساكتة عن مسألة زواج الإمام، وساكتة عن ذريته، واسكتوا عما سكت عنه الله. لماذا نحن نفتش عن أمور لسنا مكلفين بالإيمان بها والاعتقاد بها، خصوصاً أنها سوف تجر أسئلة ولا تكون الأجوبة قطعية).
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن إذا كان هذا المهدي ووفقاً للتليفزيون الإيراني الرسمي يعيش بيننا ولكننا لا نراه، فبالتأكيد أن من يعتقد في ذلك من الشيعة واثق أن مهديهم مطلع عما يحدث بفلسطين المحتلة وشعبها المحاصر والمسجد الأقصى الحزين، فلماذا لا يهب هذا الطفل المتخفي لنصرة الأقصى والمسلمين حوله، وتدمير الكيان الصهيوني طالما أنه بنظرهم أنجى أناساً في الصحاري، وأنه يغيث الملهوفين؟ أما أن الأمر أجله الفرس لظهور السيد المسيح عليه السلام؟.
إنني لا أستطيع أن أقول بعد كل ما سبق إلا أن الكيان الفارسي يستخف بنا، ويتلاعب بقضية الأمة في فلسطين، فلن ينصر القضية إلا من يعظمون حرمات الله والصهاينة يدركون ذلك جيداً، وأن كل ما يقال عن مدمر الكيان الصهيوني هذا الطفل المسردب الحاضر الغائب الذي يدعون بالتعجيل بفرجه، هي خرافات مسلية لا سند لها، لو حكيت للأطفال في عمر الخمس سنوات قبل النوم لتسردبوا في اللحاف حتى الصباح.
الهيثم زعفان - المصريون
العراق: تجارة الجنس بين القواعد الأمريكية ودول الجوار / هيفاء زنكنة
11-10-2010
عرضت قناة الأي بي سي الأخبارية، في 5 تشرين الاول/اكتوبر، تقريرا بعنوان ‘المرأة العراقية في تجارة الجنس في سورية’. جاء فيه انتشار تجارة الجسد وبيع الفتيات العراقيات من سن العاشرة فما فوق في ملاهي دمشق لزبائن من دول الخليج. وظهرت لقطات في الفيديو (وهو متوفر على اليوتيوب) لفتيات، بالجملة، يرتدين بدلات الرقص الشرقي، يرقصن او يتمايلن باشكال مثيرة على ما يشبه المسرح او المنصة، بينما يراقبهن عدد من الرجال الجالسين او يقف بينهن من يقوم بانتقاء من يشاء لقضاء وطره. وتخبرنا الصحافية، صاحبة التقرير، من خلال عدد من المقابلات مع مسؤولات منظمات تتعامل مع المهجرين (عددهم يزيد على المليون في سورية لوحدها) بأن الفقر والبطالة وعدم توفر المعيل في البلد الذي تم فيه التهجير القسري (وينطبق الحال نفسه على بقية دول الجوار) يجبر المرأة (خاصة الارملة المعيلة للايتام) على ممارسة الدعارة لتوفير لقمة العيش لاسرتها او تزويج البنات في سن مبكرة للتخلص من مسؤوليتهن. وأكدت المتحدثات، تزايد اعداد الفتيات اللواتي يتم استغلالهن في هذه التجارة عبرالمقايضة والتهريب او الزواج الاسمي ومن ثم عرضهن للبيع في سوق نخاسة الجسد.
وهذه ليست المرة الأولى التي نشاهد فيها تقريرا كهذا، إذ سبقه العديد من التقارير المكتوبة والمرئية التي تطرقت إلى ذات الكارثة ومن قبل منظمات حقوق الإنسان وبعض المنظمات النسوية المستقلة الدولية والعراقية، حتى بات وجود المرأة العراقية المهجرة، بعيدا عن عائلتها ومجتمعها ومحيطها الطبيعي، مرتبطا بابشع الصور المهينة للكرامة وعزة النفس التي طالما اشتهرت بها عبر تاريخها وانجازاتها. فاختزل وجودها، في ظل <العراق الجديد>، وتحت صك الوعود بحقوق المرأة، الى عاهرة تستقطب الزبائن، كما كانت فتيات فيتنام الجنوبية اللواتي كن يعرضن اجسادهن للبيع على مسارح في نوادي تايلاند، وهن يرقصن مرتديات البيكيني لجذب الجنود الامريكيين العائدين من فيتنام، كما يذكرنا بريستون جونز، استاذ التاريخ في جامعة جون براون.
ولا يقتصر تحويل المرأة إلى بضاعة بين المهجرين في دول الجوار فحسب بل يتعداه الى داخل العراق المحتل، أيضا. بفضل ساسة الاحتلال من العراقيين الذين، والحق يقال، يتسترون بعباءاتهم الدينية وبدلاتهم العلمانية، على كل أنواع جرائم وانتهاكات الاحتلال والميليشيات وكل من هب ودب، بدءا من الاغتصاب وانتهاء بالدعارة. ويعمل معظمهم، بشكل خاص، على اسدال ستار كثيف من الصمت (متحججين بالحياء الديني والأعراف والعادات الاجتماعية) على انتشار الدعارة المرتبطة بوجود المحتل وقواعده العسكرية وحملات التهجير القسرية، الطائفية والعرقية، والنزاعات المختلقة حول <مناطق متنازع عليها>، فضلا عن الفساد الاخلاقي المستشري بين قوات الشرطة والامن والجيش وميليشيات الاحزاب بانواعها، ليلقوا اللوم، بالكامل، أما على <قوى الارهاب>، في حالة المتأسلمين الطائفيين منهم او تدهور الوضع الاقتصادي، في حالة العلمانيين. ويكفينا مثالا في <العراق الجديد>، باعتباره النموذج المراد تطبيقه في بقية الدول العربية، انه ما ان تتقدم امرأة الى احدى الدوائر الرسمية او مراكز الشرطة او الأمن للسؤال عن معتقل او مفقود (ارتفع عددهم من 375 ألف الى مليون منذ 2003 حتى 2007، حسب الصليب الاحمر الدولي)، حتى يكون الثمن الذي يجب ان تدفعه اما آلاف الدولارات او شرفها. حيث صار شرف المرأة سلعة لاجدال في شرعية استباحتها.
ومن الحقائق المعروفة والواضحة، تاريخيا وحاضرا، انه حيثما وجدت القواعد العسكرية الأمريكية ازدهرت الدعارة (وتشمل الأطفال من الجنسين) وبيع المخدرات بأنواعها وحلقات التهريب بأنواعها، وكلها مغلفة بالديمقراطية وتوفير « فرص العمل» لسكان البلد المضيف!
حيث تبين الدراسات والبحوث المجتمعية، عن القواعد العسكرية <غير الدائمة/ الدائمة> في كوريا واليابان والفليبين وتايلاند، ومن بينها <الدعارة العسكرية في العلاقات الامريكية الكورية> لكاثرين مون (جامعة كولومبيا 1997)، حصر العمل أو الانتاج حول هذه القواعد بـ>تسلية> الجنود الأمريكيين وخدمتهم في واجهات تؤسس في <البلد المضيف> لهذا الغرض كالبارات والمطاعم والمقاهي ومحال بيع الحرف اليدوية والتذكارات المحلية. وكما نعلم جميعا، ان العراق المحتل كبلد مضيف لم يبخل على <ضيوفه>، منذ عام 2003، بالمطاعم والمقاهي سواء في المنطقة الخضراء أو غيرها وكذلك اقامة اسواق <بيع> المنتجات المحلية من قبل النساء ضمن حدود القواعد العسكرية، فضلا عن العزائم الخاصة والولائم العامة التي طالما اقامها ساسة حكومات الاحتلال المتعاقبة للعسكريين والاداريين و>المستشارين> الامريكيين والتي تركت <اثرا عميقا> في نفوسهم ، كما صاروا يكتبون في مذكراتهم. وتزودنا كتابات جنود الاحتلال، خاصة في مدوناتهم على الانترنت وفي كتبهم، وكذلك تقارير بعض المنظمات الدولية والدراسات الاكاديمية، فضلا عن الصحافيين المستقلين، ببعض الحقائق المستورة اعلاميا خشية تشويه صورة القوات الامريكية باعتبارها قوات <تحرير> تحترم المجتمع وثقافته الدينية .
في هذه المصادر «ونحن بحاجة ماسة إلى البحث الجاد فيها»، نجد بعض الأجوبة على تساؤلات ملحة مثل: هل تسلي نساء البلد <المضيف>، جنود الاحتلال فعلا؟ هل هي ظاهرة حقا ام حالات استثنائية؟ ما هي السبل التي لجأ إليها ما يزيد عن 180 ألف جندي (قبل تخفيض العدد الى 50 ألفا) و160 ألفا من المرتزقة، لاشباع حاجاتهم الجنسية وهم الذين يخوضون حربا تجاوزت في مدتها الحرب الامريكية ضد فيتنام، أي الحرب التي حولت سايغون، عاصمة الحكومة الفيتنامية الجنوبية الموالية لامريكا، الى ماخور لجنود الاحتلال؟ ومن الذي يوفر لجنود القواعد العسكرية المنتشرة في العراق الفتيات ان لم يكن الصبيان لممارساتهم؟ هل حدث وقام ساسة <الحكومة المتنازع عليها> باي اجراء ازاء ذلك؟
ان الاجابة على هذه الاسئلة يقتضي مساحة كبيرة، لذلك سأوجز. كلا، ان <تسلية> جنود الاحتلال لم تصبح ظاهرة في داخل العراق، وان كانت هناك حالات وجدت، خاصة في بداية الاحتلال. وهو وضع مختلف عن فرنسا، اثناء الاحتلال النازي، مثلا. فقد تمكن المجتمع العراقي المتمسك بذخيرة قيمه التاريخية وثقافته الدينية وتماسكه، على الرغم من كل ما يشاع، في وضع حد لانتشار التعاون مع المحتل، بأي شكل من الاشكال وبضمنها صناعة الاستغلال الجنسي. أقول وضع حد للانتشار وليس القضاء كلية. وقد لعبت المقاومة المسلحة دورها في ذلك. فذخيرة المجتمع، مهما كانت كبيرة، قد تنفد يوما باستمرار شرعنة وجود المحتل وقواعده العسكرية وانتشار الفساد ونزاعات الميليشيات وغياب القانون واستغلال وكلاء <الدين> وزواج المتعة المشرعن للدعارة. كما يجب الانتباه الى دور المرتزقة او المتعاقدين الأمنيين في انتشار الدعارة، وكما نعلم فان اعدادهم في تزايد طردي مع تخفيض اعداد القوات العسكرية، مما يعني ان صفقاتهم السرية ستبقى مهيمنة طوال فترة وجودهم ولسنوات طويلة مقبلة.
ففي مقال بعنوان <الدعارة العسكرية واحتلال العراق>، المنشور في 11 تموز/يوليو، 2007 على موقع <كاونتر بانش> المعروف، تتابع الباحثة الامريكية ديبرا ماكنات، دور المتعاقدين الأمنيين في توفير العاهرات لقوات الاحتلال من خلال اتصالاتهم الخاصة اما ببعض المترجمين او متعاقدين آخرين. ويتباهى المتعاقدون الأمنيون بقدرتهم، في بعض الأحيان، على جلب النساء العراقيات أو الاجنبيات (ايرانيات وفيليبينيات ومن بلدان اوروبا الشرقية) في بغداد أو حول القواعد العسكرية الامريكية او من اماكن اخرى. ولعل ما يميز المتعاقدين الامنيين عن قوات الاحتلال، في هذا المجال، كونهم يتقاضون أجورا عالية ولايخضعون للمساءلة. اذ يحظر الجيش الامريكي (ولو علنيا) على الجنود الاتصال بالعاهرات.
ويتم احيانا جلب العاهرات بواسطة شركات متعاقدة لجلب الايدي العاملة. حيث وثق الصحافي دافيد فيني كيفية قيام شركة كويتية متعاقدة لاستيراد العمال لبناء مجمع السفارة الامريكية في المنطقة الخضراء، ببغداد، بجلب النساء ايضا الى مواقع البناء.
ويذكر الجندي باتريك لاكيت، بانه في عام 2005، في العراق: <بدولار واحد تستطيع الحصول على عاهرة لمدة ساعة>. وقد تم فتح عدد من بيوت الدعارة في المنطقة الخضراء تحت مسميات ملجأ للنساء، صالون تصفيف الشعر، أو مطعم. الا انها اغلقت بعد ورود تقارير عن وجودها إلى وسائل الإعلام (تذكروا بأن المنطقة الخضراء تضم مكاتب وبيوت مسؤولي <الحكومة> العراقية والبرلمان أيضا). كما يتم جلب النساء الى القواعد العسكرية كمترجمات ومنظفات وطباخات الا ان الامر اصبح خطرا مع تزايد العمليات ضد القوات الامريكية. ولم يعد بامكانهم التحرك، كالسابق، خارج القواعد العسكرية والمنطقة الخضراء. وأدى الهجوم على الشاحنات الناقلة لمثل هذه النسوة الى التقليل من هذه الظاهرة، مما جعل المقاولون ينصحون قوات الاحتلال بالتوجه الى المنطقة الكردية الاكثر أمنا لـ> الراحة والتسلية>، أو الى حانات وفنادق دبي، وبقية دول الإمارات العربية المتحدة. بينما توجب على شبكات الدعارة في العراق البحث عن طرق سرية جديدة لتغلف بها ممارساتها اللااخلاقية البشعة. وقد تحدث احد المتعاقدين العاملين في المنطقة الخضراء في شباط/فبراير 2007 الى ان الامر اقتضاه اربعة شهور ليقيم اتصالاته الخاصة مع شخص يحمل <مواصفات امنية> ويزودهم بجميلات عراقيات.
ان هذه المعلومات تشكل لمحة بسيطة في كيفية تستر حكومات الاحتلال على جرائم الاحتلال وتعاونهم، سلبا او ايجابا، في استهداف كرامة المرأة وعزة نفسها وشرفها وبالتالي مكانتها وقيمتها المجتمعية. لاعذر اطلاقا لمن يدعي السذاجة. وليس هناك، حسب علمي، من يدعي الأمية بين ساسة الاحتلال، بل ان كل واحد منهم، ذكرا كان ام انثى، بات فقيها لغويا ومرجعا علميا وقانونيا في كل المواد والموضوعات. ان الجريمة اكبر من ان تغطى بذريعة الجهل. انه استهداف منهجي لانسانية المرأة وكينونتها الفردية والمجتمعية. انه استهداف لانسانية الرجل وكرامته ومستقبل أطفالنا. وهي جريمة تمس عمق المجتمع وعلينا جميعا مسؤولية ايجاد الحلول لها بكل الطرق الممكنة، وأولها التخلص من الاحتلال وقواعده. وكان القس الأمريكي الأسود مارتن لوثر كنغ، قبل عام من اغتياله،، قد أدرك جسامتها حين تحدث عن الوضع في فيتنام واصفا اياه «حيث اضطر الأطفال إلى بيع أخواتهم لجنودنا. لقد أفسدنا نساءهم وأطفالهم» وختم حديثه بصوته المتهدج غضبا، الذي لايزال يثير القشعريرة في البدن عند سماعه، قائلا: «يا لنا من محررين»!
المصدر: القدس العربي
جيش الظل.. فضيحة أمريكية جديدة
05-10-2010
ما هو جيش الظل السري في أفغانستان وباكستان؟ وما الدور الذي تلعبه وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في تشكيله ودعمه ومكافئته؟ تساؤلات يقدم الإجابة عليها الكاتب الصحافي والمحلل السياسي الأمريكي “إريك مارجوليس” من خلال مقاله الذي نشرته مؤخرًا صحيفة “هيفنجتون بوست” بعنوان: جيش الظل الجديد لوكالة الاستخبارات المركزية.
ونعرض فيما يلي نص المقال وجاء فيه:
أصدر صحافي التحقيقات في فضيحة ووترجيت»بوب وودوارد» كتابًا جديدًا بعنوان «حروب أوباما» يقدم فيه استبصارات ثاقبة جديدة ف الصراع الدائر في البيت الأبيض حول سياسة حرب أفغانستان.
أما الكشف الأكثر إثارة في كتاب وودوارد هو إعلانه أن: وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «سي آي إيه» تتولى تشغيل قوة مرتزقة مؤلفة من 3000 أفغانيًا تنحصر مهمتهم في تنفيذ اغتيالات في صفوف مقاتلي حركة طالبان وتنظيم القاعدة.
والقوة القناصة التي وصفها وودوارد كانت قد تشكلت للعمل داخل باكستان؛ التي من الناحية رسمية من غير المسموح للقوات الأمريكية بالدخول إليها. وتتألف القوة المرتزقة في معظمها من الطاجيك، والأوزبك، والهزارة الأفغان- وهم جميع الأعداء التقليديين للأغلبية الباشتون- بالإضافة إلى مجموعة من المارقين، والمجرمين، والمرتزقة.
وأحيانًا ما يجري تنسيق هجماتهم على المناطق القبلية الأفغانية مع غارات مكثفة لطائرات بلا طيار تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية على رجال القبائل الباكستانيين والتي تتسبب في خسائر جسيمة في صفوف المدنيين.
وتدير وكالة الاستخبارات المركزية أيضًا ميليشياتها السرية في جنوب أفغانستان وكذلك- بحسب التقارير- في كلٍ من طاجيكستان وأوزبكستان.
وقد تلقينا بالفعل تقارير عن غارة أمريكية كبرى وعملية على الأرض للقوات الخاصة في داخل باكستان؛ كانت تستهدف «شبكة حقاني»- وهي فصيل رئيسي بحركة طالبان- وقد كان حقاني حليفًا وثيقًا للولايات المتحدة خلال حقبة الثمانينات.
ومن غير المعلوم مدى التنسيق – إن وُجد- بين وحدات القتل التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية وقوات العمليات الخاصة الأمريكية الموكلة بتنفيذ عمليات اغتيال مماثلة.
وتعتمد حملة الاغتيالات التابعة لـ «سي آي إيه» في أفغانستان وباكستان على الحملة الناجحة التي نفذتها الوكالة من قبل في العراق والتي كانت قد قوضت جماعات المقاومة العراقية.
وهؤلاء القتلة المحترفون المأجورون تتم مكافئتهم بسخاء بالمعايير المحلية كما يرفعون من تعداد الخسائر في الأرواح لدى الأعداء. كما أنه ليس للحكومة الأفغانية، المُعينة من قبل الولايات المتحدة، في كابول أو الحكومة الباكستانية أي سلطان على هذه القوات شبه العسكرية.
فالجرائم، والفظائع، وحوادث القتل الخطأ التي يرتكبها مرتزقة وكالة الاستخبارات الأمريكية تمر دون الإبلاغ عنها ودون عقاب. فهم يمثلون قانونًا في أنفسهم دون صلات واضحة تربطهم بالقيادة العسكرية الأمريكية في أفغانستان. بالإضافة إلى أن جماعات مختلفة أخرى من المرتزقة الأمريكيين والقتلة المأجورين من «المتعاقدين» الأجانب التابعين للشركات الخاصة مثل «بلاكووتر» السابقة يعملون أيضًا في أفغانستان وباكستان، فضلاً عن العراق.
والمحصلة صراع خطير ُومربك بين مسلحين مأجورين، وقوات أمريكية خاصة، وميليشيات، وقوات حكومية؛ وهو ما يمثل نموذج أفغاني/ باكستاني لمدينة «دودج سيتي» الأمريكية الجامحة.
وينبغي ألا يندهش أحد من الأنباء التي تفيد بأن المرتزقة الذين تقودهم الولايات المتحدة يعبرون الحدود إلى باكستان ويقتلون رجال القبائل الباكستانية من الباشتون وكذلك من طالبان بل وحتى العضو المنتمي عرضًا إلى القاعدة. وكاتب السطور قد تلقى تقارير عن هذه القوة القناصة لسنوات. فهي سر معلوم في إسلام أباد وفي كابول.
وتغض حكومة باكستان الطرف، أو حتى تؤيد بهدوء القوات التي تقودها الولايات المتحدة والتي تنتهك سيادتها وتغتال مواطنيها. وتسمح إسلام أباد كذلك للطائرات الأمريكية بدون طيار لشن هجمات قاتلة عبر المناطق القبلية بشمال غربي باكستان دون حصولها على أي موافقة مسبقة (من الحكومة الباكستانية).
وفي الواقع، للولايات المتحدة سجل طويل في الاعتماد على المرتزقة في حروبها. ففي أثناء حرب فيتنام، شكلت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية قوات مرتزقة من قبائل الهمونج والمياو (عملية هوتفوت) وعرق النانج الصيني لتعقب وقتل ثوار (فيت كونج).
فقد شكلوا جزءًا من عملية وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية المسماة بـ «عملية فونيكس» سيئة السمعة؛ والتي قيل أنها اغتالت نحو 26.000 من الثوار الشيوعيين والمناصرين لهم. ثم مضى المدير المسئول عن هذه العملية «وليام كولبي» ليصبح فيما بعد مديرًا لـ «سي آي إيه».
وتم استخدام مرتزقة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية أيضًا خلال حقبة الثمانينات أثناء الصراع المرير في نيكاراجوا والسلفادور بين اليمينيين والمتمردين الماركسيين. وقد كانت فرق الموت الشرسة في السلفادور ذات فاعلية كبيرة في تصفية اليساريين، وهو ما رأيته أثناء قيامي بتغطية هذه الصراعات.
و قد نُقل نموذج فرق الموت في السلفادور إلى العراق؛ حيث تم استخدام المرتزقة والمجرمين والمارقين في تصفية جماعات المقاومة السنية.
وقد استخدم السوفييت كذلك تكتيكات مماثلة خلال فترة احتلالهم لأفغانستان من عام 1979– 1989. حيث أُرسلت عصابات من مرتزقة أوزبك عتاة يُعرفون بـ «جوزجاني» Jowzjani من أجل ذبح عناصر الباشتون المقاومة للاحتلال السوفيتي. كما نشرت موسكو عصابات أخرى من المقاتلين الطاجيك والأوزبك بهدف إثارة فتنة عرقية.
ويتزايد القلق في الولايات المتحدة بشأن الدور شبه العسكري سريع التصاعد الذي تقوم به وكالة الاستخبارات المركزية في أفغانستان والعراق-- والذي يتم حاليًا ضم اليمن، والصومال، والسودان، وكينيا، وأوغندا، وغرب إفريقيا إليه.
وحذر العديد من خبراء الاستخبارات أن الدور الرئيسي لوكالة الاستخبارات المركزية في تقديم معلومات استخبارية موضوعية غير منحازة إلى رئيس البلاد يقوضه حاليًا مهامها القتالية المتنامية. فطالما انخرط مساعدوك و»مواردك» في عمليات اغتيال وقتال، فمن الصعب للغاية أن تظل موضوعيًا، ومستقلاً، ومحايدًا. وسريعًا ما يبدأ الانحياز المؤسسي.
ووزارة الخارجية الأمريكية تتخذ أيضًا دورًا شبه عسكري في العراق، وهو ما يهدد بحالة مماثلة من التباس الأحكام. ويجدر الإشارة هنا إلى أن استخبارات وزارة الخارجية كانت هي الوكالة الأمريكية الوحيدة التي تجاسرت وعارضت حرب بوش غير المبررة على العراق.
والجيش الأمريكي مستاء للغاية من الدور شبه العسكري الذي تلعبه وكالة الاستخبارات المركزية؛ واتهم أفراد الوكالة بأنهم «رعاة بقر»، وأنهم»محاربون نظريًا». كما أن بعض موظفي «سي آي إيه» المخضرمين مستاءين أيضًا، ويرون أن عملهم يقوم على التفكير العميق وليس تنفيذ عمليات قتل.
إلا أن الأموال لا تزال تتدفق على محاربي «سي آي إيه». وإدارة المسلحين المرتزقة في باكستان هو المهمة الجديدة والمثيرة للوكالة. وهي بالتأكيد أكثر جاذبية من كتابة التقارير الاستخبارية.
مفاعلات مذهبية
غسان شربل
26-09-2010
كلما سمعت مسؤولاً عربياً يحذر من محاولات افتعال فتنة أشعر بالخوف. ينتابني احساس أن الفتنة آتية لا ريب فيها. وكلما سمعت مسؤولاً يراهن على وعي المواطنين لقطع الطريق على الفتنة أشعر أن طريقها مفتوحة. وكلما سمعت عن المحاولات اليائسة لإشعال الفتنة يساورني اعتقاد انها ستشتعل قريباً. وكلما احتفل مسؤول بإغلاق النوافذ التي تحاول الفتنة التسلل منها أحس أن الأبواب مفتوحة لها على مصراعيها.
كلما سمعت مسؤولاً يغرد مشيداً بالوحدة الوطنية أضع يدي على قلبي. وحين أسمعه يؤكد أن مؤامرات الأعداء ستتحطم على صخرة الوحدة الوطنية تراودني رغبة في البكاء. وكلما قال إن وحدتنا الوطنية هي الضمانة في وجه العدو أشعر أننا عراة بلا أي ضمانة. وكلما سمعت مسؤولاً يجزم بأن الوحدة الوطنية تشكل سداً منيعاً في وجه الأعداء أفكر في السدود المثقوبة وما تنجبه من كوارث وفي أعراض نقص المناعة الوطنية. وكلما سمعت مسؤولاً يشهر في وجه الأعداء سيف التلاحم الوطني يخالجني شعور أن لحم المواطنين لن يتأخر في التطاير.
كلما سمعت مسؤولاً يتحدث عن التسامح أضع يدي على قلبي. ويشتد خوفي حين يسترسل في الحديث عن الثروة الكبرى التي يشكلها تنوع الانتماءات والمذاهب. وتراودني رغبة في الفرار كلما بالغ في حديث التفهم والتفاهم بين مواطنين تختلف مرجعياتهم وقراءاتهم لتاريخهم أو تواريخهم. ويحدث أن يتصف المسؤول بالمبالغة. وأن يتحدث كأنه مواطن اسوجي. وأن يحاضر عن تجذر قناعة قبول الآخر في مجتمعاتنا. وعن الحوار الذي يغني. وعن التساكن في ظل الدستور والقانون. وخيار الاحتكام الى المؤسسات. والابتعاد عن العصبيات المقيتة.
أشعر بخوف شديد حين يتجاهل مسؤول الدم المراق ويحمل الخارج مسؤولية كل ما يجري في بلاده متناسياً أن إنجازات النسف والخطف والقتل انما تمت بأيد وطنية ناصعة. وأن المجموعات التي حشرها القدر تحت العلم الوطني تعشق بعضها بعضاً مُخفياً حقيقة امتلاكها أناشيد خاصة متناقضة ورغبة عارمة في القهر إذا سنحت الفرصة أو في الطلاق إذا تعذرت.
أحب التلاحم الوطني لكنني أسأل هل صحيح أن ما نقرأه في الكتب وما نسمعه في المنازل وما نتابعه في أزقة الانترنت وعلى شاشات الفضائيات يعزز التلاحم الوطني أم يعد بتطاير لحم المواطنين؟ هل التسامح ركيزة جوهرية في ثقافتنا وهل نتقبل فعلاً هذا المختلف المقيم في المبنى نفسه أو في الحي المجاور أم أننا نريد البناية نظيفة والمدينة ناصعة ومتشابهة؟ وهل شرطنا لقبول الآخر أن يتنازل عن ملامحه التي لا تطابق ملامحنا وهل هذا شرطه أيضاً؟
أسئلة بسيطة تطرح نفسها. هل تنبهنا باكراً الى المفاعلات المذهبية التي انطلقت في العراق بعد إسقاط صدام حسين وإعدامه وما راحت تبثه من إشعاعات في عروق المنطقة؟ وهل تنبهنا الى المفاعلات اللبنانية القديمة واستخلصنا العبر اللازمة؟ وماذا عن المفاعلات اللبنانية الجديدة التي تهدد بالانطلاق في العمل بأقصى طاقتها؟
أسئلة بسيطة ومؤلمة في آن. لماذا سيتمكن الشيعي والسني من التعايش في هذا المكان أو ذاك إذا تعذر عليهما التعايش في بلد متعدد أصلاً مثل لبنان وفي مدينة مختلطة الألوان أصلاً مثل بيروت؟ ما سمعناه عن بيروت في اليومين الماضيين يشير الى أن ورشة تخصيب المشاعر المذهبية ناشطة وتنذر بتزويد المفاعلات المذهبية بكميات تتجاوز الحاجة المحلية وتصلح للتصدير. أكتب هذا وأنا اقرأ خبر حظر التجمعات في الكويت للجم تصاعد اللغة المذهبية. أكتب وأنا أفكر في ما تعيشه البحرين منذ فترة غير قليلة. أكتب وأنا أتابع تطاير اللحم العراقي أمس مترافقاً مع تأكيد السياسيين أن البحث عن الحكومة يتم على قاعدة التلاحم الوطني والشراكة الوطنية. أكتب وأنا أتابع يقظة النعرات المذهبية في الحملات المتبادلة في لبنان.
أنا عربي لم يعلمه النوم في عواصم المنطقة غير الخوف الشديد. أشعر أن الوحدة الوطنية تتصدع في أكثر من مكان. أن المؤسسات الحامية والضامنة والراعية فكرة لا تزال غريبة. لا ضمانات فعلية في مواجهة رياح التطرف والقهر والرغبة في شطب الآخر. على القادرين أن يتحركوا سريعاً إذ لا قدرة للعرب على احتمال إشعاعات مفاعلات بيروت مع استمرار مفاعلات بغداد في العمل. إن تكاثر البؤر الساخنة وتزايد المفاعلات المذهبية الناشطة ينذران بسلسلة من النكبات.
الحياة
ماذا يدور داخل القمم السياسية المغلقة؟
23-09-2010
في إحدى زياراتي المنتظمة إلى باريس هذه المدينة الساحرة التي عشقتها منذ أيام بعثتي العلمية في فرنسا (1964-1967) تجولت في مكتبات الحي اللاتيني الشهيرة لكي أتابع أحدث المؤلفات الفرنسية في الفلسفة والاجتماع وعلم النفس والتاريخ، والتي لا تتوقف آلة الإبداع الفرنسي المبهرة عن إنتاجها طوال العام.
ولفت نظري كتاب جديد لمفكر فرنسي معروف يدور حول مؤلفاته الجدل دائماً وهو جاك أتالي، وعنوان الكتاب المثير «ڤيرباتيم» Verbatim أي طبق الأصل! هذا المفكر حقوقي الثقافة وهو يعمل مستشاراً في مجلس الدولة. ولكنه – على النمط الفرنسي المتميز – مثقف موسوعي، ليس ذلك فقط بل إنه ألف كتباً بالغة العمق في ميادين علمية شتى. وقد تابعت مؤلفاته منذ أن نشر عام 1973 كتاباً مهماً عنوانه «تحليل اقتصادي للحياة السياسية». ولفت نظري كتاب آخر عنوانه «العالم الثالث» صدر عام 1981، غير أنه كتب في موضوع بالغ التخصص هو «تواريخ الأزمان» الذي صدر عام 1982.
وهذا الكتاب بالذات أثار جدلاً شديداً لأن عدداً من المعلقين والكتاب المعنيين بمراجعة الكتب الجديدة اتهموه صراحة أنه في هذا الكتاب سطا على عديد من أفكار مؤلفين آخرين من دون ذكر المصدر كما تنص أصول التأليف. بل إنه – كما قال بعضهم- اقتبس بالنص عبارات كاملة لعدد من المؤلفين متجاهلاً ذكرهم.
وبحكم اهتمامي الأكاديمي القديم بالبحوث المستقبلية قرأت الكتاب باهتمام شديد، غير أنني فوجئت بأن بعض الأفكار الأساسية التي ساقها أتالي في الكتاب باعتبارها أفكاره الخاصة صدى لأفكار سبق لي أن قرأتها لمؤلف آخر هو رينيه جيرار الناقد الفرنسي المقيم في الولايات المتحدة.
ومعرفتي بأفكار جيرار لها قصة تستحق أن تروى، حيث كنت في بعثتي العلمية التي أمضيت فيها عامين في مدينة ديجون أقرأ كتاباً للناقد المجري الشهير جورج لوكاش عن «نظرية الرواية» الذي صدر عام 1914 ولم يترجم إلى الفرنسية إلا في الستينات.
كتب مقدمة الترجمة الناقد الفرنسي لوسيان غولدمان والذي قدر فيها أنه وجد تشابهاً بين أفكار جورج لوكاش وأفكار رينيه جيرار في كتاب صدر له ولفت إليه الأنظار بنظريته المبتكرة وعنوانه «الكذب الرومانتيكي والحقيقة الروائية».
ويذكر لوسيان غولدمان أنه سأل جيرار شخصياً عن مدى تأثره بنظرية جورج لوكاش، فأكد له أنه لم يقرأ كتابه من قبل، وخصوصاً أنه ظل حبيس اللغة الألمانية ردحاً طويلاً من الزمان.
هذه الإشارة جعلتني أقرأ كتاب رينيه جيرار، وكنت وقتها مهتماً بعلم الاجتماع الأدبي الذي ألفت بصدده كتابي «التحليل الاجتماعي للأدب»، الذي صدر لي في القاهرة عام 1970. واكتشفت أن رينيه جيرار أبدع نظرية جديدة لفهم الرواية والإنسان معاً هي نظرية الرغبة المثلثة. وخلاصتها أن الرغبة الإنسانية عادة ما تستعار من الآخر، ويمكن تمثيلها بمثلث له رؤوس ثلاثة تتكون من الذات (الإنسان الراغب) والموضوع (الشيء المطلوب) والوسيط (الآخر الذي يملي على الإنسان الرغبة). بعبارة أخرى ليست الرغبات الإنسانية أصيلة لأنها عادة ما تكون تقليداً للآخرين.
هذه النظرية المبتكرة التي أصبحت بعد ذلك من أشهر النظريات المعاصرة في العلم الاجتماعي، وأصبحت لها تطبيقات مهمة في علم الاقتصاد والسياسة، نسبها جاك أتالي الى نفسه في كتاب «خطوط الأفق» الذي أشرنا إليه، أو بعبارة أدق ذكر عناصرها الأساسية لتحليل عدد من المواقف باعتبارها من بنات أفكاره!
عند ذلك تأكدت من الاتهام القديم الذي وجه الى جاك أتالي بأنه في كتابه «تاريخ الإنسان» سرق أفكاراً متعددة من مفكرين آخرين من دون أن يذكرهم باعتبارهم مراجع له بكلمة واحدة!
ها قد طالت مقدمة المقال ولم أدخل بعد في الموضوع! الموضوع هو ما الذي يدور بين رئيسي دولتين حين ينفردان ببعضهما في محادثات سياسية، وليس هناك من تسجيل لما دار في اللقاء؟
كثيراً ما دار في ذهني هذا السؤال حين أقرأ في الصحف مثلاً أن الرئيس ساركوزي قابل رئيس الوزراء بوتين على انفراد. كنت أسأل نفسي ما هي طبيعة هذه الحوارات غير العلنية وغير المنشورة؟ هل تتسم بالصراحة المطلقة بعيداً من التقاليد الدبلوماسية المعروفة؟ وهل تكشف عن المواقف السياسية الفعلية لرؤساء الدول بعيداً من الصياغات المراوغة في التصريحات الرسمية؟
ما هي أهمية يومياته؟ تعود أهميتها إلى أنه كان مستشاراً لفرانسوا ميتران رئيس الجمهورية الفرنسية الأسبق، ليس ذلك فقط بل كان هو الذي يعرض عليه التقارير ويوافيه بالمستجدات، ويقدم له انطباعاته عن المواقف الدولية المختلفة، بل إنه – أكثر من ذلك – كان هو الوحيد الذي سمح له ميتران أن يحضر كل لقاءاته المنفردة مع رؤساء وزعماء الدول. وقد سجل جاك أتالي نصوص المحادثات التي دارت في هذه اللقاءات. وهذه النصوص تتيح لنا كمحللين سياسيين أن نطلع لأول مرة على ما يدور في الغرف المغلقة بين الرؤساء والزعماء السياسيين.
كنت قد قرأت كتاب جاك أتالي منذ سنوات وتمتعت بمعرفة كيف يدور الحوار السياسي الصريح بين الرؤساء، غير أنني تذكرته فوراً حين نشر الصحافي الفرنسي فينسان جوفير Vincent Jauver في المجلة الفرنسية «لونوفيل أوبزرفاتير» (19 آب /أغسطس 2010) وثيقة بالغة الأهمية عن الوثائق السرية للبيت الأبيض أفرج عنها مؤخراً، وتتضمن المكالمات السرية التي دارت بين الرئيس ميتران والرئيس جورج بوش الأب أثناء حرب الخليج بعد الغزو الذي قام به الرئيس السابق صدام حسين للكويت. والنصوص المنشورة تلقي الأضواء على طبيعة واتجاهات المواقف الأميركية والفرنسية إزاء الغزو العراقي للكويت وكيفية مواجهة الموقف.
ومن الطريف ومن باب المفارقة أن جاك أتالي أورد في كتابه «ڤيرباتيم» الذي أشرنا إليه نص مكالمات هاتفية سبق للرئيس ميتران أن تبادلها مع الرئيس الراحل رونالد ريغان في 18 تشرين الأول (أكتوبر) 1981.
ان تقاليد الإفراج عن الوثائق الرسمية بعد حين من الدهر من ناحية، وما نشره جاك أتالي باعتباره كان مستشاراً للرئيس ميتران، تتيح للباحثين أن يحللوا وأن يتأملوا منطلق الخطاب السياسي غير العلني الذي مهد في الواقع لعديد من القرارات الدولية المهمة التي حددت مصائر دول وشعوب!
السيد يسين:الحياة
السيادة في العراق
في كتابة (سنة أمضيتها في العراق) حسم بول بريمر اي حديث عن ما أسماه البعض بـ(الحصول على السيادة) منذ بداية الغزو الاميركي في ربيع عام 2003، حتى اخر ساعة امضاها بول بريمر في العراق، قبل هروبه من المنطقة الخضراء يوم (28/6/2003)، قبل يومين من الموعد النهائي الذي تم تحديده في الثلاثين من يونيو من ذلك العام، اذ ان بريمر كان يعيش حالة من الخوف والهلع، فالمنطقة الخضراء، التي حاولوا تحصينها لم تسلم من قصف شبه يومي بالصواريخ، حيث واصلت المقاومة العراقية استهداف السفارتين الاميركية والبريطانية، ولم يعطوا فرصة لبريمر وزمرته للراحة، فالصواريخ تتساقط في ساعات الصباح وعند أذان الفجر، ومع غروب الشمس وبعد منتصف الليل، وعبر عن حجم الهلع والخوف الذي عشعش في داخل بول بريمر في تصريح مقتضب لاحدى الفضائيات الاميركية قبل اسبوعين من مغادرته العراق، فقد توجهت القناة الامريكية بسؤال لبول بريمر عن اول عمل سيقوم به عند وصوله الى الولايات المتحدة عائدا من العراق، وربما تصور الكثيرون انه سيحتفل امام قادة البيت الابيض والبنتاجون، واعتقد اخرون، انه سيلقي محاضرات عن ايامه التي قضاها في العراق، وربما يعلن عن برامج ترفيهية وزيارات الى الجامعات الامريكية، ويتحدث امام الطلبة والدارسين عن ايام زاخرة بالانجازات والفرح والابتهاج داخل العراق، إلا ان بريمر اجاب بكل صراحة ووضوح، ولم يتردد لحظة واحدة في قول الحقيقة، اذ اجاب فورا ردا على السؤال الذي وجه اليه عن اول عمل سيقوم به عند عودته الى الولايات المتحدة بعد انتهاء عمله في العراق. قال بالنص: (سأحاول أن أنام وأرتاح في فراشي).
ربما استغرب البعض هذا الجواب، الا ان جميع القاطنين في المنطقة الخضراء وفي بقية احياء العاصمة العراقية، لم يستغربوا ذلك الجواب، لان بول بريمر عاش اياما عصيبة، فهو غير قادر على التمشي داخل حدائق وشوارع المنطقة الخضراء، فالصواريخ التي تطلقها المقاومة العراقية، تأتي بلا موعد وفي كل وقت، وتسقط هنا وهناك، وهو غير مستعد لذهاب جسده على شكل اشلاء ممزقة متناثرة كما يحصل يوميا لجنود وضباط ومدنيين امريكيين تستهدفهم المقاومة العراقية بأسلحتها المختلفة.
ان جواب بول بريمر كشف عن ورطة ومأزق لاشبيه له خلال الاشهر التي عاشها في العراق منذ الاسابيع الاولى التي اعقبت وصوله بتاريخ (13/5/2003) الى بغداد خلفا للجنرال جي جارنر، حتى هروبه على وجه السرعة في الثامن والعشرين من يونيو 2004، وفضل ان يقتصر حفل توديعه على اربعة اشخاص فقط،، فهو يريد الاستعجال بمغادرة اجواء العراق، التي ادرك انها ستحرق بعده الكثير من رؤوس الجيش الامريكي وغيرهم.
وليد الزبيدي الهيئة نت
عشم إبليس في الجنة
05-09-2010
العبط أن تصدق أن الحكومة لم تكف عن تزوير الانتخابات طوال الأعوام الثلاثين الأخيرة، والاستعباط أن تدرك هذه الحقيقة، ومع ذلك تطالبها بأن تضمن نزاهة الانتخابات في العام الواحد والثلاثين. كان ذلك تعليقي حين قرأت ما نشرته الصحف صبيحة الأحد الماضي «29/8» عن اجتماع ممثل ائتلاف الأحزاب المصرية مع الأمين العام للحزب الوطني الحاكم، الذي تسلم فيه الأخير ملفا بمقترحات الأحزاب لضمان نزاهة وشفافية الانتخابات التشريعية التي يفترض أن تتم في شهر نوفمبر القادم. ولم يكن الموضوع وحده المسكون بالمفارقة، وإنما كانت هناك مفارقة أخرى تمثلت في طرفي اللقاء، من حمل الملف ومن تسلمه، ذلك أن الأحزاب الأربعة التي توافقت على 14 مطلبا لتوفير النزاهة والشفافية (الوفد والتجمع والناصري والجبهة الديمقراطية)، كلفت رئيس حزب التجمع بتسليم ملف المطالب إلى الأمين العام للحزب الوطني. وكل منهما يعرف الآخر ويفهمه جيدا، ليس فقط لأنهما شركاء في اللعبة، واحد من داخل الملعب والثاني من خارجه، ولكن أيضا لأن الرجلين لهما خبرة طويلة بقواعد اللعبة ومقتضياتها. ولذلك استبعد تماما تصنيفهما في دائرة العبط، وأزعم أنهما إلى الاستعباط أقرب ــ سأشرح لك لماذا؟
فرئيس حزب التجمع أدرى بتواضع حدود حزبه، وهو أكثر من يعلم أنه لولا التزوير والتعيين لما كان للحزب وجود في أي مجلس منتخب. استثنى من ذلك حالات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة تم فيها انتخاب بعض المنسوبين للحزب لأسباب عائلية لا علاقة لها بمشروع الحزب وبرنامجه. أما مستلم الرسالة، أمين الحزب الوطني، فهو أيضا أكثر من يعلم بأنه لولا التزوير لما قامت لحزبه قائمة، ولما حصل على الأغلبية في مجلس الشعب (تجربة انتخابات عام 2005 دليل على ذلك)، وأن الذين صوتوا لصالحه أعطوه أصواتهم لأنه حزب الحكومة، وليس لأنه صاحب برنامج. بكلام آخر فأوراق الرجلين مكشوفة لدى كل منهما. وهما يعرفان جيدا أنهما يقومان بتمثيلية لإحسان إخراج المشهد الديمقراطي، بما يبيض وجه الحكومة ويشي بسعة صدرها وتسامحها.
من ناحية أخرى، فإنني أنزه ممثلي الأحزاب الأربعة «المؤتلفة» أن يكونوا من أهل العبط، ولست أشك في أنهم يدركون أن أملهم في إجراء انتخابات حرة ونزيهة لا يختلف كثيرا عن عشم إبليس في الجنة، بمعنى أنه عين المستحيل، ولذلك فأرجح أنهم استعبطوا بدورهم ووجهوا تلك الطلبات لإيهام الرأي العام بأنهم يفعلون شيئا، باعتبار أن تقاليد البيروقراطية المصرية تعتبر أن أهم شيء في توجيه المطالب هو ملء «الاستمارة»، وبعد تقديمها يرتاح المرء ويخيل إليه أن طلبه أنجز، وقد يستغرق الإنجاز سنوات. وقد لا ينجز في نهاية المطاف، لكن المهم أن الاستمارة ملئت وقدمت. وهذا بالضبط ما فعله ممثلو الأحزاب. هناك احتمال آخر أقل براءة لا أستبعده، وهو أن توجيه تلك الطلبات مقدمة لعقد صفقات تحت الطاولة، بمقتضاها يتم إرضاء تلك الأحزاب بتوزيع ما تيسر من المقاعد عليهم في المجلس النيابي القادم. مكافأة لها على أنها عملت على سحب البساط من تحت الجمعية الوطنية للتغيير.
لن أتحدث الآن عن مضمون المطالب الأربعة عشر، لأن لدي سؤالا أهم هو: ماذا سيحدث لو أن الحكومة لم تأبه بالطلبات وسار كل شيء كما خطط له ودبر؟ ــ لا أرى في الأفق إجابة، لكنني أعرف أن الحقوق تنتزع ولا توهب. وأن نظامنا الذي اعتمد على تزوير الانتخابات طوال ثلاثين عاما لن يتخلى عن مسلكه إلا إذا تعرض لضغط من جانب القوى السياسية الفاعلة ليضطره إلى العدول عن ذلك المسلك. وقد كانت الحكومة أكثر دهاء حين عملت منذ اللحظات الأولى على إضعاف الأحزاب واصطناعها، وتفريغ العمل الأهلي من مضمونه أو إحكام السيطرة عليه لإخصاء المجتمع وشل قدرته على الحركة وممارسة أي ضغط.
لا مجال للتفاؤل بموقف الحكومة، ولا برد فعل الأحزاب المؤتلفة التي تعرف أنها أعجز من أن تمارس ضغطا مؤثرا للاستجابة لمطالبها. لكن الحكومة إذا كانت مطمئنة إلى عجز الأحزاب وقلة حيلتها فإنها لن تستطيع أن تتجنب ما هو أسوأ، حين يتضاعف سخط الناس وغضبهم بما قد يؤدي إلى الانفجار في نهاية المطاف.
فهمي هويدي..ش ب
حين نسي العرب ولم يتعلموا
30-08-2010
السياسيون أيضا لهم إسهامهم في مسلسلات اللهو والعبث التي يحفل بها شهر رمضان. الدليل على ذلك أننا مقبلون على جولة جديدة من المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
مسلسل المفاوضات أسوأ، إذ إنه عابر للأشهر ومفتوح بغير نهاية، والأحداث فيه مكررة ومملة. ناهيك عن أن الفكرة الأساسية فيها معروفة سلفا وشاهدناها عدة مرات. محورها هو التفنن في تخدير الفلسطينيين لمواصلة سرقة فلسطين، بحيث يأكل الفلسطينيون الهواء ويأكل الإسرائيليون الأرض.
منذ عام 1978، الذي طرح فيه الرئيس السادات فكرة الحكم الذاتي للفلسطينيين في اتفاقية كامب ديفيد الأولى “وجزرة” التسوية النهائية تلوح في الأفق، دون أن تطولها يد الفلسطينيين إذ بمقتضى تلك الاتفاقية كان يفترض أن تتم التسوية بعد خمس سنوات، أي في عام 1983.
وهو ما تكرر في اتفاقية أوسلو عام 1993 التي علقت بمقتضاها جزرة التسوية على جدران عام 1999. لكن الأعوام الستة مرت دون أن يحصل الفلسطينيون على الجزرة الموعودة.
ولم يتوقف “الحاوي” عن ألاعيبه، فاستخرج من كيسه خارطة الطريق في عام 2003 التي لوحت بفكرة إقامة الدولة الفلسطينية في عام 2005.
وحين لم يتحقق الوعد، وجد العرب أنفسهم مدعوين إلى مائدة “أنابوليس” في خريف عام 2007، وقيل لهم إن موعدهم المرتقب مع “الجزرة” سيكون في آخر عام 2008، مع نهاية ولاية الرئيس بوش.
وانتهت الولاية وتبدد الوعد، إلى أن جاء الرئيس أوباما حاملا معه الجزرة، ومبشرا العرب بكلام دغدغ مشاعرهم عن وقف الاستيطان وحل الدولتين. لكنه لم يلبث أن نكث بعهده، وغطى موقفه بلعبة المفاوضات، التي أرادها غير مباشرة لأربعة أشهر، ثم قرر أن يقطعها ويحولها إلى مباشرة قبل الموعد الذي حدد لها، وفى هذه المرة الأخيرة فإنه أظهر العصا ولم يلوح بالجزرة، حيث وجه 12 تهديدا إلى الرئيس الفلسطيني في رسالته الشهيرة التي بعث بها في 17 يوليو/ تموز الماضي، وتسرب مضمونها مؤخرا. وقد أنذره فيها بالعزلة وقطع الموارد المالية إذا لم يذهب صاغرا إلى المفاوضات المباشرة.
صحيح أن الجزرة لم تظهر في هذه الدعوة الأخيرة، لكنه طمأن الفلسطينيين والعرب إلى أنها موجودة، وأن الجلوس حول مائدة المفاوضات هو خطوة على طريق الفوز بها يوما ما.
لم يكف الفلسطينيون والعرب معهم عن الركض وراء جزرة الدولة الموعودة طيلة الثلاثين عاما الماضية. لم يملوا خلالها من الدخول إلى قاعات المؤتمرات والجلوس حول موائد المفاوضات ثم الخروج بوعود إسرائيلية لا تنفذ، ولم يترددوا في تكرار التجربة ذاتها عدة مرات بعد عدة سنوات، والخلوص إلى النتيجة ذاتها.
لم يقنعوا طوال تلك المدة بأن الطريق الذي يسلكونه لا يوصلهم إلى مرادهم. ولم ينتبهوا إلى أنهم رغم الركض الذي لم يتوقفوا عنه طيلة تلك السنوات، لم يتقدموا خطوة واحدة إلى الأمام.
من ثم لم يكتشفوا أنهم في حقيقة الأمر لم يكونوا يدعون إلى مفاوضات أو مباحثات، ولكنهم كانوا يستدرجون إلى جلسات للثرثرة لابتزازهم وإلهائهم عما يجري على الأرض، ولإيهام العالم بأنهم يسعون إلى الحل.
طوال الثلاثين عاما التي مضت ظلت الدول العربية والقيادات الفلسطينية قابعة في مستنقع الانتظار، حتى حينما صدرت مبادرة القمة العربية في عام 2002، فإنها أطلقت في الفضاء. وبقيت الحكومات العربية مستسلمة لحالة الانتظار، رغم أن إسرائيل تجاهلتها وتعاملت معها بازدراء حتى هذه اللحظة.
المدهش في الأمر أن الدنيا تغيرت خلال تلك العقود الثلاثة. وجاءت بعض المتغيرات لصالح الطرف العربي والقضية الفلسطينية، ولكن الانتظار تحوّل فيما بعد إلى قعود وعجز عن الحركة.
فرغم انهيار الاتحاد السوفياتي وتفرد الولايات المتحدة بصدارة النظام الدولي الجديد، فإن الولايات المتحدة لم تعد كما كانت. إذ أصبحت أسيرة مشكلاتها سواء تمثلت أزمتها الاقتصادية في الداخل أو ورطتها العسكرية في الخارج (في أفغانستان والعراق).
أما إسرائيل فقد فقدت هيبتها بعد هزيمتها أمام حزب الله في عام 2006، وبعد فشلها في العدوان على غزة عام 2008، واهتزت صورتها أمام العالم الخارجي بسبب جرائمها في غزة التي فضحها تقرير القاضي الدولي غولدستون. وهى تواجه الآن عزلة دولية بسبب استمرار حصارها للقطاع وجريمتها التي ارتكبتها في المياه الدولية بحق أسطول الحرية. ومن ثم أصبحت في موقف الدفاع وليس الهجوم.
وفي حين ازدادت الثقة في قدرة وثبات المقاومة العربية والإسلامية، واتسع نطاق التضامن الشعبي العالمي مع الشعب الفلسطيني بفضل ثورة الاتصال التي فتحت أعين الجميع على الوجه الحقيقي لإسرائيل، فإن ضعف الأنظمة العربية فوّت فرصة استثمار تلك الأجواء للوصول إلى حل عادل للقضية الفلسطينية.
وفي ظل ذلك الضعف فإن مسار القضية ومصيرها أصبحت تتحكم فيه السياسة الأميركية التي يديرها “كونغرس” شديد الانحياز والتطرف لصالح إسرائيل، وقد أثار ذلك الانصياع دهشة أحد الكتاب الإسرائيليين (تسفى برئيل) فكتب ذات مرة قائلا إنه لشدة حرص الدول العربية على استرضاء الولايات المتحدة، فإن كثرة استخدامها لكلمة نعم أسقطت من قاموس العرب كلمة “لا” (هآرتس 30/7/2010).
سواء نسينا تجارب المفاوضات السابقة ونتائجها المحبطة أو تناسيناها، فالثابت أننا لم نتعلم منها شيئا، أو تعلمنا ولكننا لم نملك شجاعة الإعلان والجهر بالدرس الذي تعلمناه. الدليل على ذلك أننا بصدد الدخول في حلقة جديدة من المسلسل العبثي. ذلك أنه منذ قرر الرئيس الأميركي باراك أوباما بالاتفاق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الانتقال إلى المفاوضات المباشرة قد وجب، وكتب الرئيس الأميركي بذلك إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، فإن عجلة التحضير للمفاوضات دارت بسرعة، وتولت مصر بالاتفاق مع السعودية والأردن ترتيب أمر الغطاء العربي للجولة الجديدة. وبدأ بعض الكتاب يتحدثون عن المستقبل، وكأنه ليس هناك ماض، وكأننا نبدأ من نقطة الصفر.
في هذه الأجواء تحدثت الأنباء عن معالم الفخ الجديد الذي أعده نتنياهو للمفاوض الفلسطيني، وهو يتمثل في عرض يستهدف التوصل إلى إعلان مبادئ وليس اتفاق سلام نهائي شبيه باتفاق أوسلو عام 1993، بمقتضاه تنسحب إسرائيل من مساحة 90٪ من الضفة لا تدخل فيها القدس الشرقية، كما يتم إخلاء 50 ألف مستوطن من قلب الضفة إلى الكتل الاستيطانية، ونقلت الصحف عن مصادر نتنياهو قوله إن العرض “واسع ومغر” للفلسطينيين، لأنه يمنحهم مساحة واسعة من الضفة مع إخلاء عدد كبير من المستوطنات، دون أن يلزمهم بالتوقيع على إنهاء الصراع، أو بوقف مطالبتهم بالجزء المتبقي من الضفة الغربية والقدس.
وفي حالة القبول بذلك العرض فإن إسرائيل سوف تقدم بعض التسهيلات المتعلقة بالإعمار والنهوض الاقتصادي للسلطة الفلسطينية في الضفة.
الفكرة الأساسية لمشروع نتنياهو تنطلق من ارتهان الضفة والمساومة عليها، بعد اقتطاع أجزاء منها بحجة الحفاظ على أمن إسرائيل. وفي وقت سابق فعلها نتنياهو حين عرض إقامة دولة فلسطينية مؤقتة على مساحة 60٪ من الضفة. وكان أرييل شارون قد عرض على الفلسطينيين إقامة دولتهم على 42٪ من الضفة، وفعلها إيهود باراك حين كان رئيسا للوزراء ومن بعده إيهود أولمرت.
لا يشك أحد في أن عرض نتنياهو خال من البراءة، وأنه لجأ إلى الخداع والاحتيال في المشروع الذي قدمه. ذلك أنه يتلاعب فيه بالأرقام بحيث يضلل قارئها دون أن يكون محيطا بدلالاتها. فهو حين يتحدث عن 90٪ من الضفة فإنه يحذف منها القدس الكبرى ومنطقة اللطرون الواقعة بين خطي الهدنة والبحر الميت وغور الأردن.
وهذه المساحات المحذوفة تشكل 40٪ من مساحة الضفة التي تبلغ 5800 كيلومتر مربع. وحين يتحدث عن إخلاء 50 ألف مستوطن، فإنه يتحدث عن 13٪ فقط من المستوطنين، بما يعني أن 87٪ من أولئك المستوطنين سيبقون في أماكنهم، 40٪ منهم في القدس و47٪ في قلب الضفة.
وحين رجعت إلى الدكتور سلمان أبو ستة رئيس هيئة أرض فلسطين والدكتور خليل تفكجى مسؤول الإحصاء في الأرض المحتلة، فإنهما قالا لي إن المساحة الحقيقية التي يعرضها نتنياهو على الفلسطينيين لإقامة دولتهم الممزقة والمجردة من السلاح لا تتجاوز في حقيقة الأمر 12٪ من مساحة الضفة الغربية.
أخطر ما في هذا العرض أنه يعرض حلا للاتفاق على مبادئ جديدة في علاقة الطرفين، في حين يرحل إلى المستقبل ملف القدس وبقية القضايا المختلف عليها، وهذا الحل يخفى في طياته سعيا لجعل الحل الانتقالي المقترح بمثابة حل طويل الأجل ونهائي يقام بقوة الأمر الواقع في نهاية المطاف.
وثمة تقارير صحفية تعتبر أن سعي نتنياهو إلى فكرة الحل الانتقالي يخفى شعورا بالقلق في أوساط اليمين الإسرائيلي من عودة فكرة الدولة الواحدة على جدول الأعمال، بعد فشل الجهود الرامية للتوصل إلى حل الدولتين.
ثمة ثلاث مشكلات أساسية تواجه المفاوض الفلسطيني والأطراف العربية التي تسانده في تكرار تجربة المفاوضات المباشرة، هى:
- أن الطرف الفلسطيني وقع في فخ تفكيك القضية، وتحويلها إلى مجموعة ملفات تتعلق بالحدود والمياه والمستوطنات وغير ذلك. وهى ورطة تتعامل مع الضفة الغربية باعتبارها أرضا متنازعا عليها فيما وصف بأنه صراع بين حقين، أحدهما للفلسطينيين والآخر للإسرائيليين.
وذلك وضع مخالف تماما للحقيقة ولقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن. ذلك أن القضية في جوهرها لها ملف واحد وتختزلها كلمة واحدة هي “الاحتلال”، أما الدخول في متاهة التفاصيل والاستدراج إلى مناقشتها، فإنه يعد استسلاما للفخ ووقوعا في براثنه.
- المشكلة الثانية أن الطرف الفلسطيني يخوض المفاوضات دون أن تكون لديه خيارات أخرى. بمعنى أنه مضطر للاستمرار في المفاوضات حتى وإن لاحقها الفشل في كل مرة. ذلك أن من أهم مصادر قوة أي طرف مفاوض أن تتوافر له خيارات أخرى غير التفاوض مثل حل السلطة أو إعلان الدولة الفلسطينية من طرف واحد. أو قطع المفاوضات والانضمام إلى معسكر المقاومة، وأن يعي الطرف المقابل ذلك.
لأن معادلة ميزان القوى بين الأطراف المتقابلة في عملية التفاوض تتأثر إيجابا وسلبا بمدى توافر هذه الخيارات من عدمها.. وإذا انحصرت الخيارات بمسار التفاوض فقط، وأصبح ذلك هو المسار الوحيد المتاح، فإن الطرف المفاوض يخسر جل وضعيته التفاوضية أمام الطرف المقابل، الذي سيوظف انعدام الخيارات هذا كأداة ضغط فعالة للحصول على تنازلات قيمة.
وهذا الكلام ليس من عندي، لكنني اقتبسته من ورقة حول المأزق الفلسطيني العربي في المفاوضات، قدمها قبل ثلاث سنوات إلى ندوة مركز الخليج للدراسات بالشارقة الدكتور علي الجرباوي، حين كان أستاذا للعلوم السياسية بجامعة بير زيت، وقبل أن يصبح وزيرا في حكومة رام الله.
- المشكلة الثالثة أن الطرف الفلسطيني يخوض المفاوضات بلا ظهير عربي يؤمنه ويشد من أزره. أعنى بذلك حالة الوهن المخيمة على الأنظمة العربية التي أفقدتها القدرة على تبني موقف مستقل يرعى المصالح العليا للأمة. وهى التي حولت العواصم العربية الكبرى (نسبيا) إلى وسيط يضع استرضاء الولايات المتحدة ضمن أولوياته.
ومن ثم فإنها تحولت إلى عبء على القضية بدلا من أن تكون داعمة ورافعة لها، وبالتالي أصبحت الحالة العربية الرسمية نقطة الضعف الأساسية التي تحسب على القضية وليس لصالحها.
فهمي هويدي …اخبار العالم
هل قراءتنا للتاريخ العربي عربية؟
29-08-2010
هل أصبحت “قراءة التاريخ” لدينا ـ نحن العرب ـ بتعقيداتها وجدليتها، ترتكز على مفهوم رؤية وقراءة الآخر؟ أم إن عرّاب الثقافة الخجولة خجول، وضعيف أمام تفسيراته المكانية والزمانية؟ وهل يحتمل ذلك التاريخ اتجاها يشير إلى صراع الزمن مع الجغرافيا؟ وفق هذه التساؤلات، هل ربح المفكر العربي معركته زمنياً وجغرافياً في تعريف تاريخه العربي؟
الجواب واضح وبسيط، وهو أننا خسرنا عامل الزمن، واستبدلناه بصراع ايديولوجي بعيد عن القراءات النقدية، ولم يتبق لنا منه إلا التمجيد والهيام، فلو أننا استطعنا تعريفه زمنياً وجغرافياً، لَما وصلنا إلى هذه الحالة، حيث لم يتبق لنا من عوامله إلا “تقسيمات” طائفية وحزبية وقبلية، أدت إلى إهدار العامل الزمني وتفنن في ضياع الرقعة الجغرافية.
إن المرآة التي لا يستطاع من خلالها رؤية الوجه الحقيقي لتفسير وقراءة التاريخ، إنما هي صورة مخيالية ثقافية تبين مدى الالتفاف والانزواء بين جدران قراءات الـ “آخر”، لتكون حكماً علينا، ونحن نعرف أن الحال العربية متخمة بكثير من الإشكاليات وصراع الأضداد، وتحتاج إلى قراءة واقعية وعقلانية ونقدية تاريخية، تتناسب مع وضعية المجتمع المنوي معالجته.
فإشكالياتنا لا يمكن معالجتها بنظريات لا تراعي وضعيتنا العربية، فأهل مكة أدرى بشعابها، وعلينا أن نعرف أن الغرب حينما كان يعالج مشكلاته الداخلية، كان في الوقت حينه يصدرها للبلاد المنوي استعمارها. أما نحن العرب فكنا دائما ومازلنا في موقف المدافع، ما بين الكراهية والإعجاب بالـ “آخر».
فكلمة تاريخ يجب ألا نتناولها هكذا، إنما يجب استدراكها وتفسيرها وفق عوامل تراعي وضعية التاريخ المنوي تفسيره، وليس رمي التعريفات والاصطلاحات والتفسيرات جزافاً بما يتطابق مع تعريفات الآخر.
فقبل أن نقرأ التاريخ بعقلية فوكوياما، وهنتنغتون، وآكسيل هونّيث، وروسو، وآدم سميث، وجورغ، وهيغل وغيرهم، يجب أن نقرأه بعقولنا نحن، لأن التعريفات العلمية يمكن أن تأخذ من أي مكان. أما الثقافة فلا، لأنها من خصوصيات المجتمع، فالعِلم ليس له وطن. أما الثقافة فلها وطن وجذور، بشرط ألا تقوم تلك الثقافة بتوظيف عامل “اللغة” في بناء تاريخ فوق التاريخ، وفق تقمص ايديولوجي يصبغ القراءة بالطائفية والحزبية والقبلية.
فالتاريخ ليس كالتعريفات الرياضية، والطبية، والهندسية المستوردة، وليس من الفطنة تعريفه بالانسلاخ عن الواقع، بل نقده وجعله دعامة لنا من الخلف، فالمنظور الأميركي (مثلاً) المبني على تعريفات هنتنغتون وفوكوياما تجاه العالم العربي، أخطأ مساره التاريخي بإغفاله عامل التراكم الديمقراطي للحال الاميركية، وتوهم أن مفهوم الديمقراطية عصاً سحرية يمكن تطبيقها في أي مجتمع، بعيداً عن المنظور التاريخي الخاص بالمجتمعات.
صحيح أن مجتمعنا العربي، قد ورث البطركية الأبوية التي لازمت التاريخ العربي، ومازال متأثراً بها، لأنها من ضمن الثقافة المتعارف عليها آنذاك، فليس هذا مبرراً لاستخدام تعريفات لم يتعود عليها مجتمعنا لعلاج تلك الظاهرة، وما تعريفات روسو وآدم سميث وغيرهما إلا مرآة استطاعت أن تعطي الوجه الحقيقي بما يتلاءم ومجتمعاتهم فقط، ولكن هل نمتلك نحن العرب مرآة نستطيع من خلالها أن نعطي الوجه الحقيقي بما يتلاءم ومجتمعاتنا؟
هنا يجب أن نتوقف في محطة معاصرة استطاعت أن تقرأ التاريخ بنظرة فاحصة ومعمقة لعلاج الإشكالية من الداخل، بدلاً من قياس حالنا بالـ “آخر”، لأن الحقيقة العربية لا تقاس إلا عربياً. فعلى سبيل المثال فإن د. محمد عابد الجابري أبدع في تشريح التاريخ العربي فكرياً، مبيناً أن إعادة بناء التاريخ يجب أن تكون بصورة فلسفية، وليس إعادة بناء الوعي بصورة تاريخية.
أما د. محمد جابر الأنصاري، فإنه هيكل التاريخ سوسيولوجياً مبيناً معالم التأزم السياسي عند العرب، مشترطاً أن درس الجغرافيا في الحالة العربية، يجب أن يسبق درس التاريخ، أو أن يصبح “فاتحة” كتابه، شريطة تجاوز رتابة المعلومة الجغرافية في الحالة العربية إلى فراداتها ومغزاها الخاص.
أما الدكتور محمد غانم الرميحي فقد أبدع في الجمع بين تشريح التاريخ العربي فكرياً وهيكلته سوسيولوجياً، مبيناً تعريفاً واضحاً لفهم التاريخ العربي بطريقة معرفية وفق منهج جذري مبني على قاعدة الاجتماع السياسي، ومترافقاً بقراءة نقدية معاصرة للموروثات التاريخية التراتبية.
أمام هذه “الترويكا” الثلاثية، والتي تضع لنا مصدراً واضحاً لفهم معنى التاريخ العربي وكيفية قراءته بصورة معرفية، بنقد “الذات والواقع والتاريخ”، أليس الحري بنا أن نقتبس “منهم” قراءة لتاريخنا “نحن”، بدلاً من الاقتباس مقارنة بالـ “آخر”؟ في الوقت الذي يجب فيه ألا نتناسى إتقان اللغة التي نفهم فيها الـ “آخر».
مأمون شحادة م ا ا ل
دراما رمضان، دراما البوتوكس والسليكون
14-08-2010 بقلم: جمال الدين بوزيان
تحولت العروض التلفزيونية الرمضانية إلى فرض من فروض شهر رمضان المبارك على الفضائيات العربية، لا يمكن اكتمال مائدة الفرجة من دونها، مسلسلات وبرامج مسابقات وترفيه، وكاميرا خفية، ومقابلات مع الفنانين والمشاهير.
وبما أن الدراما التلفزيونية هي الوجبة الرئيسية التي يتنافس عليها المنتجون ويتسابق إليها الممثلون والمخرجون، ويتزاحم على متابعتها المشاهدون، وجب عليّ أن أكتب هذا المقال، بسبب التخمة التي أصابتني من فرط مشاهدة الوجوه المنتفخة والأنوف المقطوعة والشفاه المقلوبة.
تأذى بصري في اليوم الأول من رمضان بسبب مناظر ممثلات الدراما العربية الأشبه بمخلوقات الفضاء، وبعضهن أقرب إلى الرجال المتحولين والمتشبهين بالنساء.
لما تتابع إحداهن بواحد من الأعمال الدرامية الرمضانية تحتار وأنت أمام مخلوق غريب يظن نفسه أثنى أو امرأة حسناء، أو ربما هكذا كذبوا عليها وأوهموها بأنها جميلة، لا تعرف إن كانت تبكي أو تضحك، وتحتار في معرفة طبيعة الموقف الذي كلفها المخرج بتمثيله، أو ماذا كتب بالسيناريو الأصلي للمسلسل، هل هي لقطة حزينة أو سعيدة؟
مشاعر فنانات البوتوكس أصبحت متشابهة ومبهمة ومختلطة، غير معبرة أو تعبر دائما عن الموقف الخطأ أو العكسي للموقف المراد تقديمه.
جباه مشدودة وحواجب معقوفة وعيون مفتوحة بطريقة مرضية لا حياة فيها، تلك ملامح الممثلة العربية الحالية والتي يقال لها نجمة الدراما وتخصص لها الصحف والمجلات ومواقع النت لمدحها والتغزل في جمالها النادر.
كلهن بشفاه إفريقية غليظة كانت من قبل تجلب السخرية العنصرية لمن خلقها الله على ذلك الشكل، وأصبحت الآن هي موضة العصر وهي شفاه فتاة الألفية الثالثة.
الأنف مزيج من أنف الخنزير والفأر، أو بعبارة أقل قسوة، ربما يشبه أنف الأرنب وباقي القوارض.
من الصعب الآن على مخرج المسلسل العربي أن يجد ممثلة تصلح لدور الجدة أو الأم البائسة والتي يبدو عليها الفقر وآثار الزمن القاسي، كلهن يصلحهن فقط لأدوار العجوز المتصابية الغنية، كلهن نازك السلحدار في ليالي الحلمية.
ربما الأفضل لنا لكي لا نؤدي بصرنا أكثر، التوجه نحو الأعمال الفنية التي يمثل فيها الأطفال الصغار، على الأقل لم يصل لهم مشرط الجراح وإبرة البوتوكس ولم تدخل أجسامهم مادة السليكون.
ميدل ايست اونلاين
آفـاق الــنشـر الالـكـتروني وأخـطاره
7-08-2010
تكفل حرية التعبير، كتابةً وإبداء رأي، نشر كتب ومقالات وآراء وبحوث. هذا مبدأ أساس. ثمة معايير سائدة تراها، بل تفرضها، جهات رقابية حكومية متسلطة، أو مؤسسات نشر وتوزيع خاصة؛ يفترض بها الاستقلال النسبي عن المؤسسات الرسمية. عبر تلك المعايير تضبط أجهزة الرقابة الحكومية، ولا تختلف عنها كثيراً المؤسسات المستقلة بسبب خضوعها للمعايير ذاتها تقريباً، سيطرتَها على حدود الكتابة وآفاقها، أدبياً وثقافياً وسياسياً ومالياً. داخل مجال كهذا، شبه محاصَر، تتحرك بصعوبة مفاعيل الكتابة والنشر لدينا من دون زحزحة الحدود المفروضة وكسر خناقها. واقع الحال، في منطقتنا خصوصاً، يشير من دون شك إلى أن الفضاء العام آخذٌ في التقلص والانكماش، بل يكاد يختنق في وجه الكتابة والتأليف والنشر عموماً. الوزارات والمؤسسات الموكل لها دعم تأليف الكتاب، في تراجع مستمر. في سياق كهذا، ومع تردي الأداء الجامعي والأكاديمي، تعليماً ودراسةً وبحثاً ونشراً ورعاية، ومع توافر بدائل نشر الكترونية مغرية وشبه مجانية، يلجأ عدد غير قليل من الكتّاب والأدباء، والباحثين والناشطين في الشأن العام، إلى ما اصطلح على تسميته بـ”النشر الذاتي”، حيث يمكن، من دون رقابة في الغالب، عرض الرأي عبر كتاب أو مقالة أو بحث ...الخ. لا ينبغي لنا مقدماً، اعتبار المعايير الكلاسيكية أمراً سلبياً في المجمل. وجود هيئات مشرفة مختصة، ولجان قراءة محكمة، تدار على أيدي ذوي خبرات وتأهيل كافية، وتتمتع بالصدقية، لا يفضي سلفاً إلى اعتبار دورها رقابياً معيقاً تتم من خلاله مصادرة الحرية وتحجيم حدود الكتابة وتقليص أفق التعبير. غير أن الحاجة إلى الدخول في نقاشات مهمة وملحة، أدبية واجتماعية وسياسية، والكتابة عنها والرد عليها، ونشر تلك الآراء، في ازدياد مستمر. لا يبدو أن الأطر والهيئات القديمة والحالية قادرة على دعم نشاط كهذا، وتحفيزه واحتوائه وتيسيره، ولا هي ولا جديرة به. جزء كبير مما ينشر على شبكات الانترنيت يدخل في عداد “فشِّ الخلق”، كما يقال في التعبير الدارج، والشكوى المنطوية على جرعة غير ضئيلة من الرفض والتذمر والسخط. ذلك كلّه مبرَّر وسط قيود سياسية وتعفن أعراف اجتماعية لم تعد صالحة ولا متكيفة مع متطلبات الوقت الحاضر وأزماته؛ فثمة نوع جديد من الرغبة في التغيير، فرضه تحوّلٌ نسبي في الوعي أخذ ينتقل نحو تبدل ذهني ونفسي عميقين، ولو بشكل متأخر وضئيل. يندرج تحول كهذا، وينتقل من باب التلقي الجامد إلى أفق التأثير النشط. سوريون مثلاً، معظمهم من فئات شابة يقل عمرها عن ثلاثين سنة، منذ أشهر غير بعيدة، على صفحات موقع الـ”فايسبوك»، دعوا إلى أمرين في غاية الأهمية والجدية: أولهما إجراء تبديل في مناهج تدريس التربية الدينية، في المدارس الحكومية والخاصة، حيث يُفصَل منذ عقود طويلة الطلاب المسلمون عن المسيحيين أثناء حصص التربية الدينية في المدارس، وذلك عبر إحلال مادة اتفق على تسميتها بـ”تاريخ الأديان”، بدل تدريس تعاليم دين واحد وبشكل يفصل الطلاب حسب انتمائهم الديني الموروث الذي لم يكن يوماً من اختيارهم. الأمر الثاني: دعوة إلى الزواج المدني دون اعتبار لاختلاف الدين أو افتراق الطائفة. ثمة من يدعو كذلك إلى نمط من الحياة العاطفية والاجتماعية المشتركة بين الشباب من الذكور والإناث على السواء، عبر مشاركة محلّ السكن ومصاريف المعيشة في إطار ما يسمّى تنبوءاً: «المساكنة هي الحل”. تأتي المساكنة كحل إسعافي لكسر عزوف نسب كبيرة الشباب عن الارتباط الزوجي بشكله القديم، وذلك بسبب أكلاف المعيشة الباهظة، وارتفاع بدل الإيجار السكني، ناهيك بارتفاع شديد في أسعار شراء العقارات وازدياد عدد العاطلين عن العمل وهبوط مستوى الأجور وسط ارتفاع الأسعار إلى حدود غير معقولة. هذا كله يعني خروجاً على العرف والعادة، على حدود القيم العائلية المحافظة والمتكلسة، تحت ضغط الوضع الاقتصادي المنهك، وهي حدود اجتماعية واقتصادية لم تعد قادرة على تلبية طموحات الأجيال الجديدة، ونزوعها إلى طور خجول ومرتبك من التحرر الفردي، اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً. مطالب وآراء وأنشطة كهذه، ذات بعد اجتماعي لافت، لا يمكن نشرها في إطار الكتب الورقية، أو على صفحات صحف ومجلات تبقى تحت مراقبة حكومية أمنية واجتماعية متشددة. ما سلف ذكره، على أخذ المثال السوري نموذجاً (مع التنويه بأن الأمثلة أفضل من القوانين، والحالات الملاحظة أحسن من الركون إلى قواعد عامة تفضي في النهاية إلى نوع من انغلاق الفكر)، في إبداء الرأي ونشره علناً من دون رقابة من أي جهة، جزء ضئيل مما تحتاج الأجيال الناشئة الى خوض غماره وإبداء الرأي فيه. وحيث لا وجود لأي نوع من الرقابة، لا الدينية ولا السياسية، داخل معظم مواقع الانترنت، فإنها تتحول المكان الأفضل للنشر وإبداء الرأي. غير أن الجمهور المخاطب في مكان كهذا، هو جمهور غير محدد ويفتقر إلى التجانس. فقارئ الرأي، أو الكتاب أو البحث، ليس طالباً في كلية أو باحثاً في مركز دراسي، ثم إن قراءته عرَضية عابرة، لا تصدر عن اهتمام خاص ودافع جدي، وهو يتصفح المواقع متنقلاً من فضاء إلى آخر خلال دقائق معدودة. يخلف هذا النمط من المتابعة، التشتتَ وانعدام التراكم الثقافي، مما يفقده تالياً عمق التأثير وجدية المتابعة ودوام الاهتمام. تؤدي وسيلة النشر دوراً مهماً في مضمون الكتابة وجدواها. فتداول كتاب ورقي بشكله المعهود لا يشبه، من حيث أثره ووقت الانصراف إلى قراءته، تصفح مقال هنا أو طرح فكرة هناك. ثم إن من يطرح الأفكار نفسها، يرميها داخل شبكة هي في الأساس مزدحمة وغارقة في سيل من الصور والمعلومات والتعليقات القصيرة والكتابات الموجزة الأقرب إلى الأخبار منها إلى الكتابة . إنها بالكاد تأخذ حيزاً خاصاً بسبب ورودها داخل سياق يجمع كل شيء إلى كل شيء. سبب التخوف من رسوخ هذا النمط من الكتابة والقراءة، يعود إلى أن جمود الأشكال القديمة وافتقارها إلى المرونة، وعدم قدرتها على الاستمرار المنتج وفق صيغ ومعايير لا تتناسب ومفاهيم جديدة، لأسباب رقابية قمعية وظروف مادية سيئة في معظم الحالات، لا يفضي في الضرورة إلى التمتع بأشكال إنتاج معرفي وتداول ثقافي أفضل. ربما الجديد يكون غشاوة أثقل وإعاقة أكبر ومراوحة في المكان، ولا يقدم ما كان يتوقعه الكاتب من أثر فاعل ومتابعة جدية. من كان يشكو من التهميش بسبب آليات النشر القديمة ومعايير الرقابة الخانقة، صار يكثر من النشر الاعتباطي أحياناً، حيث يمكن أياً كان أن يخوض أي نوع من المناقشة وفي كل شأن. ما يغري الشباب والكتّاب الجدد في عالم النشر الالكتروني، سهولة التواصل وزوال الممنوعات وضآلة الكلفة المادية، غير أن ذلك كله ليس دليل عافية في الكتابة وتقدم في العمل الثقافي، بسبب ما ينطوي عليه من تسرع وسهولة تؤديان إلى النسيان أكثر مما تؤديان إلى التحفيز. فما نتسرع في كتابته ونشره وقراءته، أي ما تسرعنا في التفكير فيه وتأمله، لا نلبث أن نتسرع في نسيانه. عندما تغدو السهولة نفسها سبباً للنشاط المزدحم، ومعياراً، فإن ما يرافقها من تسطح وتسرع يغمران أرض السهولة المريحة التي ليست أرض فكر وعرة، حيث يترافق الكسل مع جرأة الطرح، والدعاية النهمة مع كثرة النشر. هكذا فإن ما كان يفترض فيه أن يكون طريقة حل لمشكلات رقابية وتحجر مؤسساتي، يتحول مشكلة قلما ينتبه إليها من يعتقد أنه بـ”امتلاكه» حرية الكتابة وسهولة النشر قد تجاوز القمع الخانق وتخطى الحدود المعيقة. إغراءات الفضاء المفتوح كثيرة، لكن العمل بلا حدود يشبه العمل بلا نظام؛ فكلاهما علامة على فوضى يُخشى من نتائجها أكثر مما ينبغي الحذر من رواجها. ليس كل “نظام” قيداً ولا كل “نافذة” فضاءً واسعاً نزيح من خلاله ظلام بيوت مغلقة وأحوال معيشة مسحوقة.
علي جازو
النهار
(العلاقة بين السعادة والمال)
جهاد الخازن
منذ كنت صغيراً وأنا أسمع ان الفلوس لا تشتري السعادة، وبما أنني أطوي النفس على قدر كبير من الشك في ما أسمع، فقد طلبت أن أُعطى الفلوس لاختبر هذه النظرية، ولم أعطَ ولم أصدق، واكتفيت بما هو منطقي وواضح فالسعادة لا تشتري الفلوس.
اليوم عندي دليل يثبت أن الشك القديم كان في محله، فمؤسسة غالوب أجرت استطلاعاً هائلاً شمل 132 بلداً بين 2005 و2009 وسئل 136 ألف شخص، مباشرة أو بالهاتف، وكانت النتيجة العامة، مع استثناءات قليلة، أن أغنى دول العالم هي أيضاً أسعدها.
الاستطلاع، كما قرأت، معقد وأهم جزء منه أنه اختبر الرضا العام، أي رأي الانسان في حياته كلها، والمتعة اليومية، أو ما يسعد الانسان من أشياء صغيرة بين يوم وآخر.
حلت الدنمارك أولى في الرضا العام وفنلندا أولى في المتعة اليومية، واحتلت الدول الغربية الثرية معظم المراكز الأولى مع استثناءات لافتة، وكوستاريكا في المركز السادس والبرازيل في الثاني عشر والمكسيك في الثامن عشر. ولعل السبب أن دول أميركا اللاتينية عندها سامبا ورومبا ما يعوض عن الفلوس.
لم استغرب أن تحل اسرائيل في المركز الثامن ورجحت أن السبب هو أن الاسرائيليين سرقوا فلسطين من أهلها، وطلعوا براءة... حتى الآن ويعيشون على حساب دافع الضرائب الأميركي.
الولايات المتحدة أغنى بلد في العالم غير أنها احتلت المركز الرابع عشر في القائمة ما يعيدنا الى حجة أنصار مبدأ أن الفلوس لا تشتري السعادة، غير أن جامعة كامبردرج البريطانية نشرت السنة الماضية نتائج استطلاع في الولايات الأميركية الخمسين تبين منه أن أسعد مجموعات في الولايات الأميركية هي في الجبال الغربية، ثم الغرب، وبعد ذلك الشمال الشرقي، ثم وسط الغرب والجنوب، ما يعكس ثراء هذه المجموعات، ففي الولايات الأعلى على مؤشر السعادة هناك رضا أكبر لأن الدخل أعلى والسكن أفضل والتعليم من مستوى جيد.
والولايات المتحدة توفر لنا مثلاً آخر على العلاقة بين السعادة والمال، فهناك استطلاعات لا تنقطع حول كل ما يخطر ببال وبعض ما لا يخطر بالبال، وهي تقول إن الأميركيين كانوا أقل سعادة في السنوات 1973 و1982 و1992 و2001، وكل من هذه السنوات شهد أزمة مالية، لذلك أرجح أن استطلاعات 2008 و2009 ستظهر تراجع الأميركيين على مؤشر السعادة الخاص بهم.
ووجدت وأنا أجمع معلومات عن الموضوع كتاباً من تأليف جنيفر مايكل هيكيت، وهي مؤرخة، عنوانه «خرافة السعادة: لماذا ما نعتقده صواباً هو خطأ». والمؤلفة تصر على أن المال يشتري السعادة، وهي تجعل بين أسبابها التسوق والريجيم والرياضة، وحتى تعاطي المخدرات للمدمنين القادرين على شرائها.
أفترض أن ما سبق صحيح، إلا أنه ليس صحيحاً بالمطلق فلو كانت الفلوس تشتري السعادة، أو أن لا طريق للسعادة من دون فلوس، لمات أصحاب البلايين من الفرحة. ربما كان الجواب الأقرب الى الصواب هو أن السعادة غير ممكنة من دون فلوس، إلا أن هناك أسباباً كثيرة أخرى لها، وقد قرأت دراسة وجدتها منطقية فهي تقول إن الاستطلاعات تظهر أن كل صاحب دخل، من مختلف المستويات، يقول إنه بحاجة الى زيادة 40 في المئة على دخله لتزيد سعادته. والدراسة هذه قدّرت بالتالي أن الشعور بالنجاح هو طريق السعادة أكثر من المال.
مؤشر السعادة الذي نشرته مؤسسة غالوب ضم 155 بلداً (بعد استطلاع الرأي في بلدان أخرى، والمجموع 96 في المئة من سكان العالم) واحتلت الإمارات العربية المتحدة أعلى مركز بين الدول العربية وهو 20، وبعدها الكويت 23، وقطر 35، والبحرين 48، والأردن 52، والمملكة العربية السعودية 58، وليبيا 67، ولبنان 73، والجزائر 85، وتونس 96، واليمن 98، والعراق 110، ومصر 115 ومثلها المغرب.
واحتلت إيران المركز 81 وتركيا المركز 103. وتراجعت الهند الى 115 والصين الى 125. واحتلت دول فقيرة، أكثرها من افريقيا جنوب الصحراء المراكز المتدنية.
الاستطلاع يحسم الجدل فالذين يملكون الفلوس فوق والذين لا يملكونها تحت، والدول العربية لا تشذ هذه المرة عن القاعدة، فالدول الأكثر ثراء شعوبها أسعد من الدول العربية الفقيرة، ما يطلق نظرية ثانية هي أن النفط يشتري السعادة، ونظرية ثالثة هي أن الجهل يشتري السعادة، طالما أن الدول العربية، كلها سواء في غياب الديموقراطية والجهل، فتبقى الفلوس سبباً للسعادة عند بعض، والجهل عند بعض آخر. وأكمل غداً.
الحياة
ظاهرة مرضية تنتشر كالوباء في جسد الثقافة العربية
بقلم: محمود أسد
يؤلمني أن أشاهد إنساناً يتعب ويشقى، ثم يأتي من يُجرده من تعبهِ ويدفعُه لجرِ أذيال الخيبة. ويضايقني ذل الإنسان الذي يمارس حق الأخذ والإعطاء والإلغاء وهو الذي يأخذ ولا يعطي. ويجرح إحساسي ذاك الذي اعتاد اصطياد العيوب والتقاط الهفوات وتجاهل عرق الجادّين الباحثين بكل طاقاتهم واهتمامهم، بجرَّةِ قلم يقضي على تعبهم وفنهم.
إن كلماتي لا تعني إنساناً محدّداً ولا ترمي الإساءة إلى فئة معيّنة. بل هو كلام عام عن ظاهرة مرضية تفشّت في حياتنا، وأخذت مساحة في الوسط الثقافي الذي أخذ يتضايق من شرّها ويصاب برذاذ فسادها واستهتارها.
هذه الظاهرة المرضية تنتشر كالوباء الفتاك في جسد الثقافة وروحها دون مُعارِض حقيقي لها. أراها مرضاً خبيثاً يزرع أدرانه في حنايا الفكر الساطع. وما عاد يَسلمُ من سهامه أحد. يسعى دعاته الأفذاذ لزرع ملامحه وتبنّي نهجه، وأولى تلك الملامح الاصطياد في الماء العكر وتعكير صفو العاملين في هذه الرياض الصافية. لا تراهم إلا مُستهترين بالآخرين ودون رادع يُلجِمُهم يصادرون أتعابَ الآخرين وجهودهم وآراءهم وهم مستسلمون للتنظير والشللية، سراويلهم تراها التصقت بكراسي المقهى، وثيابهم ينتشر فيها السرطان من الدخان والافتراءات. ضحكاتهم توقظ المتقاعدين وتُنشط السماسرة وتجلب السّيَّاح.
ليتهم يكتفون بأنفسهم، وما فيها من كسل وجمود. وليتهم يستسلمون لخيباتهم، ويتركون الآخرين وشأنهم. ليتهم يقرّون بما ينتابهم من نوبات وهلوسات تجعلهم عالة على المجتمع والزوجات والأولاد. ولا تراهم إلا منهمكين في الأحاديث عن أنفسهم لدرجة تجعلك تشفق عليهم، نعم إنهم يحتاجون للشفقة.
لا يعجبهم العجب ولا الصيام في رجب. كما يقال. فهم خير من ينظّر وخير من يتابعُ وينقد ويصطادُ.
ولكنهم لا يتجاوزون طاولات المقاهي والحانات. يفهمون في السينما ولم يحضروا فيلماً من عقدين. ويتذوَّقون الفنون التشكيلية وهم لم يزوروا معرضاً من سنوات خلت وينطبق هذا على الأمسيَّات والندوات والكتب. الكتب التي تُهدى لهم، تراها بعد أيام على الأرصفةِ معروضة للبيع ودون أن يكلِّفوا أنفسهم عناء مسح كلمة الإهداءِ التي قدِّروا بها، يبدو أن الحاجة مُلحّة.
إن وجدوا صحيفة لا تتناسَبُ مع مصلحتهم وميولهم فهي للحرق والتمزيق. والمجلة التي لا تفتح لهم مجالاً، ولا تنشر لهم نتاجاتهم مجلةٌ ضعيفة وفقيرة ومتخلفة وربَّما تُتهم بالعمالةِ مع كتَّابها ومحرِّريها. ولو قدَّمْتَ لهم كتاباً حديثاً خلا من ذكرهم، ولم يتوقَّفْ عند جماعتهم وأتباعهم لوَجَدْتهم ينفرون مِنْهُ ومنك، ويلغون الكتابَ وما فيه دون أن يقلّبوا صفحاته لدقائق، سامحهم الله وفوق هذا يتسابقون في المَدْحِ والذم، فلا تهدأ شفاهُهُم، ولا ينزلون عن رؤوس أصابعهم. يحرقون كلَّ ما فيه وكلَّ من أسهم فيه.
بالله عليكم هل جميع الناس موظفون عندكم وعند أسيادكم؟ وهل من حقكم أن تمارسوا دور الشرطيِّ وموظف التموين وأنتم مُجرّدون من حقوقكم المدنية. فماذا أعطيْتُم لأنفسكم ولأولادكم ولوطنكم؟ من نصَّبكَ قاضياً وأنت أبعد الناس عن الموضوعية؟ هذه الموضوعية التي تشكلُ الحدَّ الأساسي في علاقتك مع الآخرين.
من حق أي إنسان يسعى ويزرع بذرة معرفة أن يجدَ تكريماً له وحكماً متوازناً وناقداً صادقاً. فالعملُ بطولة بحدِّ ذاته وعرضُهُ فروسية نادرة. فالمرءُ الذي لا يعمل لا يخطئ، ولا يوجد مثلُ العملِ معلّماً ومدرسة للإنسان. فالعمل حالة إيجابية متفاعلة مع الآخر وتقديمه فروسيَّة واتزان من صاحبه يستحق عليه التقدير. فهو صورة عن إنجاز، وبيان عن شخص اجتهد وبَذَلَ وأحسنَ النية. فالجرأة في التقديم وعرض الإبداع. هؤلاء الجادَّون يكفيهم أنهم يقدمون خلاصة سَهَرِهِمْ ومطالعاتهم وأبحاثهم وأموالهم. قدّموا هذا الجهد عندما كنت تهيم في أودية الضياع والشتات. فوراء كل بحث وعمل هناك مراجعُ وسهرٌ وقلقٌ واستهلاكٌ للوقت والمال يستحق هؤلاء كل تقدير وشكر، وإذا نقدناهم فإننا نذكر الجيد والرائع قبل السييء والموجودَ قبل الغائب.
إن ساحة الإبداعِ واسعةٌ، وإنَّ ميدانَ العملِ واسعٌ ورحْبٌ فكنْ ذاك الفارس الشهمَ، فنحن بحاجة لعملك قبل حديثك، ونحن بحاجة لزنودكَ وقلمك وذهنك الناصع، والساحة معدَّةٌ لكلِّ الشرفاءِ المخلصين، وهذه دعوةٌ أخرى لممارسةِ العملِ الشريف.
م ا ا
تهريج المهرجانات.. نهاية الطرب في بلاد العرب
حذام خريّف
من صيف إلى صيف، يفتح انطلاق مواسم المهرجانات العربية الباب واسعا للكشف عن حال الأغنية العربية وأي الدرجات بلغت على سلم "المجد" الموسيقي وما حققه مطربونا "العظام" من تقاسيم جديدة أو مقطوعات لم يسبقهم إليها أحد؟، غير أن الخيبة السنوية هي أول ما يطالعنا بل إنها أنكى وأعظم من سابقاتها، حين نكتشف "أغنيات" هي أقرب إلى عواء في أدغال الأمازون منها إلى اللغة الآدمية بكل ما في الكلمة من معنى ومشاعر وألحان.
هذا الانحدار المريع الذي تجاوز حدود المنطق وأعلن بوقاحة عن نهاية الطرب في بلاد العرب، أصبح غير مسموح به على أكثر من مستوى، وبدأت السلط المعنية في أكثر من بلد عربي التصدي له، في محاولة شروط فشلها أوفر من نجاحها لتشعب القضية وتداخلها مع أكثر من عامل وسبب. على سبيل المثال، بدأت وزارة الثقافة التونسية في السنوات الأخيرة حملة تهدف إلى إعادة بريق مهرجان قرطاج الدولي بعد أن اعتلى خشبة مسرحه العريق مغنون وصفوا بأنهم "فنانو إثارة".. ونفس الخطة انتهجها مهرجان "الأردن"، "جرش" سابقا، و"بعلبك" و"بيت الدين" في لبنان.
صعود بعض الأسماء الفنية على مسارح قرطاج وبعلبك وبيت الدين وجرش وغيرها، أثار سابقا، جدلا كبيرا ووجّهت انتقادات حادة إلى هذه المهرجانات اتهمتها بالاشتراك في تشويه الذوق العام وتدنيس هذه المسارح الفنية العريقة، التي اعتلى خشبتها، في الماضي، أشهر مبدعي العالم وعمالقة الغناء العربي، بفناني الإثارة و"البلاي باك".
وأن تقاطع هذه المهرجانات من وصفتهم بـ"فناني الإثارة"، لا يكفي وحده، حتى يتحسّن حال الفن في بلادنا وتنقشع الغيوم التي تلبّد سماء الأغنية العربية؛ فحال هذه الأغنية لن يصلح بمجرّد عدم اعتلاء "فناني روتانا" أو "فناني الإثارة" ركح قرطاج أو بعلبك وغيرهما، طالما أن استعادة أمجاد هذه المهرجانات مرهون باستعادة أمجاد الأغنية العربية، واستعادة أمجاد الأغنية العربية مرهون بدوره باستعادة أشياء كثيرة فقدتها الأمة. ولأن الأغنية سليلة واقع راهن؛ ولأن الثورات تسطّر ملامح المجتمعات وتحدد فنونها وثقافتها، فإن حال الأغنية العربية، شأنها في ذلك شأن مختلف الفنون، تجسّد خير دليل على حالة الانهيار التام التي يعيشها العرب مشرقا ومغربا.
فن الزمن الجميل فن راق صوتا ولحنا وكلمات، أين نحن من ذاك الفن اليوم بعد أن وصل بنا الذوق الموسيقي إلى أن يُنصّب تامر حسني، مثلا، "ملك الجيل"؟.
والسيء بالسيء يذكر، فمنذ أن دخل العرب قبل أكثر من ثلاثين عاما في ماراثون لا يهدأ من التنازلات والمساومات على قضاياهم الجوهرية شهدت الذائقة الفنية العربية هبوطا حادا غشت خلالها الشعوب العربية غمامة سوداء، وتراجعت الأغنية العربية مثلما تراجع كل شيء له قيمة، فالانهيار الثقافي والسياسي والاجتماعي أدى إلى تراجع الإبداع الهادف والحي بكل أصنافه.. والأغنية كفنّ له قيمة ومقومات اختفت تماما وتحولت إلى كلمات ممجوجة وركيكة وكليبات تخاطب الغرائز. فولّى زمن عبد الحليم وحلّ زمن شعبان عبد الرحيم. وما لحق بالواقع العربي من انهيار شامل أجهز على آخر ما تبقى لنا من زمن الفن الجميل ودكّ آخر معاقل الأغنية العربية؛ فعجّل في اندحارها وجعلها تنضمّ إلى الهزائم الأخرى التي تعيشها الأمة..
هذه الهزائم جعلت مجموعة من الشباب تعلن الحداد على الأغنية العربية وتؤسس مجموعة على الـ"فايس بوك" تطالب من خلالها بحذف أشهر عشر أغنيات عربية، لأنها أصبحت مثيرة للضحك والشفقة. وهذه الأغنيات هي: "خلّي السلاح صاحي، وحدة ما يغلبها غلاب، بلاد العرب أوطاني، عنابي يا خدود الحليوة، وطني حبيبي الوطن الأكبر، أعطني حريتي أطلق يدي، أجراس العودة فلتقرع، عربي أنا اخشيني، خضرا يا بلادي خضرا، على بابي واقف قمرين"..
"فرائعة "خلّي السلاح صاحي" لعبد الحليم حافظ، استبدلتها الجيوش العربية بأغنية "والله زمان يا سلاحي". أما أغنية محمد قنديل "وحدة ما يغلبها غلاب" فلم يعد لها فائدة، لأن الغلاّب قد غلبها فعلا؛ و"بلاد العرب أوطاني" واجبة الحذف، لأنها أصبحت تعني تحريضا على التدخل في الشؤون السيادية للدول العربية. والنكتة الأكبر اليوم فهي ما تنادي به أوبيريت "وطني حبيبي الوطن الأكبر"، فالجيل الذي تربى على سماع هذه الأغنية، هاجر وتحول إلى جاليات مغتربة وأغلب أبنائه لا يتقنون اللغة العربية، أما من بقي في هذا الوطن فهو لا يعرف منه سوى الإهانة؛ ولأن الجيل العربي الحالي يعيش عمره في العبودية لم يعد قادرا على فهم معنى كلمة الحرية في "أعطني حريتي أطلق يدي".. وأغنية "خضرا يا بلادي خضرا" فقد أصبحت كذبة كبيرة لأن اللون الأخضر الذي كان منتشرا في كل الأرض العربية لم يعد موجودا إلاّ في أقلام التلوين.
وإذا كان العرب المسلمون في البلد الواحد لا يتفقون على الصوم معا بوجود قمر واحد، فكيف سيكون الأمر بوجود قمرين على رأي أغنية ملحم بركات "على بابي واقف قمرين"؟ أما أغاني الغزل والتغني بمحاسن الحبيبة فلم يعد لها من أهميّة، فخدود الحليوة العنابي أصبحت مصنوعة من السيليكون""، والـ"غزال اسكندراني" تحوّلت إلى "بحبّك يا حمار"!
لا ابداع ولا هوية ولا ذوقا فنيا.. هذا ما يحدث الآن للطرب في بلاد العرب في عصر العولمة وثورة الفضائيات، لذا يمكن أن نطلق على ما نعيشه الآن زمن "النكسة" في العالم العربي، نكسة تبدأ من الواقع السياسي لتصل إلى الرياضة مرورا بالفن والأدب.. نكسة جعلت مستوى الموسيقى العربية ينحدر ويتراجع حتى لم يعد لها أي موضع أو موطئ قدم في ساحة الأغنية العربية "الخبيثة"، وليست الحديثة كما يصنفها أساطين هذا التيار الجارف.
…ع ا ل
أطفال الفسفور الأبيض.. جريمة مسكوت عنها
د. فاضل البدراني
لكثرة الجرائم والمشكلات التي تمس حياة الإنسان والمجتمع أسدل الستار على جريمة الولايات المتحدة الأمريكية عندما استخدم جيشها الفسفور الأبيض بالفلوجة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2004، وأصبح شأن الناس وظروفهم بيد قوى الدمار الدولي كونها هي من يفتعل ما يغطي على الجريمة السابقة ليصبح مسلسل الجرائم مادة استهلاكية يتداولها الناس في أحاديثهم أو عبر صفحات الصحف وشاشات الفضائيات كظاهرة من سمات عصرنا المعقد، وهذه نظرية إعلامية نجحت في ابتكارها الولايات المتحدة منذ زمن بعيد، بدأ بجريمتها السابقة عندما استخدم جيشها القنابل النووية ضد هيروشيما وناغازاكي باليابان أثناء الحرب العالمية الثانية 1939- 1945، وما تزال آثارها الإنسانية ماثلة للعيان حتى اليوم.
وخلال الأسبوع الماضي نقلت قناة "الشرقية" الفضائية تحت عنوان "أطفال الفسفور الأبيض" في برنامج عن الشأن العراقي ما يثير الفزع لدى المشاهد، ذلك الموضوع دفعني لزيارة مستشفى الفلوجة وكذلك زيارة مستشفى طالب الجنابي الأهلي والوقوف على أدق التفاصيل حول تأثيرات الفسفور الأبيض الذي استخدمه الجيش الأمريكي في معركة الفلوجة الثانية 2004.
ورغم أنني وثقت بعض هذه الصور التي عرضتها القناة في زمن سابق، ولكن الغريب في الموضوع بعد الزيارة أني وجدت ما يقلق ضمير الإنسان بعد أن أطلعني الدكتور طالب الجنابي في مستشفاه الأهلي على وثائق تشمل صورا وأسماء وعناوين ووصفا لولادات خاصة جاءت مشوهة وأخذت تزداد يوما بعد آخر سيما وأن حالة التوثيق عندهم تحديدا بدأت في 23 حزيران/ يونيو 2006 وحتى يومنا هذا. وفي هذا المجال يقول الدكتور الجنابي إننا في السنة الثانية التي أعقبت معركة الفلوجة كنا نشهد حالة أو حالتين في الأسبوع، لكن الظرف الصحي بالمدينة تغير فأصبحنا نشهد ثلاث حالات وربما أكثر في الاسبوع في السنوات الثلاث الأخيرة؛ ويبقى هذا العام 2010 الأكثر خطورة على الطفولة بالمدينة بعد تزايد الولادات المشوهة.
ولقد أدهشني تقرير موثق بالصور لأطفال، أحداهم بعين واحدة، والثاني بطرفين ملتصقين ويطلق عليه "حوت البحر"، والثالث برأسين، والرابع بدون غشاء بطن فقط الأحشاء والقلب يظهر لك وهو يعمل حسبما هو في الصورة المتحركة، ولا أريد أن أقول الخامسة لأن الأرقام لا تحصى ولا تعد أو تحتاج لوقت طويل لكي تحصى ولكني وللاختصار أقول تجاوزت الألف حالة وأنا والله متواضع بهذا الرقم.
وحسب تأكيدات الأطباء فإن ما يظهر لهم في الولادات الحديثة اليوم شيء لم يكن مألوفا في الطب سابقا، وربما قرأوا عنه في إشارات محددة من كتب الطب لكن ليس بهذه البشاعة، وهي حالات نادرة، ولم تسجل مستشفيات العالم مثيلا لها مطلقا، فقط في هيروشيما التي عدت منكوبة، وهذه المعلومات نقلت لنا من أطباء يملكون تجارب غنية بالطب وشهادات عليا.
أكثر من ألف حالة موثقة في مستشفى الدكتور طالب الجنابي الأهلي بالفلوجة وهو لا يساوي من حيث الشهرة والإمكانيات ما يملكه مستشفى الفلوجة المركزي، لكن الأخير لم يقم بتوثيق مثل هذه الحالات، لكن تأكيدات وشهادات الأطباء فيه تشير إلى نسب كبيرة من الحالات تمر عليهم ولم توثق فعلا، بينما يقول أطباء مستشفى طالب الجنابي الأهلي إن الكثير من الحالات المتشابهة لم توثق بمعنى تكرار أكثر من حالة ولادة طفل بعين واحدة أو بدون مخرج أو بأطراف متلاصقة أو برأسين أو بدون فم أو بدون أنف وغيرها، يوثق لها نموذج واحد فقط لكثرة التكرارات.
واللافت للنظر أن غالبية العائلات عندما تفاجأ بأن طفلها مشوه، فإن همها يبدأ بكيفية التخلص منه وتنتابها السعادة عندما يفارق الحياة من دون تدخل، فيما وقفت هذه الإشكالية أمام عديد العائلات الفلوجية للعزوف عن الإنجاب. ودفعت هذه القضية الاهالي للاستفسار من الجهات الطبية والصحية عن الأسباب، ورغم وجود أكثر من سبب منها استخدام العقاقير الطبية في الأشهر الثلاثة الأولى للحمل بشكل سلبي أو أمراض تعتري الأم خلال فترة الحمل وغيرها، لكن كل الترجيحات تؤشر إلى تعرض بيئة الفلوجة لإشعاعات كيمياوية وأسلحة فسفور أبيض من خلال تحليلات طبية لمنظمات دولية ومحلية مختصة، وهو موضوع اعترف بارتكابه الجيش الأمريكي عام 2005.
ومن مؤشرات الوضع الصحي المقلق تزدحم الآن مستشفيات العراق والأردن وسوريا والهند بالمرضى العراقيين، كبارا وصغارا، من المصابين بالأورام السرطانية بشكل لو تكلفت منظمات إنسانية مختصة بإجراء دراسات طبية عنه لكان أمرا مخيفا قد يصل إلى حد تحريم السكن بهذه المدينة، مثلما قال أحد الأساتذة في جامعة طب بغداد، باعتبارها مدينة منكوبة.
ع ا ل
هل حزب الله صناعة يهودية / د. سـامح عبـاس
مع تصاعد وتيرة التوتر على الحدود بين لبنان و”إسرائيل” وبمناسبة مرور عشر سنوات على الانسحاب الصهيوني من جنوب لبنان بعد احتلال دام ما يربو من العقدين من الزمان أكدت ورقة بحثية تحمل عنوان “ حزب الله وفشل الدولة اللبنانية” صادرة عن المركز الأورشليمي للدراسات العامة والسياسية الصهيوني على أن منظمة حزب الله فى الأساس هي منظمة من صنع إسرائيل, أسهمت فى بلورتها وتعاظم قوتها سياسياً،عسكرياً واجتماعياً؛ الأمر الذي يعضد من الاتجاه الذي يؤكد على وجود علاقات خفية تربط بين إسرائيل من جهة وحزب الله وإيران من جهة اخرى, تلك العلاقات موجهة فى الأساس ضد الدول العربية السنية.
وقد أكد على ذلك أيضاً وزير الحرب الصهيوني إيهود باراك الذي اعترف فى حديث مع التليفزيون بمناسبة مرور عشر سنوات على الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان بأن حزب الله صنيعة إسرائيلية, ساهمت إسرائيل فى تبلوره وبروزه وقال :-” حزب الله لم يكن موجودا بتاتاً عندما دخلنا لبنان, بل أُقيم بسبب وجودنا هناك,وأن تعاظم قوته ليست نابعة لإنسحابنا من جنوب لبنان, بل بسبب وجودنا هناك”.
واستعرض “شيمعون شابيرا” مُعِد الورقة البحثية الصهيونية عملية نشأة حزب الله كذراع طولى للثورة الايرانية فى الدول العربية السنية, وقال أنه عقب الثورة الاسلامية فى ايران عام 1979 اتخذت طهران قرارا استراتيجيا بتصدير الثورة الاسلامية إلى دول العالم العربي والاسلامي, ولتحقيق هذا الغرض قام “الخوميني” بتعيين “آيات الله على منتظري” لتكرار سيناريو “الثورة الثانية” لذا تقرر تشكيل جهاز خاص عينه “منتظري” مهمته إقامة ودعم الحركات الاسلامية فى جميع انحاء العالم العربي والاسلامي, شريطة أن تتبنى النموذج الشيعي الإيراني.
وأشار الكاتب الصهيوني إلى أن لبنان كانت الهدف الأول لطهران لتطبيق النموذج الشيعي بها, ولتكون قاعدة انطلاق لتصدير الفكر الشيعي إلى كافة الدول العربية, وذلك بسبب وضعها السياسي والاجتماعي-الاقتصادي, فضلاً إلى كونها تتمتع بنسبة سكانية شيعية كبيرة, كانت تربطها صلات تمتد لسنوات طويلة مع ايران.
وأوضح “شابيرا” أنه خلال السبعينات من القرن الماضي تحولت لبنان بوطقة حامية لقيادات الثورة الايرانية, وأصبحت ملجأ بالنسبة لهم, تدربوا فيها على السلاح, ومنها خرجت صناعة شرائط الخوميني التى انتشرت فى جميع انحاء ايران، وكان لها دورا بارزا فى نشر فكر الامام.
وأكدت الورقة البحثية الصهيونية على أنه سبق لطهران وأن فشلت فى بسط سيطرتها على حركة أمل الشيعية اللبنانية قبل عام 1982, والتى كانت أكبر الحركات الشيعية فى لبنان فى ذاك الوقت,حيث رفضت تبني مبدأ الوالي الفقيه , أحد المبادئ الاساسية للجمهورية الايرانية , وتُلزم بضرورة الولاء الديني والسياسي للزعيم الايراني, لأنها كانت تعتبر نفسها في الاساس حركة لبنانية, ولائها فقط للدولة اللبنانية.وحسب الكاتب الصهيوني أنه عقب هذا الفشل الايراني قررت طهران إقامة منظمة شيعية جديدة تكون بديل لحركة أمل وتكون ولائها لإيران وتحقق تطلعاتها فى لبنان. وتولى السفير الايراني فى دمشق “على أكبر محتشمي” مهمة اقامة تلك الحركة, حتى قبل الغزو الاسرائيلي للبنان. وقام فى البداية بتشكيل “المجلس اللبناني” الذي يشارك فيه ممثلي الحركات الشيعية اللبنانية الموالية لإيران, وعلى رأسها المنظمات المناوئة لحركة أمل أو المنظمات التى أنشقت عنها, بعدها أقاموا منظمة حزب الله.
ويواصل شيمعون شابيرا الحديث عن مسيرة إقامة حزب الله الشيعي اللبناني فى إطار ورقته البحثية التى تدور حول سيناريوهات سيطرة حزب الله على لبنان خلال السنوات القادمة, مشيراً إلى أن إيران استغلت الفراغ السلطوي الذى نشأ فى لبنان عقب الغزو الاسرائيلي وأرسلت للبنان قوة تنفيذية من الحرس الثوري الايراني ضمت 1500مدرب ومقاتل, كانت مهمتها تدريب وتعليم المنضمين الأوائل لحزب الله, والمساهمة فى اقامة مؤسساتها, التى كانت نواتها الاولى فى مدينة بعلبك. وكان الزعيم اللبناني الثاني لحزب الله عباس موسوي قد تلقى تدريبا أولياً على يد كوادر الحرس الثوري الايراني فى لبنان .
وحسبما أكدت الورقة الصهيونية فإن الغزو الاسرائيلي للبنان فى صيف 1982, أسهم بشكل كبير فى تعظيم قوة حزب الله العسكرية, الى جانب ذلك أسهم الاحتلال الاسرائيلي للجنوب اللبناني الذى استمر من عام 1982 وحتى عام 2000فى تعاظم تلك القوة , واصبح حزب الله بمثابة الزيت الذى يوضع فى المحركات, واصبح يمتلك أيضاً قدرات عسكرية, سياسية واجتماعية.
وعن سيناريو السيطرة الوشيكة لحزب الله على جميع أنحاء لبنان, زعم مُعد الورقة الصهيونية “شيمعون شابيرا” أن الدولة اللبنانية قد فشلت فى بسط سطوتها وحكمها على الشيعة فى جنوب لبنان, وأصبح فيها احتكار استخدام القوة منوط فقط بيد حزب الله, بينما تم تجريد الحكومة اللبنانية من هذا الحق؛ وأصبحت مليشيات حزب الله الخاضعة لأوامر نصرالله أقوى بكثير من قوات الجيش اللبناني الخاضعة تحت قيادة الرئيس اللبناني ميشيل سليمان. كما أن المنظومة المدنية المتشعبة التى يقودها حزب الله أكثر ايجابية مع المواطنين بالمقارنة بما تقدمه الحكومة اللبنانية لهم. ويكفى الأشاره إلى أن الراتب الشهري لأى موظف يعمل فى المؤسسات المدنية التابعة لحزب الله تراوحت ما بين 600-800 دولار فى عام 2002, بينما راتب الموظف الحكومى يصل بالكاد فقط إلى 500دولار شهرياً.
وتابعت الورقة البحثية الصهيونية تأكيدها بأن حزب الله ليس فقط حركة قومية لبنانية , بل له تمثيل برلماني , بناء على موافقة خاصة صادرة من إيران فى مايو 1992, وبدأ يشارك فى الحكومة اللبنانية منذ 2005بعد خروج القوات السورية من لبنان. مؤكدة على أن ولاء حسن نصر الله ورجاله ليس للدولة اللبنانية ورئيسها ميشيل سليمان, أوحتى لرئيس وزرائها, بل ولائه لزعيم ايران فقط. هذا الولاء ليس دينيا فحسب , ولا تُشبه عموما صلاحيات البابا فى الفاتيكان من الناحيه الدينيه , بل هو خضوع سياسي فى كل شيء , لذلك يمكن اعتبار القوة العسكرية لحزب الله بأنها تتجاوز حدود كونها قوة عسكرية لحركة سياسية أي كانت, بل وتتجاوز قوة دول ذات سيادة, وعلى حد وصف وزير الدفاع الامريكي جيتس , فحزب الله الذراع الطولى لإيران.
وفى ختام ورقته البحثية أكد شيمعون شابيرا على أنه منذ عام 2006 وعلى خلفية تقدم التحالف الاستراتيجي بين سوريا وايران, اسهم فى زيادة تعاظم قوة حزب الله العسكرية. ويبدو أن الرئيس السوري يتعامل مع حزب الله على أنه ذراعه الطولى أيضا داخل لبنان. ومع اندماج هذين الذراعين معاً, الايراني والسوري على ارض لبنان التى فشلت وفقدت سيادتها , أصبح حزب الله الحاكم الحقيقي فى لبنان. وأنه مسألة وقت فقط حتى ينضج قرار حزب الله ويترجم قوة الاغلبية الديموغرافية إلى مصطلحات سياسية ويضع حجر الاساس للجمهورية الايرانية فى لبنان, بقيادة حزب الله لنشر الفكر الشيعي فى كافة الدول العربية ذات الأغلبية السنيه, حسبما زعم الكاتب الصهيوني.
إجمالاً نؤكد أن مثل هذه الأوراق البحثية والدراسات الصهيونية الأخرى التى تنشرها المراكز والمؤسسات البحثية “الإسرائيلية” يمكننا أن نستشف منها ما يكتب بين السطور بشأن العلاقات الخفية التى تربط بين الكيان الصهيوني والتيار الشيعي فى منطقة الشرق الأوسط, حتى وإن بدت أهدافهما بعيدة ومتناقضة, لكن مخططهما واحده تستهدف بالدرجة الأولى الدول العربية السنية, ويؤكد ذلك هو عدم استهداف اسرائيل حتى الآن لأية دولة عربية ذات غالبية شيعية, بل على العكس تماماً فنجد أول دول عربية أقامت علاقات وطيدة مع تل أبيب كانت دول عربية ذات تواجد شيعي كبير, مثل قطر والبحرين. فمثل هذه الابحاث والدراسات التى تعج بها وسائل الاعلام العبرية تمثل وثيقة للكشف عن العلاقات السرية بين اسرائيل من جهة وإيران ومن خلفها حزب الله من جهة أخرى.
مفكرة الإسلام
يهودي إسرائيلي من أصل روسي يكشف أسباب وأبعاد احتلال العراق
تنشر شبكة اخبار العراق نص المقالة التي كتبها احد اليهود الاسرائليين من اصل روسي والتي تناول فيها ابعاد وخلفيات احتلال العراق والاسباب الحقيقة الكامنه وراء ذلك. وفي مايلي نص المقالة التي كتبها( اسرائيل شامير) ووضع لها عنوان(( بيارق مزيفة ، حيل قذرة، وتفكيك العراق))
ينحدر المجتمع العراقي شيئا فشيئا الى الفوضى ، والكوميديانات وكتاب السخرية والمعلقون من كل الانواع اثاروا ضجة كبيرة حول عدم كفاءة وغباء قادتنا. ولكن كما قالت صحيفة سبيكتاتور الكندية مؤخرا اذا حدث ان الولايات المتحدة لا يديرها اغبياء “ينبغي على المرء الاستنتاج ان الفوضى والفقر والحرب الاهلية في العالم الاسلامي ، ليس نتائج غير مقصودة، بل هي بالضبط اهداف السياسة الامريكية.كما في 11 ايلول التي اطلقت “الحرب على الارهاب” فإن عدم الكفاءة هو التفسير (المفضل) ، لسيناريو الكابوس في العراق اليوم. ولكن خطة تقسيم العراق عرقيا وطائفيا موجودة في سجلات منشورة. واحياء لخطط صهيونية مبكرة ، دعا المجلس الامريكي للعلاقات الخارجية مؤخرا لانهاء “دولة العراق غير الطبيعية” بحجة تنوعه الاثني ، يقولون ان العراق هو بناء مصطنع ومزيف ونتاج قرارات استعمارية في بداية القرن العشرين. وهذا ينطبق على الكثير من دول العالم ولكن مع ذلك تبنى الفكرة مجموعات من (خبراء) لايحلمون بمناقشة وضع اقليم كيبيك، او الباسك او ايرلندة الشمالية. وبشكل نمطي ، اعتبر المحلل السياسي مايكل كلير مؤخرا ان العراق هو “دولة مفبركة من اجل تسهيل الاستيلاء على النفط في المنطقة وان البريطانيين خلقوا “مملكة العراق” الخيالية بلصق ثلاثة اقاليم من الامبراطورية العثمانية وانزلوا عليها بالباراشوت ملكا مزيفا جاءوا به من البلاد التي اصبحت السعودية” . وبقبوله منطق ادارة بوش الكاذب للاحتلال، عزا كلير المقاومة السنية بانها الرغبة في الحصول على حصة في عوائد النفط في التقسيم المستقبلي للبلاد. ومالم يفكر فيه هو ان تكون المقاومة تتجاوز (السنة) او انها قائمة بسبب الوطنية العراقية او الحاجة الى تقرير المصير. ان السهولة التي يقرر بها الاكاديميون الغربيون اعادة تشكيل البلدان التي يختارونها يعود الى تراث الاستشراق المستمر. ففي اسلوب كلاسيكي يرجع الى القرن التاسع عشر، تقول الطبقة الثرثارة ان العراق ، رغم تاريخ خمسة الاف سنة ، لايمكنه الان من ادارة نفسه وهكذا فإن مصيره يجب ان تقرره قوى خارجية. ان الدولة التي تماسكت وصمدت في 1991 خلال ستة اسابيع من اكبر حملة قصف في التاريخ (التي حسب الامم المتحدة ارجعت العراق الى عصر ماقبل الصناعة) واستمرت هذه البلاد في العيش والصمود لمدة 12 سنة من اقسى واشمل عقوبات فرضت على شعب من الشعوب، اصبح الان في خبر كان، كما يزعم الخبراء الغربيون. ومن اجل تعزيز نظريتهم ، يعاد بث اسطورة العداوات الطائفية القديمة وحجة “التدخل الانساني” ، وتلقم للصحف ووسائل الاعلام التي تنشرها بدون تحر او فحص حقيقة الهجمات (الطائفية) او حتى عرض وجهات نظرالعراقيين العاديين، الذين يلومون الاحتلال وصنيعته الحكومة في احداث الفوضى .وبدأ التحضير للعراق مباشرة بعد العدوان في 1991 مع فرض مناطق حظر الطيران في الشمال والجنوب ، بمعاونة الاعلام الغربي الذي بدأ يتحدث عن البلاد بصفتها ثلاثة اقسام معادية لبعضها البعض. لقد اقيم المسرح. أول خطوات تنفيذ الخطة المدبرة لتدمير المجتمع العراقي كان بالنهب المنظم للمتاحف (فقدت 170 ألف قطعة) وحرق المكتبات بعد 2003. كان هناك جانبان للنهب، الاول عشوائي وفوري، والثاني هو التهريب المنظم للاثار من اوروك ونمرود ونينوى ومسجد النبي يونس. السرقة كانت تحتاج الى بنى تحتية لوجستية مهيأة، في حين ان بيع الغنيمة صار سهلا بتدمير منظم لكل اراشيف وسجلات المتاحف ، وحين نصح اول رئيس للاحتلال وهو الجنرال جي جارنر بالحفاظ على الجيش العراقي واقامة حكومة تحالف ، أقاله وزير الدفاع رامسفيلد وجاء بخلفه بول بريمر الذي حل الجيش والمؤسسات الوطنية المهمة اضافة الى “اضاعة” 9 بليون دولار من عائدات النفط العراقي . وقد شكل الجيش الدمية (العميل) من المليشيات الكردية والشيعية ، وهي حركة متعمدة خصيصا لزرع بذور الطائفية . في هذه الاثناء بدأ قتلة مجهولون في اغتيال الاكاديميين العراقيين لإفراغ البلاد من عقولها وبهذا منع العراق من المعافاة.وحين نشطت جماعات المعارضة المسلحة في البلاد ، حدثت سلسلة من الاحداث التي تحمل طابع عمليات سرية مصممة لإذكاء الصراع الطائفي وتشويه المقاومة العراقية . فيما يلي ملخص لأهم تلك الاحداث المريبة:
1_بعد 12 سنة من وجودها في العراق ، تستهدف الامم المتحدة
حين انفجرت شاحنة محملة بالمتفجرات عند مقر الامم المتحدة بعد اربع شهور من الاحتلال ، وقتلت فيمن قتلت المبعوث سيرجيو فيرا دي ميلو و 19 آخرين ، شخص بريمر المجرمين كونهم احد اثنين :”ازلام صدام او مقاتلون اجانب”. ولكن على اية حال كان احمد الجلبي أحد عناصر مجلس الحكم قد تسلم انذارا قبل الهجوم بإسبوع، بأن “هدفا سهلا” سوف يهاجم ، ولكنه ليس “سلطة الائتلاف او قوات التحالف” ولكن الامم المتحدة التي سحبت حمايتها في ذلك اليوم ، لم تحذر.(صحيفة آسيا تايمز 20 آب 2003)
في تشرين ثان 2003، والمقاومة تنزل الخسائر بقوات الاحتلال، بدأ الاعلام والحكومة المؤقتة بقرع طبول غسيل دماغ طائفي. بعد اسابيع من التخويف بحرب اهلية، حصلت تفجيرات منسقة قتلت 143 شيعيا في كربلاء وبغداد، ووضع اللوم على “القاعدة” ولكن الصحفي روبرت فسك سأل السؤال البديهي “اذا كانت هناك جماعة سنية عنيفة تريد ان تخرج الامريكان من العراق، لماذا تريد أن تستعدي السكان الشيعة ضدها وهم الاغلبية في العراق؟” لم يجب أحد، واستمرت الهجمات غير المبررة . وفي بداية شباط 2004 زعمت السلطات الامريكية انها حصلت على رسالة من العراق تسأل “القاعدة” للمساعدة في صنع حرب أهلية. وتقريبا على الفور كما لو انه تأكيد للرسالة ، حدث انفجار قتل 50 من الشيعة في مدينة الاسكندرية. اعلنت الاندبيندانت “الارهابيون يشعلون حربا اهلية” مما يناقض اقوال سكان المدينة الذين ، بدون استثناء ، وصفوا الانفجار على انه قصف جوي “سمعوا صوت مروحية ووشيش صاروخ يهبط قبل الانفجار” والانفجار نفسه ترك حفرة عمقها ثلاثة امتار ، وهو ما يتركه صاروخ وليس سيارة مفخخة (الاندبيندانت 11/2/2004) .
2_القاعدة في العراق
كما هو حال المنظمة الأم ، لا شيء يبدو حقيقيا بالنسبة لهذه الجماعة حتى 2004 ، لم تنبس القاعدة وهي (سنية) بأي كلمة ضد الشيعة. ولكن فيما تتصاعد المقاومة العراقية ، طفا الى السطح فجأة الاردني (الميت) ابو مصعب الزرقاوي وهو يدعو الى الحرب ضد الشيعة (الكفار) ، ومضى لشن حملة موازية للهجوم على المدنيين بدلا من جيش الاحتلال . في السنوات التالية ، اينما ارادت القوات الامريكية شن عدوان في العراق ، كان يقال ان الزرقاوي “مختبيء” في تلك المنطقة، ودائما ينزلق من بين ايديهم ويهرب الى منطقة اخرى. في تشرين ثان 2004 دمرت الفلوجة وقتل الالاف من اهلها ومع ذلك كانت المراقبة الامريكية من الشدة ، بحيث انها شاهدت الزرقاوي بساقه الخشبية يهرب من اليوم الأول! كان الزرقاوي مثل سلاح دمار شامل متحرك يظهر عند اللزوم. وبقيت قصته لا تصدق حتى النهاية ، فإن الصورة التي بثت وهو مقتول ، تظهر جسدا خاليا من الاصابات الا من بضعة خدوش بينما الرجل قتل بقنبلة زنة 500 رطل.
3_نك بيرغ ومارجريت حسن وفضيحة ابي غريب
في نيسان 2004، اصبحت الفلوجة المدينة المقاومة الاولى وتحت سيطرة المقاومة، وفي نفس الوقت أثار الاضطهادالامريكي جيش المهدي في النجف ووجدت الولايات المتحدة نفسها تشن حربا على جبهتين ، وبرزت مظاهر التعاطف بين السنة والشيعة حيث تجمع في 9 نيسان حوالي 200 الف سني وشيعي للصلاة في جامع سني في بغداد حيث حذر الخطيب من حرب اهلية يصنعها الاحتلال حتى يطيل امد بقائه. وقد خرجت الى شوارع العالم احتجاجات على قصف الفلوجة ، ثم ظهرت صور التعذيب في ابي غريب مما قضى على البقية الباقية من مصداقية امريكا في العالم ، ومن اجل مكافحة هذه الدعاية الضارة بدأت جماعات مقاتلة غير معروفة تختطف الاجانب وتصدر فيديوات بشعة عن ذبح هؤلاء الرهائن . كان اول ضحية هو رجل الاعمال نك بيرغ وقيل ان الزرقاوي هو الذي ذبحه بيده ثأرا لما حدث في ابي غريب. ولكن وسائل الاعلام الخاصة والمستقلة جادلت في صور الذبح وبعد فحص من قبل جراح طب شرعي مكسيكي اتضح ان الرجل في الصورة كان ميتا بالفعل قبل الذبح.مارجريت حسن عاشت في العراق 30 عاما ومتزوجة من عراقي وقد عملت طوال حياتها في خدمة العراقيين ومعارضة العقوبات والغزو الامريكي البريطاني، وكانت تتحدث العربية جيدا مما يمكنها من الدفاع عن نفسها لو كانت الجماعة التي خطفتها هي جماعة (مقاومة ) حقا، ولكن المجموعة التي خطفتها لم تصرح عن نفسها ولم تطلب اية مطالب ولم تظهر معها على الفيديو واضعة اقنعة على الوجوه او ذكر آيات قرآنية ، لاشيء. وفي حين ان كل النساء اللواتي خطفن كان يطلق سراحهن فيما بعد حين يدرك الخطفون انهن لا علاقة لهن بالاحتلال، ولكن ليس مارجريت حسن . ومع ان محكمة عراقية قد حكمت على عراقي اسمه مصطفى سلمان الجبوري اتهم بتسهيل خطفها بالسجن مدى الحياة ، ولكن لا احد حتى الان ، تبنى اختطافها وقتلها.
4_خيار السلفادور
بعد وقت طويل من بدء ظهور اكوام الجثث على الارصفة ، ضحايا قتلة مجهولين، نشرت مجلة نيوزويك خبرا عن خطة للبنتاغون لاستخدام فرق الموت المكافحة للتمرد للقضاء على المقاومين العراقيين وانصارهم. وتأكد مايسمى “الخيار السلفادوري” والذي اطلق نسبة لحملة مشابهة في امريكا الوسطى في الثمانينيات ، بالتقارير التالية التي اشارت الى تورط وزارة الداخلية العراقية في فرق الموت. وفيما يتزايد عدد الضحايا ، أبرز الاعلام السائد الاخبار من زاوية متطرفي السنة يستهدفون مدنيين شيعة ابرياء. ولكن الحقائق اظهرت قصة مختلفة. طبقا لتقرير من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ، فإن أغلب هجمات المقاومة (75%) منها كانت موجهة الى القوات الاجنبية ، وهي تتجاوز بكثير اي هجمات اخرى في المسح الذي رتبت فيه الهجمات حسب العدد ونوع الهدف واعداد القتلى والجرحى. وفي تناقض شديد عن الصورة التي يقدمها الاعلام السائد، فإن الاهداف المدنية كانت تشكل 4.1% من الهجمات فقط. وبعد خروج 300 الف من جماهير الشيعة وهي اكبر مظاهرة في بغداد منذ 1958 تساءل السيد جنيد علام “هل كان سيخرج الى الشارع هذا العدد من الشيعة احتجاجا على الاحتلال لو كانوا يعتقدون ان المقاومة المسلحة التي يكثر فيها السنة كانت تهدف الى قتلهم؟” (موقع left hook بقلم م. جنيد علام في 18 نيسان 2005)
5_السيارات المفخخة
شهد عام 2005 تصاعدا في عمليات السيارات المفخخة ومعظمها موجه الى اهداف مدنية . ورغم انه قيل ان شبكة الزرقاوي لا تزيد عن 1000 شخص في العراق ولكن يبدو كأن لديه معين لاينضب من الرجال المستعدين للتضحية بأنفسهم للجهاد. ولكن كان هناك تفسير آخر.(يأتي الكاتب بأمثلة عن قصص تفخيخ الأمريكان لشاحنات يفتشونها ويدسون فيها عبوات دون ان يعلم صاحبها ويرشدونه للذهاب الى مناطق معينة ويفجرون الشاحنة عن البعد. يشير الى مصادر : مدونة د. عماد خدوري ومدونة ريفربيند)
6_القوات الخاصة البريطانية (ساس) في البصرة
يتحدث الكاتب عن واقعة الرجلين الذين يرتديان ثيابا عربية في مركبة محملة بالمتفجرات واعتقالهما من قبل القوات العراقية ثم اقتحام القوات البريطانية للسجن والافراج عنهما.
6_أزمة الرهائن الكاذبة
في السنة الثالثة للاحتلال اصبحت خطط تدبير فوضى طائفية اكثر وضوحا. في احدى الوقائع ابلغت شرطة بغداد قادة جيش المهدي بان مسلحين قرب قرية المدائن كانوا يحتجزون 150 مدني شيعي . وحين ارسل جيش المهدي مقاتلين الى تلك المنطقة للتفاوض لاطلاق سراحهم ، اطلقت عليهم النار وفقدوا 25 رجلا وقال مساعد في جيش المهدي “اعتقد ان هذا كان كمينا واطلاق النار كان كثيفا جدا”، مضيفا ان المهاجمين استخدموا قناصة واسلحة آلية ثقيلة. ولم يكن اهالي المنطقة على علم بأزمة الرهائن المفترضة ولم يكتشف اي رهائن هناك
7_سامراء والحرب الأهلية “ألا يمكن ان يكون هذا شيئا جيدا ؟”
رغم ان غسيل الدماغ الطائفي كان مؤثرا بوضوح ولكن العراقيون استمروا في طرد فكرة الحرب الاهلية. في اعقاب تفجير القبة الذهبية في سامراء ، ارتفع معدل القتل الطائفي في العراق الى درجة كبيرة وكان المسؤولون عن التفجير كما شهد حراس الجامع يرتدون زي الحرس الوطني حسب. والقوات المشتركة العراقية الامريكية التي كانت تقوم بدوريات في المنطقة المحيطة ، ساعدوا هجمات الميليشيا على مسجد سني في “رد فعل” مدبر مسبقا. كان رد فعل معظم العراقيين العاديين مختلفا تماما. وطبقا لسامي رمضاني “لم تكن اي من مسيرات الاحتجاج الفورية موجهة ضد الجوامع السنية . وقرب المسجد المفجر نفسه، شارك السكان السنة مع الاقلية الشيعية في المدينة في ادانة الاحتلال واتهموه بمسؤوليته عما حدث. في الكوت قامت مسيرة يقودها جيش المهدي في حرق الاعلام الامريكية والاسرائيلية. في مدينة الصدر ببغداد خرجت مسيرة هائلة ضد الاحتلال. ولكن الاعلام الغربي استمر في التشبث بكل واقعة منفردة كدليل على تفكك اجتماعي لايمكن علاجه. وقد كتب دانيل بايبس شاعرا بالارتياح لأن الصراع الطائفي يقلل الهجمات على القوات الامريكية حيث يقاتل العراقيون بعضهم بعضا. ثم بثت شبكة فوكس للانباء تصريحاته بعنوان على الشاشة يقول “اللجوء للحرب الاهلية ؟ حرب اهلية شاملة في العراق. هل يمكن ان تكون شيئا جيدا
8_التاريخ باعتباره سرا
مفتاح تبرير الهجمة الاستعمارية على العراق هو انتاج لا ينقطع من الأكاذيب. والصهيوني توماس فريدمان شبه عراق صدام بما كانت عليه الاباما من تفرقة عنصرية ايام شنق السود على الأشجار، حيث كان يعتبر الشيعة والاكراد في منزلة اقل من البشر. ولم يفكر فريدمان اثناء تحليله في الاشارة الى حقيقة ان وزير الصحة كان كرديا وان اثنان من الشيعة شغلا منصب رئيس الوزراء (سعدون حمادي ومحمد الزبيدي) او ان نائب الرئيس كان مسيحيا. في واقع الأمر ان العراقيين كانوا نادرا ما يسألون عن ديانة او عرق القادة والمسؤولين. لم يكن ذلك مما يهمهم.وفي اثناء ذلك كانت الاشاعات تجد صدى لدى منظمات (حقوق الانسان) حول قيام النظام العراقي بقتل 70 الف انسان كل سنة بدون ان يلاحظ احد. ولكن رغم كل ما يقال عن النظام ، فإن الزائر الذي كان يمر في بغداد في التسعينيات لم يكن يرى دبابات او مفخخات او اختطافات او ضربات جوية او نقص في الوقود او الكهرباء او معسكرات اعتقال كبيرة . وكما قال مايك وتني “لم يكن لصدام نية تفكيك الدولة والجيش والمؤسسات المدنية ، ولا نهب المتاحف او قتل المدرسين والمفكرين ، او التطهير العرقي للمسحييين والسنة ، او اثارة العنف بين المذاهب. لم يكن لصدام خطط زيادة سوء التغذية ولا تخفيض تدفق الماء النظيف ولا قطع الكهرباء او ازالة شبكة الحماية الاجتماعية زيادة الفقر والبطالة، او وضع العراقي ضدالعراقي في معركة ضارية للبقاء. لم يتبن صدام نظرية المحافظين الجدد حول الدمار الخلاق، التي دفعت بشعب كامل الى الفوضى بتخريب النسيج الاجتماعي العراقي وادت بالناس الى اللجوء الى الميليشيات من اجل أمانهم. “ان الحقيقة هي ان اقتراب ذروة الانتاج النفطي العالمي تهدد في اضعاف القوة الامريكية ومن هنا لم يكن يسمح لعراق صدام ، وهي دولة نفطية غنية ومستقلة في اهم بقعة ستراتيجية في العالم ان تستمر في البقاء. ولكن المقاومة الشرسة للاحتلال اجبرت الولايات المتحدة الى اللجوء الى خطتها البديلة (رسميا لم يكن لديها خطة بديلة) . في هذه الخطة يحدث شيء مثل الخطة التي اقترحها عوديد ينون لبلقنة البلاد. ينبغي تفكيك الدول المستقلة القائمة ، الى دويلات ضعيفة اقرب الى المحميات. التفاصيل قد تختلف ولكن تفكيك يوغسلافيا خدم بدون شك كنموذج. كتبت ديانا جونستون “في التسعينيات لم يعد المجتمع الدولي الذي تقووده الولايات المتحدة مهتما ببناء الأمم، بل أن تدمير الدول كان هو الشكل المناسب للتوافق مع متطلبات العولمة الاقتصادية (كتاب “حرب الأغبياء الصليبية: يوغسلافيا والناتو واوهام الغرب” للكاتبة ديانا جونستون 2002). ومن اجل هذه الغاية ،ـ في العراق كما في يوغسلافيا، تحالفت الولايات المتحدة مع “مفككي الدول” و زعماء الطائفية، وهي تنادي علنا باحترامها للسيادة الوطنية. ومن ازالة اي سوء فهم، اوضح منظرو المحافظين الجدد بقولهم “التوترات الطائفية “الطبيعية” سوف تتصاعد في غياب دولة قمعية لاخضاعهم. ولهذا السبب ، وتحت قيادتهم الحميدة (المحافظين الجدد) سوف يترك العراق ليتحلل الى مكوناته الاثنية.
9_العراق يقاوم
بعد قصف العراق في 1991، كان اعلان جورج بوش الاب عن “نظام عالمي جديد” من الهيمنة الامريكية ، تبنت منابر السياسة الخارجية ، فكرة الغاء الدول. في الواقع ، إن فرض نموذج التقدم الغربي على العالم بعد الحرب العالمية الثانية هو الذي انهى استقلال الدول التقليدي. الايديولوجية (الجديدة) كانت ببساطة الاعتراف بالحقائق على الارض. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، توقع دعاة فكرة اللادولة وهم يحتفلون بذلك الانهيار ، اقتراب (نهاية التاريخ) الذي سيرى كل شعوب العالم تندمج في حياة استهلاكية رأسمالية مدينية معولمة. وهكذا فإن “التنوع الفوضوي للثقافات والقيم والمعتقدات التي كانت سببا للصراعات في الماضي” سوف تزول بعملية التوحد السياسي والثقافي. مازال الوقت مبكرا لتخمين نهاية لهذه الرؤية الهاذية، ولكن في كل انحاء العالم ، يكافح الناس لصنع مستقبلهم ، بدون الاستماع الى نصيحة الصفوة المتفوقة. في العراق، الوعي بالصورة الكبيرة اكبر منه في اي مكان آخر. ولهذا لم يتحقق الانهيار في صراع طائفي شامل. وبينما تتصاعد المقاومة المسلحة في صراعها ضد الولايات المتحدة فهي ايضا تواجه الارهابيين الجهاديين السلفيين ، وهناك حلية تعلق في الرقبة اصبحت شديدة الرواج بين العراقيين تراها على الارصفة وفي التلفزيون في اعناق المذيعات وهن يقرأن نشرة الاخبار، الحلية بشكل خارطة العراق. وحين بثت محطات التلفزيون صور الشباب الذي يحمل الكلاشينكوف ويقف كتفا لكتف في مواجهة اقوى جيش في العراق في الفلوجة، كانت الصور ترمز لمقاومة اسطورية. ولكن الى جانب المقاومة المسلحة ، فإن الصحفيين والمفكرين والنقابات والعراقيين من كل الطبقات وكل في مجاله، يواجهون الهيمنة العسكرية الشركاتية . وعلى كل انسان ذي ضمير ان ينضم اليهم.
شبكة أخبار العراق
عنصرية الفكر.. إسرائيل وتشومسكي نموذجًا
تَأبَى إسرائيلُ إلا أن تضرب كل النماذج التي تثبت عنصريتها, حتى وإن كان تجاه أبنائها ممن يدينون باليهودية, فقد وصلت عنصرية إسرائيل المشينة مع منتقديها إلى ذروتها, بعدما منعت الحكومة مفكرًا أكاديميًّا معروفًا بوزن نعوم تشومسكي من الدخول إلى الضفة الغربية, حتى تؤكد بذلك الوصف الذي أطلقه عليها تشومسكي نفسه بأنها "دولة الفصل العنصري". بدتْ إسرائيل وكأنها "الفتوَّة المستبد" الذي يحارب سمو الفكرة بعدما قام أولو الألباب والعقول الناضجة بتوجيه الانتقاد اللاذع له, فيقوم الفتوة باعتقاله وطرده, هذا ما حدث عندما قامت إسرائيل بإيقاف الباحث الأمريكي البروفيسور الشهير نعوم تشومسكي عند جسر "اللنبي" ومنعه من الدخول إلى إسرائيل والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية=, والذي يمكن وصفه ببلوغ المعاملة المثيرة للحفيظة من الحكومة الإسرائيلية مع الذين يمتلكون الجرأة لانتقاد سياساتها ذروتها. يُعرف تشومسكي, يهودي عاش في إسرائيل لفترة وجيزة في الخمسينيات ويتكلم العبرية بطلاقة, بأنه مفكرٌ مثير للجدل وجريء, وقد فرضت أبحاثُه اللغوية احترامَه على الجميع واكتسب بسببها شهرة واسعة في جميع أنحاء العالم, لذا لا يمكننا تصور عدم شعور أي دولة بالفخر بزيارة تشومسكي لها, بغضّ النظر عن إسرائيل (الفتوة) التي لديها حسابات خاصة تود تسويتها معه. يهتم تشومسكي بالأحداث التي تجري في الشرق الأوسط ويعترض بشدة ويوجِّه الانتقادات الحادة لتصرفات إسرائيل وسياساتها في العديد من المقالات والمطالب والرسائل المفتوحة, فهو يمتازُ بالجرأة والصراحة في كتاباته السياسية وخطاباته, التي تهاجم بحدة أي حكومة يعتقد أنها تستحقُّ ذلك الانتقاد, وإن كانت إسرائيل.ولأن تشومسكي عبَّر عن رأيه بهذه الصراحة, قابلته إسرائيل بهذا العمل الأهوج, لتوضح للعالم برمته أنها دولة العنصرية الأولى في العالم, حيث "إن منع شخص من التعبير عن رأيه وطرده هو من مميزات الأنظمة الاستبدادية، وأن الدولة التي تدعي الديمقراطية لا يمكنها منع دخول زائرين بسبب آرائهم". وعلى غرار العديد من أعضاء الفكر اليساري في الولايات المتحدة, فقد شجب تشومسكي وأدان بشدة الاحتلال الإسرائيلي وعبَّر عن تعاطفه مع النضال الفلسطيني ضد هذا الاحتلال, وفي السنوات الأخيرة كثيرًا ما وصف تشومسكي إسرائيل بدولة الفصل العنصري, كما أنه دعا إلى تجميد بناء المستوطنات وكذلك مقاطعة جميع الهيئات التي تدعمها, سواء في إسرائيل أو في الخارج (بما في ذلك في الولايات المتحدة).إسرائيل, وبعد هذا الحادث أعطتْ كل نموذج على عنصريتها الفكرية, ومحاربة المفكرين وكل من يُدلي برأيه فيما يعتقده, وقد رحَّب اليمينُ المتطرف بما حدث, واصفًا تشومسكي بالهارب والخائن وعدو للشعب.أما عن تفاصيل الحادث كما أفادت مراسلة صحيفة "هآرتس", أميرة هاس, التي تصف ما حدث كما لو كان تم اقتباسه من المسرح العبثي, أو يمكن اعتباره بعضًا من السخرية السياسية, فالأسئلة التي طُرحت على تشومسكي من قِبل مفتش الحدود, بناء على أوامر من رؤسائه, لا بد من قراءتها وإعادة قراءتها مرة أخرى حتى يمكن تصديقها. حيث أبلغ المفتش تشومسكي أن "إسرائيل".. "لا تحب ما تقوله", فهل هذه ذريعة معقول تستند عليها دولة تدّعي الديمقراطية لاعتقال شخص واستجوابه أو احتجازه حتى على الحدود؟ ومن "إسرائيل" هذه التي لا تحب ما يقوله تشومسكي؟ هل هو الشعب الإسرائيلي؟ أم أنه وزارة الداخلية؟ أم الحكومة؟ وقبل فوات الأوان, ولإصلاح بعض الضرر الذي سببته هذه الحماقة الضارة, دعا الكثيرون من المعلقين والكتّاب الإسرائيليين الحكومة, وزير الداخلية إيلي يشاي ورئيس الوزراء نتنياهو, بتقديم الاعتذار الفوري لتشومسكي والتأكد من السماح له بالتحرك بحرية في الأراضي المحتلة وجميع أنحاء الضفة الغربية, بما في ذلك جامعة بير زيت, "إن القرار يعكس حالة هستيريا في إسرائيل" حسب قول أحد المعلقين.
هاآرتس
بدانة ومجاعة!
مشهدان واقعيان –على فرط غرابتهما وتناقضهما- رصدتهما ذي أتلانتيك الأمريكية، وفرونت لاين الهندية، لأناس يموتون من البدانة وآخرين يلقون حتفهم جوعًا.. حقًّا إنه عالم واحد!
(المشهد الأول)
يرصده "البدين" السابق، وكبير المستشارين السياسيين في شبكة تليفزيون (سي بي إس نيوز)، "مارك أمبيندر":يوجد في الوقت الحاضر 1.02 مليار شخص يعانون من نقص التغذية في مختلف أنحاء العالم، معظمهم من الدول النامية، لكن في الولايات المتحدة، تشير الإحصاءات إلى أن % 4.7 من السكان يواجهون الموت المبكر بسبب الزيادة المرضية في الوزن، مقارنةً بالأشخاص الأصحَّاء الذين لا يعانون منها.في العام 1960 حينما اهتاج الرئيس "جون كينيدي" بسبب مقال حول زيادة الوزن حمل عنوان (أمريكا الرقيقة) كان قرابة 45% من البالغين الأمريكيين يعانون من زيادة الوزن، من بينهم 13% مصابون بالبدانة، وفي الشريحة الأقل عمرًا، والتي تتراوح ما بين 6-17 عامًا، كانت النسبة 4% وقد ظلَّت معدلات البدانة مستقرة نوعًا خلال العقدين اللذين تليا ذلك، لكن الفترة ما بين 1980 و 2000 شهدت تضاعف هذه الأرقام؛ ففي العام 2001 أعلنت إدارة الصحة العامة في أمريكا أن البدانة قد وصلت إلى معدلات "وبائية"، بعدها بسبع سنوات، ومع استمرار ارتفاع معدلات البدانة، كان 68% من الأمريكيين يعانون من زيادة الوزن، و 34% مصابين بالبدانة، بمعنى أن ثلث الأطفال والمراهقين تقريبًا كانوا يعانون من زيادة الوزن، وخمسهم مصابون بالبدانة، حتى أضحى الأمريكيون يستهلكون حاليًا 2700 سُعر حراري يوميًّا، وهو ما يزيد 500 سعر حراري عن معدلات الاستهلاك منذ 40 عامًا خلت.وفي العام 2010 لا تزال أمريكا متربعة على عرش "أسمن" الدول المتقدمة، بمعدلات بدانة تفوق ضِعف مثيلاتها في العديد من الدول الأوروبية.نتيجةً لذلك، يدفع الأمريكيون ثمنًا باهظًا؛ فالمصابون بالبدانة أكثر عرضةً للإصابة بالاكتئاب، والتغيُّب عن المدرسة أو العمل، والشعور برغبة في الانتحار، وجني القليل من المال، وإيجاد صعوبة في الزواج، وهؤلاء تكلِّف رعايتهم الصحية الكثير سنويًّا.ومن المتوقَّع بحلول العام 2015 أن يصاب 40% من الأمريكيين بالسمنة، التي كان كاتب هذا الموضوع واحدًا من ضحاياها حتى العام الماضي، وإذا لم تتوقفْ أمريكا عن التهليل لـ (الخاسر الأكبر)، وتبدأ في التحرك بجدية لمحاربة البدانة، فمن المتوقع أن تغمر البلاد أمراضًا مزمنة، وتكاليف صحية متضخِّمة.
(المشهد الثاني)
ترصُدُه مجلة فرونت لاين، من الهند حيث يحصد الجوع 5 آلاف شخص يوميًّا، ويدفع الفقر البعض للانتحار جماعيًّا، مؤكدةً أن تلك الدولة تضمُّ أكثر أطفال العالم إصابةً بالهزال والنحافة ونقص النمو والتقزُّم:تشير الإحصاءات إلى أن الهند تزرع ما يكفي لإطعام سكانها البالغ عددهم 1.2 مليار نسمة، لكن السيئ في الأمر أنها تشكِّل أضخم تجمُّع للجياع في العالم، حيث يعاني ما يقرب من 300 مليون هندي من الجوع، وهو ما يفوق سكان عدد من الدول مجتمعة، وقد واجهت الهند خسائر كبيرة في المحاصيل العام الماضي نتيجة الفيضانات والجفاف، مما دفع قرابة 1500 مزارع إلى عمليات انتحار جماعي، في حادث أثار ذهول الكثيرين.ويحصد سوء التغذية أرواح ملايين الأطفال في الهند كل عام، وتكشف العديد من الحقائق خطورة وشراسة أزمة التغذية التي تواجه الهند، ذلك أن قرابة مليوني طفل، دون سن الخامسة، يموتون في الهند سنويًّا، من بينهم أكثر من مليون حالة وفاة يمكن نسبتها إلى الجوع وسوء التغذية، وتقدر التقارير المتاحة عدد الأطفال الذين يموتون سنويًّا نتيجة سوء التغذية في ولاية "ماهاراشترا"، ثالث أكبر ولايات الهند، وحدها بـ 45 ألفًا، وللأسف لا تصل معظم حوادث الوفاة من هذا النوع إلى وسائل الإعلام عادة، وفي معظم الأوقات تمرُّ وفيات الأطفال ومعاناتهم بسبب سوء التغذية دون أن يلاحظها أحد، رغم أن الهند من بين الدول الأكثر إصابةً بسوء تغذية الأطفال، وهو ما أصاب رئيس الوزراء "مانموهان سينج" حين وصفه بـ "الخزي الوطني".ويؤثر مرض التقزُّم على قرابة 195 مليون طفل، دون سن الخامسة، في العالم المتقدم، من بينهم قرابة 61 مليونًا، وهو الرقم الأكبر، يعيشون في الهند، ويؤثر نقص الوزن على 71 مليون طفل، دون الخامسة، في العالم المتقدم، من بينهم قرابة 25 مليونًا في الهند، ومن بين الـ 129 مليون طفل دون الخامسة الذين يعانون من النحافة في العالم المتقدم، يعيش 45 مليونًا منهم في الهند.في الفترة بين عامي 2005 و 2006 كان 43% من أطفال الهند، دون الخامسة، مصابين بنقص الوزن، و48% مصابين بالتقزم، بينما في الصين 7% من الأطفال في نفس السن مصابون بنقص الوزن، و 11% فقط مصابون بالتقزم، حتى أن معدلات نقص وزن الأطفال أقل بكثير في أفريقيا، حيث 21% من الأطفال دون الخامسة مصابون بنقص الوزن، و 36% مصابون بالتقزم.(الجانب المظلم للنمو الاقتصادي في الهند يتمثل في تعرُّض الطبقة المهمَّشة إلى المزيد من التهميش، مما زاد من أمراض الجوع وسوء التغذية والوفاة بسبب الجوع"، كما أوضح البروفيسور "بابو ماثيو"، مدير مؤسسة "أكشن أيد إنديا".المثير للدهشة أن الهند مصنفة من بين الدول الثلاث الأولى في مجال الضمان الاجتماعي؛ إذ تمتلك أفضل تشريعات بين الدول النامية في مجال التغذية، ووجبات الدراسة المجانية، وضمان التوظيف، وإعانات الغذاء للفقراء، والمعاشات، إلا أن "تطبيق هذه التشريعات لا يزال تحديًا كبيرًا في ظل غياب الاعتراف بحقوق الفقراء، بحسب "عمار جوتي" رئيس حقوق الغذاء في مؤسسة "أكشن أيد إنديا").ويرتبط ارتفاع نسبة إصابة الأطفال بسوء التغذية بالقاعدة البشرية العريضة، التي جعلت من أطفال الهند الأكثر إصابة بالتقزم، والهزال، ونقص الوزن عالميًّا، ووفقًا لآخر تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، تضمُّ الهند 31% من أطفال العالم المتقدم المصابين بالتقزم، و 42% من هؤلاء المصابين بنقص الوزن.في الواقع ليس من الإنصاف أن يعاني العديد من الأطفال ويموتون بسبب نقص التغذية، لا سيما في دولة (مثل الهند) تقدم أداؤها الاقتصادي بشكل ملحوظ خلال العقدين الماضيين، وأكثر ما يثير الانزعاج في هذا السياق هو خطوات التطور المتثاقلة كسلحفاة في تغذية الأطفال.أغريب ذلك؟ ربما، لكن الأغرب منه أن تجد البدانة والمجاعة متجاورتَيْن في نفس القطر، المدينة، القرية، بل البناية.
علاء البشبيشي
المطر السارق
نشأت حداد
بعثرني المطر - واشتركت في بعثرتي أرصفة الطريق -وأحذية بعض المارة - وكلمات جريدة خاوية الحروف .بين الحاويات الساكنة على أطراف الزقاق بدأت أشلائي الباردة تلملم فتاتها – وتتجمهر حولها العيون الثاقبة والجاحظة في سهام الرذاذ– بينما معطفي كان يغطي بعض الأجساد التائهة في الصقيعبعثرني المطر وسرق مني الرقص والغناء وكثافة الحب – وحطم زجاج نوافذي المطلة على رائحة الهمس والبارودوالسجائر وأكواب الشاي والقهوة وحبات الهال –كما سرق لون الليل والنهار –وهرب مختفيا بين ندى الورود وبكىفي ليالي الهمّ كانت تترنح فوق أكتافي زخاته – متباهية بأوجاعه فوق الهموم – تتثاقل منها أوراق الشجر فتميل – ويسقط منها لونها فوق التراب الذي تحول إلى طين – فترسم الطيور عليها آثار أقدامها وتطير – حاملة معها رسائلي ورائحة أنفاسي –حيث تحلق عاليا لكنها لا تعرف أين يأخذها المصير .......
شبكة الأدب العربي
الأدب العربي في بلاد الاغتراب
بقلم: يحيى الصوفي
ها أنا ذا أقدم وبنفس الحماس والجدية أدب أخر متعارف عليه وله بصمته ولونه الخاص... انه الأدب العربي في بلاد الاغتراب والمهجر
وقد فضلت تطعيم "تزويج" التسمية القديمة المتفق عليها لهذا الأدب والمعروفة تحت اسم (الأدب المهجري) بصفة أخرى هي (الاغتراب) لتصبح التسمية الجديدة لهذا الأدب أكثر واقعية وشمولية من الاسم القديم وتتناسب مع وجهه الجديد. خاصة مع تغير مواطن الهجرة وأسبابها ونوعية الكتاب الذين يكتبون ويعبرون عن مشاعرهم –ربما عن غير قصد من خلاله- في مواطن اغترابهم ومصدر رزقهم الجديد، دون أن يتحولوا إلى مهاجرين رسميين. ودون أن يتجاوزوا المحيطات ليستقروا في الأوطان المهجرية التقليدية المعروفة في الأمريكيتين.فإذا كان اسم أدباء وشعراء المهجر يطلق عادة على نخبة من أهل الشام المثقفين الذين هاجروا إلى الأمريكيتين ما بين أواخر الثمانينات من 1800 وحتى أواسط 1900 وكانوا بحكم الطبيعة الجغرافية لمواطن الهجرة ينقسمون إلى أدباء المهجر الشمالي (وهم الأدباء العرب الذين هاجروا إلى الولايات الأمريكية المتحدة والى مناطق أخرى من أمريكا الشمالية. وهم مجموعة الرابطة القلمية التي تأسست عام 1920 على يد جبران خليل جبران ورفاقه).وأدباء المهجر الجنوبي (وهم من هاجر إلى مناطق أمريكا الجنوبية كالبرازيل والأرجنتين والمكسيك وفنزويلا. وأسسوا هناك ما سمي بالعصبة الأندلسية).بالإضافة إلى قسم آخر لم يكنوا أعضاء في أي من تلك الروابط (ولم تنالهم الشهرة المطلوبة لتفرقهم في مواطن هجرة غير معروفة نسبيا كاستراليا وأوروبا وإفريقيا وبعض البلاد العربية.فان الأجيال التي تلتهم في الهجرة في أواخر القرن التاسع عشر وخلال القرن العشرين -رغم تنوع انتماءاتها الوطنية والثقافية والجغرافية- لم تبتعد كثيرا في رحلة اغترابها وهجرتها عن بلدانها. وتميزت بثقافة ثورية حديثة قائمة على محاربة الديكتاتورية والظلم والاضطهاد والاستبداد الذي عشش ونما في بلدانها الأصلية. وتبنت أفكار جديدة تتعلق بحرية الرأي وحقوق الإنسان، بدلا من تلك التي عرف بها الأدب المهجري التقليدي والذي كان ينادي بمحاربة الفقر والجهل ويطالب بالاستقلال.واتخذت من الأشكال الأدبية الأخرى (كالرواية والقصة والمسرح والمقالة والنثر) -بعد انتشارها في الأوساط الأدبية والثقافية- وسيلة للتعبير عن هواجسها ومطالبها بعد إن كانت محصورة فقط بالشعر.وذلك بعد أصيبت بخيبة أمل كبيرة. وطال انتظارها لأي تغير حقيقي وملموس -على هذه الصعد- من قبل الحكومات والأنظمة العربية المتعاقبة منذ الاستقلال.وبعد أن فشلت سياسة الخنوع والتبعية والمراءاة (النفاق الثقافي) التي مارسها بعض المثقفين -بحكم الأوضاع الإقليمية التي رافقت تواجد الدولة اليهودية على أجزاء من ارض فلسطين التاريخية. والنكسة التي رافقتها وما تبعتها من خسائر وانتكاسات متكررة للجيوش العربية في استعادة الأراضي العربية المغتصبة- وكانت مكافئتها الوحيدة -في الغالب- على مواقفها الوطنية ضد المشاريع الاستعمارية التي غزت المنطقة (كمشروع روجرز والهلال الخصيب وكيسنجر وتوطين الفلسطينيين في البلاد العربية التي هجروا إليها) الملاحقة والاضطهاد والسجن وفي بعض الأحيان القتل.رغم كل ما بذلته من دعم معنوي وسياسي لتلك الأنظمة وتلك الحكومات وبما قد لا يتفق مع تطلعاتها وقيمها وفهمها لموضوع الاستقلال والحرية، حتى لا يتهموا بالعمالة والخيانة لأوطانهم.وهكذا فلقد شهدنا هجرة من نوع جديد تتفق في بعض أوجهها إما مع انتماءات عدد من الكتاب والمثقفين السياسية أو مع حاجة البعض الآخر للابتعاد عن المواجهة والصدام مع أنظمة لا خير فيها ولا أمل.وتغيرت وجهة المغتربين والمهاجرين التقليدية باتجاه القارة الجديدة (أميركا) -مع توفر وسائل الاتصالات والنقل الحديثة واكتشافهم لقوانين جديدة تحميهم (اللجوء السياسي) وتؤمن المأوى والأمان والاستقرار لهم ولعائلاتهم في بلاد الهجرة الجديدة- لتشمل معظم أنحاء المعمورة.وخاصة أوروبا وإفريقيا واسيا والبلاد العربية جميعها تقريبا !؟. حيث كانت تستقطب -بحكم خلافاتها فيما بينها- المثقفين المعارضين لكل منهما !؟.هذا بالإضافة إلى ظهور نوعيات جديدة من الأدباء والشعراء والمثقفين المغتربين الذين اتخذوا من البلاد العربية النفطية مكانا لغربتهم يؤمن لهم الأمان والاستقرار العائلي والمالي. وغلب عليهم الوجه الأنثوي الذي لم يكن معروفا من قبل.وتحول مركز الاهتمام الثقافي والإبداعي للمثقفين العرب من البلاد العربية التي عرفت تاريخيا باحتضانها النخبة المثقفة كلبنان ومصر إلى البلاد العربية النفطية لما أولته تلك الأخيرة من اهتمام بوسائل الاتصال والإعلام والمكتبات والمعارض والمطابع ودور النشر الحديثة.ومن سخرية الأقدار أن يتحول الجيل الجديد من رواد المثقفين والأدباء في المهجر من موقف المعارض لسياسة الدول الاستعمارية التقليدية كأمريكا وأوروبا إلى لاجئ لديها يدافع -بحكم حاجته للتخلص من الظلم والاستبداد في بلاده- عن مفاهيمها في الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان !!!؟؟؟.مما أوقعهم في ورطة كبيرة قد لا يجدوا خلاصا منها إلا بعد زمن طويل جدا يدفعون خلاله الثمن باهظا من سمعتهم وأخلاقهم وتمسكهم بمبادئهم السامية. لما تحتويه من تعارض صارخ مع القيم الدينية والأخلاقية والإخلاص للوطن !؟.وأخيرا فان كل ما أتمناه وارجوه هو أن أكون قد وفقت باختياري... ووفقت بما أوردته وجمعته وصنفته وقدمته عن هذا الأدب (الأدب العربي في بلاد الاغتراب والمهجر) رغم شحة المعلومات والمصادر حوله.وأنا وكما عودت قرائي سأتابع رفده بالوثائق والمعلومات والدراسات والأمثلة التي كتبت حوله. وكما كانت حالي مع كل ما قدمته من أصناف الدراسات الأدبية وبالأخص منها أدب المرأة وأدب الطفل والأدب الفلسطيني حيث لازلت أطور العمل عليها بما يتفق مع طموحاتي بجعل الموقع مصدرا ثقافيا هاما لا يمكن تجاهله.
الدولة ونظريات النشأة
في العهود الماضية – باستثناء المدن اليونانية القديمة والتي عرفت نوعا منالديمقراطية المباشرة – ساد طويلا مفهوم خاطىء وغير علمي للدولة ، فقد كانتالدولة تنصهر في شخصية الحاكم ، فكان الحاكم هو الدولة . ولكن هذا المفهومالمشّوه للدولة بدأ ينحسر وينتهي وبالذات بعد الثورة الفرنسية في عام 1789حيث بدأت تسود الديمقراطية وماتقوم عليه من مبدأ سيادة الأمة ، فلم تعدالسيادة للحاكم بل للأمة ، وبدأ الفكر الإنساني والواقع السياسي يعرفإنفصال الدولة عن شخص الحاكم بحيث أصبح الحاكم مجرد فرد أو أفراد أو هيئاتتختارهم الأمة لتمثيلها وتمثيل الدولة ، يتغير أشخاصها ولكن تبقى الأمةوتبقى الدولة ككيان مستقل يتمتع بشخصية معنوية .. تنفصل عن شخصية الحاكم .
الشكل الأول للدولة (المدينة الدولة (
اليونان نسبوا صفة (بوليس ) الى "الدولة المدينة" وتعتبر هذه العبارة جذرالسياسة في لغتنا . رغم أنها ليست الشكل الإستثنائي للدولة ، إلا أنها تمثلالدولة اليونانية أفضل تمثيل .
ليست أجهزة (البوليس) كثيرة العدد، وهي ليست معقدة الأشكال . فهي تمثلالعناصر الثلاثة الأساسية الموروثة عن العهد البدائي . الملك ومجلس القدماءوأخيرا الشعب . أما العلاقات الممكن نسجها بين العناصر الثلاثة هذه فهيمرتبطة بتغيرات البنى الإجتماعية التي تحملها وليست رهنا لأية نظريةدستورية مطلقة . إلا أن القاعدة النموذجية لما أصبح لاحقا النظام السياسيالبرجوازي قد وضعت في (البوليس المدينة (
تعريف الدولة
إختلف علماء السياسة في مسألة تعريف الدولة ومعايير تميزها عن المجتمعاتالسياسية الأخرى فالبعض يرون أنها عبارة عن مجموعة دائمة ومستقلة منالأفراد يملكون أقليما معينا، وتربطهم رابطة سياسية مصدرها الإشتراك فيالخضوع لسلطة مركزية تكفل لكل فرد منهم التمتع بحريته ومباشرة حقوقه . وعرفها آخرون بأنها مجموعة كبيرة من الناس تقطن على الدوام إقليما معيناوتتمتع بالشخصية المعنوية والنظام والإستقلال . لكن الشيء الذى يؤكده علماءالسياسة والاجتماع على حد سواء أن مصطلح الدولة يشير الى رابطة تسمح بوجودقيادة سياسية . ويعرفها (كابلان )kaplan بأنها "جماعة إقليمية ذات سيادة "
أسس الدولة المثالية لدى أرسطو
يعمد أرسطو-كما عمد إفلاطون – إلى بيان تفصيلي لنظام الدولة المثالية ،إنما إقتصر فحسب على بيان العناصر والأسس التي تقوم عليها هذه الدولةالمثالية التي يطلق عليها أحيانا ( الحكومة الدستورية ) وأحيانا(الجمهورية ) . وتتلخص تلك الأسس فيما يلي :
1 - حكومة قانونية : أي أنها حكومة يدين حكامهابمبدأ سيطرة أحكام القانون ،وعليه فشئون الحكم انما تدار وفقا لقواعد عامة لا بمقتضى قرارات أو أوامرفردية تحكمية .
2 - الهدف هو الصالح العام : وعلى ذلك فلا يجوز أن تستهدف الحكومة صالح فردأو طبقة من الطبقات حتىولوكانت هذه الطبقة هي الأغلبية ، انا يجب أن يكونالهدف هو المصلحة العليا للأمة جميعا .
3- رضاء الشعب : أي أن الحكومة يجب أن تكون موضع رضاء الشعب بحيث لا تستند الى مجرد القوة وحدها لتدعيم سلطانها .
أصل نشأة الدولة
إستنبط المفكرون والباحثون مذاهب ونظريات عدة لتفسير أصل نشأة الدولةويمكن تلخيصها فيما يلي :
(أولا) المذاهب التيوقراطية Doctrines Theocratiqueses ويعرفهاأنصارها بأنها المذاهب القائلة بأن السلطة مصدرها الله ، وأن الدولة إنماهي نظام إلهي أي من صنع الله .
وينقسم أنصار هذه المذاهب إلى فريقين :
(أ)الفريق الأول يأخذ بنظرية الحق الإلهي المباشر . ويرى أن الدولةكانت من صنع الله بطريقة مباشرة وأن الله قد إختار الملوك مباشرة لحكمالشعب .
(ب) الفريق الثاني يأخذ بنظرية الحق الإلهي غير المباشر . ويرى ا، الدولةكانت من صنع الله بطريقة غير مباشرة وأن الله لا يتدخل مباشرة لإختيارالسلطة الحاكمة ، وإنما يتم تدخله بطريقة غير مباشرة عن طريق توجيه الحوادث، وإرادة الشر توجيها من شأنه أن يؤدي إلى ذلك الإختيار ! .
(ثانيا ) المذاهب الديمقراطية
ويقصد بها تلك المذاهب التي ترجع أصل السلطة أو مصدرها إلى الإرادة العامةللأمة ، وتقررأن السلطة لاتكون مشروعة الا حينما تكون وليدة تلك الإرادةالعامة للأمة . وبعبارة أخرى :المذاهب الديمقراطية هي القائلة بسيادة الأمة .
طبيعة السيادة
السيادة Sovereignity هي الخاصية الرئيسية المميزة للدولة ، وهي أساسامفهوم قانوني يشير الى القوة العليا النهائية . ولكل دولة هيئة أو جهاز ذوسيادة لديه القوة العليا التي تخول له حق ترجمة إرادة الدولة الى صيّغقانونية نافذة المفعول ومثل هذه الهيئة ذات السيادة قد تكون شخصا، أومجموعةأشخاص
سيادة الأمة
تعتبر نظرية سيادة الأمة نظرية فرنسية في نشأتها ، إذ أن الفقه الدستوريينسبها إلى المفكر السياسي الفرنسي جان جاك روسو . وإن كان كان هناك منالمفكرين من سبقه الى هذه النظرية ! . وطبقا لمضون سيادة الأمة فإن السيادةكسلطة عليا لا ترجع إلى فرد أو أفراد محددين بذواتهم ، ولا إلى هيئة معينه، بل ترجع إلى الأمة ذاتها بإعتبارها وحدةمجردة و مستقلة عن الأفرادالمكونين لها . ولكنها ترمز إليهم . فالسيادة مملوكة للأمة كشخص جماعي يمثلالكافة .
ونظرا لأن الأمة هي الصاحب الفعلي للسيادة بإعتبار الأمة وحدة لا تتجزأ ،فإن السيادة تصبح هي الأخرى (كل واحد) غير قابل للتجزئة على الأفراد . ومنخصائص السيادة أيضا بجانب عدم قابليتها للتجزئة ، كونها لا تقبل التصرففيها كما لا تقبل التملك بمضي الوقت . والجدير ذكره هنا الى أن أول منتطرق للسيادة ككل واحد هو لوبريه في كتابه سيادة الملك الصادر في 1632 حيثإعتبر أن سيادة الملك كل واحد غير قابل للتجزئة أو الانتقال أو التحول ،وإن كان قد إعترف بأن السلطة قد أصبحت ملكا للشعوب التي تتمتع بحق السيادة . ويقول روسو أن الحكومة لكي تصبح شرعية عليها أن تطيع الشعب صاحب السيادة ،ويقول في العقد الاجتماعي ( كل منا يضع شخصه وكل قوته تحت الإدارة العلياللإرادة العامة ، ونحن نتلقى كهيئة كل فرد باعتباره جزءا لا يتجزء من الكل )
وينتج عن هذا أن للإرادة العامة La volonte generale وحدها الحق في قيادةقوة الدولة وتوجيهها نحو الهدف المنشود للصالح العام ، والإرادة العامة هيإرادة الأفرادفي جملتهم ، وهي ليست مجموعة إرادات الأفراد ، ولـكنها روحعامة تعبر عن الصالح العام وهي وحدها مصدر القانون ولها السلطة المطلقة دونوجود أي واسطة أو ممثلين ، لأن علاقة الأفراد بالدولة يجب أن تكون مباشرة ،ولكن السلطان الذي يمارس السلطة العامة له حدود لا يجب أن يتعداه.
والإرادة العامة الكلية إرادة مستقيمة دائما ، إنها إرادة الشعب كله ،والشعب لا يريد إلا المنفعة العامة ومن خرج عن الخضوع لها أرغمه المجتمععلى ذلك ، يقول روسو: ( لكي لا يكون العقد الاجتماعي مجرد صيغة جوفاء ،فإنه ينطوي ضمنا على التعهد الوحيد الذي يدعم سائر التعهدات ألا وهو أن كلمن يرفض إطاعة الإرادة العامة ، فإن المجتمع كله يضطره إلى الطاعة ، ولايعني ذلك إلا أنه يجبر على أن يكون حرا ! . )
سيادة الشعب
تتفق نظرية سيادة الشعب مع نظرية سيادة الأمة في كونهما يجعلان السيادةلجماعة الأفراد وليس لأشخاص الحكام . ولكنهما يختلفان بعد ذلك اختلافاموضوعيا جوهريا .. فنظرية سيادة الأمة تمنح السيادة للأمة ذاتها كوحدة لاتقبل التجزئة ومستقلة عن الأفراد المكونين لها . بينما نظرية سيادة الشعبتعطي السيادة لأفراد الشعب أنفسهم وبذواتهم .
فطبقا لنظرية سيادة الشعب تنقسم السيادة وتتوزع على جميع افراد الشعب ،بحيث يملك كل فرد منهم جزءا من السيادة متساويا مع أجزاء باقي الأفراد ،وبلا تفرقة بين حاكم ومحكوم . وحول ممارسة السيادة التي تندمج مع التشريع ،يرى روسو بأنها يجب أن تبقى في هيئة الشعب . وممارسة السلطة التشريعية منحق الشعب وحده . والذين يضعون التشريعات هم المفوضون من الشعب وليسالممثلين .
(ثالثا) نظرية القوة
يرى أنصار هذه النظرية أن الدولة هي من صنع القوة والعنف ، فهي تقوم علىأساس حق الأقوى ، وفي ذلك يقول بلوتاركPlutarque أن أقدم القوانين التييخضع لها العالم هو قانون حكم الأقوى وسيطرته على الضعيف ولقد قيل تأييدالهذه النظرية أن حوادث التاريخ جاءت شاهدة عل صحتها إذ هو غالبا مايبين لناأن عنصر القوة يغلب وجوده أكثر من عنصر التعاقد (الرضى والإتفاق ) كمبعثأو مصدر لنشأة دولة جديدة .
فالدولة تنشأ عندما يستطيع فرد أو فئة من الأفراد فرض قوتها على باقيالأفراد الذين يخضعون لقوة الطرف الأول الذي يمثل (السلطة الحاكمة ) . وإذاكان الإختلاف بين الهيئة الحاكمة والطبقة المحكومة مصدر القوة والغلبة ،فإن شكل القوة كان يتمثل لدى الكتاب القدامى في القوة المادية وحدهاكالانتصار في الحروب !
ولكن في نظر الكتاب الأحدث تأخذ القوة معنى واسعا بحيث تشمل إلى جانب القوةالمادية أشكال ومظاهر أخرى : كالقوة الفكرية والاقتصادية أو السياسية ،وهذه النظرية قد تصدق على نشأة كثير من الدول القديمة ، حيث كان للقوة دورامؤثرا في نشأتها . ولكنها لا تصدق في نشأةالدول الحديثة نسبيا . فالسعيمن أجل القوة والرغبة في تأكيد الذات هما وفقا لرواد (نظرية القوة ) الغريزتين الأساسيتين لدى الإنسان ، وكان الإنسان يعبر عن هاتين الغريزتينفي الصراعات الحادة التي شهدها المجتمع الإنساني .
وحينما تقام الدولة فإنها لاتستطيع بأية حال أن تتخلى عن القوة والسيطرةوالغلبة ، فهي بحاجة إلى إستخدام القوة لتفرض سيادتها داخليا وخارجيا . فكأن الدولة هي من صنع قانون الأقوى ، والسلطة في الدولة تتمركز لدىالأقلية التي لها القوة والنفوذ ، تلك القوة التي قد يختلف شكلها أو مظهرهامن كونها مادية أو أدبية أو فكرية أو إقتصادية الخ .- وهو ماأراه منسجمامع شكل السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية - .
لقد أستخدمت هذه النظرية إستخدامات مختلفة بواسطة المفكرين لكي تخدمأغراضهم الخاصة ، فقد إستخدمها آباء الكنيسة في العصور الوسطى لتبرير سيادةالسلطة الدينية على السلطة السياسية . فقد ذهبوا الى أن الدولة هي نتاجللقوة ، علىحين أن الكنيسة هي نظام مقدس من صنع الله ، وهذا بالتالى مايبررتفوقها وعلو شأنها !
كذلك إكتشف الماركسيون أصل الدولة في سيطرة طبقة على أخرى ، والدولة هيآداة الإستغلال الطبقي . على أن نظرية القوة هذه ، وإن كانت تجد تدعيماتاريخيا إلى حد ما ، فهي تتعرض لعدة إنتقادات . فهي تبالغ في تصوير أهميةجانب واحد فقط من الطبيعة البشرية ، ويتماثل الجانب الآخر الذي يرتكز علىالتعاون ورغبة الإنسان في الإستقرار
والسلام والأمن . ومن الملاحظ أن نظرية القوة معادية لروح الديمقراطية ،فالجدل والمناقشة هما أساس الديمقراطية . هذا فضلا عن أن نمو وتطور القانونالدولي ونشأة المنظمات الدولية قد حدد العلاقات بين الدول ، ومنع إستخدامالقوة أو التهديد ، وبعبارة أخرى يمكن القول أن الدور الذي تلعبه القوة فيالمجال الدولي لم يعد هو الدور الأساسي الوحيد .
(رابعا) نظام العائلة .
يرى أنصار هذه النظرية هذه النظرية أن الجماعة البدائية الأولى في أقدمعصور تاريخ البشرية إنما كانت العائلة ، ثم إجتمعت بضعة عائلات فتكونتعشيرة ، ثم أدى إجتماع بضعة عشائر إلى تكوين قبيلة (وذلك في حالة جماعاتالبدو الرحل ) وحين إستقرت على بقعة من الأرض تكونت القرية ، كما أدىإجتماع بضعة قرى إلى تكوين دويلة "مدينة " وإذا كانت العائلة أو الأسرة هيالخلية الأولى للدولة أيضا يرجع أساسها وأصلها الأول إلى فكرة السلطةالأبوية لرب الأسرة على أفرادها .
وتذهب النظرية الأبوية للدولة Patriarchal Theory إلى أن الدولة هي نتاجالتطور الطبيعي لنظام العائلة الذي كان الانتساب فيه إلى خط الذكور ، وكانالجد الأكبر هو الحاكم المطلق . وقد قرر (سيرهنري مين ) رائد هذه النظريةفي مؤلفه " القانون القديم والتاريخ المبكر للنظم " أن هناك شواهد تاريخيةتدعم نظريته ، وأن هذه الشواهد مستمدة من الملاحظات الحديثة التي تناولتتلك الحضارات الأقل تقدما من حضارتنا ، وكذلك السجلات التي إحتفظت بهاأجناس معينه عن تاريخها القديم ، ثم من القانون القديم . غير أن هذهالنظرية تصطدم مع الحقائق العلمية ! فعلماء الإجتماع يؤكدون أن الأسرة لمتكن هي الصورة الأولى للجماعة البشرية وهذا أول نقد هام لأساس هذه النظريةالتى أرجعت نشأة الدولة إلى الأسرة .
كذلك يشهد التاريخ بأن كثير من الدول لم تنشأ على أساس هذا التطور ،فالولايات الأمريكية مثلا لم تنشأ على هذا النحو ، وهناك العديد من الدولكذلك – غير أنني أعتقد أن تلك النظرية قد تنطبق على بعض الدول التليدة التينشأة من أصل أسرة واحدة وفي أزمان موغلة في القدم ، وما مسميات بعض تلكالدول والتي تنسب الى أسماء أشخاص إلا دلالة واضحة على ذلك ! –وأخيرا نظريةتطور الأسرة هي محل للنقد حينما تماثل بين سلطة الحكومة في الدولة وبينسلطة رب الأسرة على إعتبار أن السلطة الأبوية هي أصل السلطة الحكومية !
هذا التشبيه لا يستقيم نظرا لإختلاف طبيعة السلطتين تماما ، فسلطة ربالأسرة على أفرادها هي شخصية مرتبطة بشخصه هو وتزول بزواله أو بإستقلالأفراد الأسرة منه . أما السلطة الحاكمة فهي سلطة غير شخصية ، لا ترتبط بشخصهذا الحاكم أو غيره ولا تنتهي إذن بزوال هذا الحاكم أو ذاك . فهي دائماسلطة مجردة موضوعية ومنفصلة عن شخص من يمارسها .
(خامسا) نظرية التطور التاريخي (الطبيعي )
يقول أنصار هذه النظرية أن كل أمة تتكون وتتطور (وتصبح دولة ) تطورا طبيعياطبقا لظروفها الخاصة وبناء على عوامل متعددة . وتؤدي هذه النظرية –فيمايرى بارتملي –إلى تقرير مبدأ هام : هو أن أفضل نظام للحكم لشعب من الشعوبهو ذلك النظام الذي يرى أكثر ملائمة لدرجة تطور الشعب ومستواه من المدنيةفي زمن من الأزمنة ، وبذلك يعد أفضل نظام لحكم فرنسا مثلا في آخر القرنالسابع عشر هو النظام الملكي !
ويعتبر (ديجي) من أهم الفقهاء الذين إعتنقوا نظرية التطور التاريخي .فهويعرف الدولة على أساس التضامن الإجتماعي القائم على الإختلاف السياسي .
فالدولة لديه عبارة عن ظاهرة إجتماعيةتنشأ مع واقع حياة الأفراد الذينيشعرون بضرورة التضامن الإجتماعي فيما بينهم ، ونتيجة الإختلاف السياسي بينأفراد المجموعة
تنشأ بينها طبقة حاكمة وطبقة أخرى محكومة . وطبقة الحكام إستطاعت أن تفرضسلطتها على الطبقة المحكومة نتيجة ماتملكه من وسائل القوة والتأثير ، سواءمن الناحية المادية أو الروحية أو الإقتصادية أو بغير ذلك من الوسائل .
وترى نظرية التطور التاريخي تلك ، أن الدولة لم تنشأ نتيجة عامل واحدبذاته كالقوة أو الأسرة أو إتفاق إرادة الأفراد في عقد ، وإنما نشأت الدولةنتيجة عوامل متعددة تفاعلت معا فيما بينها على مر الزمن وأدت إلى إجتماعالأفراد وظهور طبقة من بينهم إستطاعت أن تفرض سلطتها على باقي الأفراد ، أيأدت إلى ظهور هيئة حاكمة وطبقة محكومة وبالتالي نشأة الدولة .
يقول ( جارنر) Garner "ليست الدولة من صنع العناية الإلهية! وليست نتاجالغلبة القوة الفيزيقية ، ولا هي من خلق الإعتقاد ، وليست مجرد إتساع وتطورللأسرة ".لقد أوضح علماء الإجتماع في العصر الحديث أن الظواهر الإجتماعيةلا يمكن تفسيرها بالإضافة إلى عامل واحد. والدولة شأنها شأن أي ظاهرة أخرىفي الحياة الإجتماعية قد مرت خلال مراحل للنمو والتطور، فهي إذن نتاجللعملية التطورية التي يشارك بها أكثر من عامل واحد . وخلال مراحل التطورهذه أخذت الدولة أشكالا وصورا متعددة . وهكذا يقال إن النظرية التطورية –وهي أكثر النظريات قبولا عن أصل الدولة – تستند إلى تفسير تعددي للظواهرالسياسية ..
وقد أكد عدد من علماء الإجتماع الأوائل من أمثال (باجوت ) و(سبنسر ) أنالدولة شأنها شأن المجتمع تشهد عملية تطور تدريجي من البسيط إلى مرحلة أكثرنضجا وتكاملا وقد حدد باجوت في مؤلفه (الفيزياء والسياسة ) ثلاث مراحللتطور الحكومة :
المرحلة الأولى : هي مرحلة الإعتماد على التقاليد وهي لا تعرف وجودا للحكومة .
والمرحلة الثانية : هي مرحلة الصراع بين الجماعة وهي بداية ظهور الحكومة .
والمرحلة الثالثة والأخيرة : وهي التي تتميز بالمناقشة والتوفيق وترتبط بنضج الحكومة .
كذلك يذهب سبنسر في مؤلفه (مبادىء علم الإجتماع ) إلى تحديد شكلين للمجتمع هما
المجتمع القبلي العسكري والمجتمع الصناعي يخضعان لمبادىء التطور المجتمعيالذي أقرها.كما أشار (جيدنجز) إلى مراحل ثلاث هي : العسكرية الدينية ،والتحررية القانونية ، والإقتصادية الأخلاقية . على حين نجد أن (هوبهاوس) يقسم تاريخ الحكومة إلى حقبات هي : القرابة والسلطة والمواطنة .
ويعتقد عدد من علماء الإجتماع المعاصرين أمثال (لوي) أن كافة المجتمعاتقد شهدت نظاما معينا للحكومة يسعى إلى تنظيم علاقة الأفراد ويحمي مصالحالجماعة ، ثم حدث أن تطورت الدولة ببطء من الشكل البسيط إلى الشكل المركب . ويقول (جاتل) "إن الدولة مثل كل النظم الإجتماعية الأخرى ، تنشأ عن مصادرمتنوعة وتحت ظروف مختلفة … ومن العسير تحديد تقسيم دقيق ونهائي بين الأشكالالمبكرة للتنظيم الأجتماعي التي لا تتضمن وجود الدول والأشكال التىأعقبتها وكانت تنطوي على وجود الدول " ومع ذلك فقد أسهمت ميادينالأنثروبولوجيا ، وفقه اللغة ، والآثار حديثا في إلقاء الضوء على أصلالدولة ، وتذكر على سبيل المثال دراسات (راتزل) و (روث ) و( وريرفرز )و(وليامسون ) التي أمدتنا بمعلومات قيمه عـن وسائل الضبط الإجتماعي فيالمجتمعات البدائية – وعلى أساس من السجلات المتاحة أمكن إستخلاص بعضالتعميمات حول أصل الدولة .
ومهمة النظرية التطورية (التاريخية) اليوم هي أن تلقي الضوء على القوىوالعوامل التي عملت على إيجاد الوحدة والتنظيم في الجماعات الإجتماعيةالمبكرةتلك التي أدت إلى ظهور الدولة ، ويمكن تحديد هذه القوى على النحوالتالي :
1- القرابة
يقول (ماكيفر ) " إن القرابة هي التي أوجدت المجتمع ، والمجتمع بدوره هوالذي أوجد الدولة " . ولقد عملت روابط القرابة هذه على تدعيم مشاعر الوحدةوالتضـامن بين
الناس ، تلك المشاعر التي تعد أساس الحياة السياسية . هذا فضلا عن أنانحدار الأسرة عن أصل واحد أوجد أكبر يوجد لدى الأفراد احتراما للحقوقوالواجبات التي تفرضها القبيلة .
2- الدين
لعب الدين كقوة أساسية في تكوين الدولة دورا هاما خلال التاريخ . فلقد عملتالصور الأولية للحياة الدينية على تقوية روابط التضامنالإجتماعي بينالشعوب البدائية والقبلية . وأكد الدين البدائي على أهمية الجزاءات وكانعاملا أساسيا من عوامل الضبط في هذه المجتمعات.
3- الأنشطة الإقتصادية
التعاون هو أساس الحياة الإقتصادية وهو يتطلب الإمتثال لبعض القواعدالمقررة . وكان ظهور الملكية الخاصة والفوارق الإجتماعية الراجعة إلىالثروة من بين العوامل الرئيسة التي ساعدت على إيجاد قواعد جديدة تنظم هذاالموقف المتغيّر ، وهذا بدوره هو ماشجع عل صياغة القوانين المنظمة لتلكالعلاقات ، بل أن التنظيم الحكومي بصفة عامة يستهدف في الحقيقة حمايةالأفراد وتنظيم واجباتهم .
4- القوة
أكد عدد من الدارسين دور القوة في بناء الدولة . فقد نظر ماركس -على سبيلالمثال-إلى الدولة على أنها من نتائج السيطرة الإقتصادية للطبقة التيتستغلها كوسيلة لإستغلال الجماهير ! ولا يمكن إغفال دور الحرب في بناءالدولة والدفاع عنها وتحقيق السلام أحيانا.
5- الوعي السياسي
إن الوعي بوجود مصالح مشتركة تربط الجماعة ببعضها ، والحاجة إلى إيجادالتنظيمات التي تحقق هذه المصالح وتدافع عنها يعد عاملا رئيسا في بناءالدولة ، بل أن التنظيمات السياسية قد نشأت نتيجة لمثل هذا الوعي في معظم الحالات .
مسؤولية الشاعر
باسم الانصار
من البديهي القول ان ازمة الشعر الحالية يتحملها المتلقي من جهة والشاعر من جهة اخرى . وبامكاننا ان نلخص مسؤولية المتلقي في هذه الازمة ، بهيمنة النزعة الاستهلاكية عليه وبأميته وتخلفه وبتقليديته في التلقي ونحن هنا نتحدث عن المتلقي العربي بشكل عام وليس بشكل مطلق . ولكننا نود الحديث هنا الان عن مسؤولية الشاعر في نشوء ازمة الشعر ، لاننا نعتقد بأنها مسؤولية ليست بالقليلة ويجب على الشاعر ان يكون جريئا في الاعلان عن مسؤوليته في نشوء هذه الازمة ، لان ذلك سيجعله يواظب في الاجتهاد والتأمل الحقيقي في قضية الشعر ومصيره ، وبالتالي سيجعله يطور نصه الشعري من خلال ازالة بعض المفاهيم المتكلسة عن الشعر ومن خلال اضافته لبعض المفاهيم الجديدة التي تواكب ينابيع الرؤى والجمال المتأسسة في داخله من جهة والتي تواكب روح العصر وليس شكله طبعا من جهة أخرى .
نتمنى ان يتجرأ الشاعر في الاعلان عن ان مايكتب الان من شعر في غالبه الاعم مكرر من حيث النحو والبلاغة ، ومكرر بشكل مقرف ايضا من حيث بنية القصيدة وشكلها . على الشاعر ان يعلن بأن الكثير من المفاهيم عن بناء القصيدة مازالت مشوهة في عقول الكثير من شعراء الاجيال الشعرية العراقية والعربية على حد سواء . عليه ان يعلن بأن شعرية اللغة مثلا لاتكمن في المفردة البليغة او في الكلمة القديمة التي اكل الدهر عليها وشرب أو في أية كلمة كانت ، وانما شعرية اللغة تكمن في البناء الجديد للجملة وفي الخلطة العجيبة التي تجمع الكلمات سواء كانت بسيطة او تافهة( هذا اذا كانت هناك كلمة تافهة).
اليس من السخرية ان نسمع هنا وهناك من الشعراء من يتحدث عن البلاغة بصورتها القديمة في القصيدة حتى الان ؟ اليس من السخرية ان يبحث بعض الشباب عن الاشكال القديمة وعن البنى الكلاسيكية للقصيدة بحجة انتاج قصيدة شعر جديدة تنافس قصيدة النثر ؟ اليس من المضحك المبكي ان نرى الشعراء يهملون الصورة الشعرية في قصائدهم بشكل غريب مع اننا نعيش في عصر الصورة ؟ اليس من الغريب ان يكتب الشعراء قصيدة حرة مستندة على بناء لغوي ايقاعي يكتب خارج الاوزان الشعرية المعروفة ويطلقون عليها قصيدة نثر ؟ اليس من العجيب ان يكتب الشعراء قصيدة النثر بشكل مشطر من دون ان يطرحوا اسباب تشطيرها المعروفة اسبابها ؟ اليس من الغريب ان يصر الشعراء على استخدام الكلمات الميتة في قصائدهم ؟ اليس من الغريب ان يبتعد الشعراء عن استخدام المفردات القريبة من روح المجتمع بحجة عدم بلاغتها او بحجة وضاعتها ومألوفيتها للعامة ؟ اليس غريبا ان يصر الشعراء على اهمال الفكرة الشعرية والحدث الشعري مثلما اهملوا الصورة الشعرية ومن قبلها الجملة الشعرية القائمة على التركيب المغاير والجديد لكلماتها المكونة لها ؟ اليس من الغريب ان يتعامل الشعراء مع النص الشعري الجديد القائم على النبرة الشفهية بشكل فج ؟ اليس من العجيب ان لايفقه الشعراء ان الشعرية لاتكمن في الايقاع وانما تكمن في محتوى الجملة من صورة شعرية ومن كلمات مركبة بشكل مختلف ؟
اننا في طرحنا لهذه التساؤلات المشروعة والمهمة نود زحزحة الراكد والمتكلس من المفاهيم الشعرية في عقول الغالبية من شعراء الان ، ونود كذلك اشعارهم بأن مسؤولية ازمة الشعر لايتحملها الطرف الاخر من المعادلة الا وهو المتلقي ، وانما هم انفسهم ايضا.