دارالمصدرالدوليـة

للنشر والصحافة والإعلام

المملكــة المتحدة - لنــدن

 


نسخة الـ PDF


اصدار خاص

بمناسبة اسبوع المرور الخليجي 2010

PDF تصفحها



دار المصدر الدولية

للصحافة والنشر والاعلام


ثورة أحمد عرابي في مصر


ثورة مصر / والشرق الأوسط الجديد


الإنسان لا يشعر بالثراء

 

 


شخصية الإنسان تحدد حالته الصحية


باحث: ظاهرة برودة الرجال الجنسية تتسع عالميا

 

 

 


أخلاق الطاعة وتحولاتها التاريخية

 


الجهد المعكوس

 


هل الرجال أقل وفاء من النساء

 


الانطباع الأول لا يسقط من الذهن

 


السيارات الكهربائية <صمتها> خطير

 


عنوان وحيد لعمر مديد.. رياضةالتأمل

 


ألمانيا تشهد أول حالة شفاء من الإيدز في العالم

 


في قبضة "الأنا".. الأنانية هل هي مرض أم سلوك متأصل؟

 


ممارسة الجنس تحمي قلوب الرجال

 


رياضة المشي ..سر العمر المديد

 


كاتب بريطاني: السنوات العشر القادمة حاسمة في تاريخ الإسلام

 


اليونيسيف: الشعوذة خطر يهدد أطفال افريقيا

 


محراب .. سجادة الصلاة الطبية


النمط النباتي في العالم .. يتزايد

 


١٩ مليون صيني مسنّ تجاوزوا الثمانين

 


اسرار الكعب العالي تكشف في دراسة بريطانية

 


الوصايا السبع لحماية القلب

 


سابع كسوف كلي للشمس هذا القرن

 


جميرا.. شاطئ النساء يتعرض لغزو المتحرشين والمتشبهات بالرجال

 


صحف: دعوات سعودية للتصدي للعابثين بالفتاوى

 


تايسون يبكي لأكثر من ساعة ونصف أمام قبر الرسول ص

 


مكة المكرمة تخطّط للوصول إلى أفضل مدن الشرق الأوسط

 


ليدي غاغا تتفوق على أوباما بـ10 ملايين معجب بفيسبوك

 


مادونا وابنتها لولا تستعدان لإطلاق مجموعة أزياء

 


الانترنت مجانا لفقراء مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية

 


الأمم المتحدة تؤسس وكالة جديدة خاصة بشؤون المرأة

 


عاصفة رعدية تضرب تمثال المسيح!!

 


التجريب المسرحي في الجزائر: التمرد على السائد والمتوارث


عالم دين مسيحي: المسيح لم يُصلب

 

 


والد مايكل جاكسون يقاضى طبيبه بشأن وفاته

 


أوباما يعلن اليوم مزايا صحية جديدة

 


مصريون يدعون للزواج عبر الفيس بوك لخفض التكاليف

 


 


 


المياه تتدفق على سطح القمر أكثر مما نتصور!

 


أطفال الفسفور الأبيض.. جريمة مسكوت عنها

 


براكين تحت سطح البحر تحمي مناخ الارض

 


يهودي إسرائيلي من أصل روسي يكشف أسباب وأبعاد احتلال العراق

 


السعودية تستعد لتدشين ساعة «مكة المكرمة»


لماذا يموت الرجال قبل النساء؟.. الجنس هو السبب

 


العالم قادر على توليد 95% من الكهرباء بالطاقة المتجددة

 


مثقفون يجتمعون بمهرجان فاس للموسيقى الروحية

 


نصائح تخلصك من اكتئاب ليالي الشتاء الباردة

 


ماكدونالدز" تسحب أكواباً برسوم سامة

 


الطبيعة وقود الروح وتزيدك نشاطاً وحيوية

 


أنت على الانترنت إذا أنت موجود

 


معايير الجمال: معادلة أزلية.. حلها حيّر الأذواق

 


انهم يراقبون كل ضغطة زر تقوم بها!


الشمس كما لم ترها من قبل


كهف الوحوش يكشف أسرار تاريخ مصر


عنصرية الفكر.. إسرائيل وتشومسكي نموذجًا


'دولة العوانس' تهدد المجتمع الجزائري


ثورة من الداخل


كاريكاتير


hit counter


دبلوماسيات...برئاسة فاروق الشرع حوار وطني في سوريا | جماعات...ثوّار اليمن يطلقون إذاعتهم | ازمات...فاينانشال تايمز : القذافي يوافق على التنحي | ازمات...إصرار أمريكي على نقل السلطة في اليمن | ازمات...القذافي : فرنسا منعت مواصلة الحوار
قريباً ... قريباً ...قريباً ... قريباً ...قريباً ... قريباً ...قريباً ... قريباً ...قريباً ... قريباً ...قريباً ... قريباً ...


 

ثورة أحمد عرابي في مصر

( وما أشبه الليلة بالبارحة )

 

د.صالح الشادي*

 

"لقد خلقنا الله أحرارا ولم يخلقنا تراثا وعقار . فوالله الذي لا إله هو إننا سوف لا نورَث ولا نُستعبد بعد اليوم ". أحمد عرابي .

       يقول الرافعي عبد الرحمن أن " الثورة العرابية كانت ثورة دفاع عن الحق ، ودفاع عن الحياة ، وليس من ينكر ما كان عليه معظم الرؤساء الشراكسة والترك وغيرهم من الغلظة والغطرسة والزراية بالمواطنين .. ويشير.. إلى أن المعاملة السيئة التي لقيها العرب من الترك إبان حكمهم ، كانت من أهم الأسباب في قيام الفتن والثورات في السلطنة العثمانية .

وقد قامت الثورة العرابية لتؤكد حق المصريين من ضباط الجيش في المساواة بأندادهم من الترك والجركس ، ثم اتـسع مداها لتؤكد حق المصريين في المساواة المطلقة بالترك وتنكر حق استئثار الخديوي وبطانته ورجال دولته من الترك والأجانب بالسلطة دون أصحابها من المصريين .

بذور الثورة :

لقد كانت الظروف العامة في مصر قبل قيام  الثورة أسوأ ما تكون عليه ، اذ كان الشعب المصري يقاسي أشد أنواع الظلم ، وأبشع ألوان الاستعباد من حكم الأسرة العلوية ، إضافـة إلى أن البلاد كانت تعيش في أزمة اقتصادية عنيفة منذ أوائل عهد الخديوي إسماعيل نتيجة للديون التي أثقلت كاهل البلاد . ولم تكن تلك الديون لولا إسراف الخديوي   وتبذيره وفساد حكمه .. ومما زاد من سوء الأمور أن الخديوي قد رهن جميع موارد الدولة المالية ، كإيرادات الحكومة من السكك الحديدية ، وإيرادات الجمارك ومعظم أنواع الضرائب التي كانت تحصل من الشعب .

ومن أثر تلك الأزمة المالية للشعب .. أن الانهيار الاقتصادي في البلاد دفع الحكومة إلى فرض ضرائب جديدة غير عادلة على الفلاحين ، واستعملت وسائل بالغة القسوة في تحصيل هذه الضرائب مما أدى إلى سوء حالتهم .. وأصبحت البلاد على شفا الإفلاس ، وهنا أصبحت الفرصة سانحة للاستعمار الأجنبي لكي يتدخل .. وهو ماتم بالفعل لا حقا . 

 

أحمد عرابي :

ولد أحمد عرابي في 31مارس سنة 1841في (هرية رزنه) وهي قرية بقرب الزقازيق ، وكان أبوه شيخ البلد ، وهو من عائلة بدوية  استوطنت تلك القرية في عهد جده عرابي ، ولما شب وترعرع ، علمه أبوه مبادئ القراءة والكتابة ، وعهد إلى رجل يدعى ميخائيل غطاس كان صرافا في البلد تدريبه على الكتابة والأعمال الحسابية .. ثم أرسله والده إلى الجامع الأزهر لطلب العلم ، فمكث أربع سنوات أتم في خلالها استظهار القرآن الكريم وتلقى شيئا من اللغة والتفسير والفقه .

التحق بالعسكرية في العام 1854 جنديا بسيطا وعين كاتبا لأنه كان يجيد القراءة والحساب . وفي عام 1858 رقي إلى رتبة ضابط .. وتسلسل في الرتب العسكرية إلى أن أصبح برتبة قائم مقام في العام 1860 م .

بداية دعوته الوطنية :

كان لخطبة ألقاها سعيد باشا في (قصر النيل )  أثرها البالغ في نفس عرابي .. إذ كان حديث سعيد عن المصريين وقوميتهم وأنهم ظلموا واستعبدوا من قبل الغير من الأجانب .. وقد قال عرابي في هذا الصدد " أنه لما انتهى سعيد باشا من إلقائها –الخطبة – خرج المدعوون من الأمراء والعظماء غاضبين حانقين .. وقد دهشوا مما سمعوا … أما المصريون فخرجوا ووجوههم تتهلل فرحا واستبشارا ، وقال : أنه اعتبر هذه الخطبة أول حجر في أساس مبدأ  مصر للمصريين .

أسباب الثورة العرابية:

كان للثورة أسباب عدة ومتشعبة .. أهمها تذمر الضباط والجنود المصريين من المعاملة السيئة التي كانوا يلقونها على أيدي رؤسائهم من غير المصريين . وكانت العدالة معطلة والقضاة مسخرين يستعملهم الحاكم للتنكيل بالعناصر الوطنية ، لنفيهم خارج البلاد واستباحت رقابهم وحرياتهم دون حسيب أو رقيب .وكان هناك تعطيل للصحف الوطنية ، ولمجلس شورى النواب ، إضافة إلى حجم الضرائب الفاحش والذي كان يقع على كاهل المواطن البسيط لتسديد ديون الدولة  .

وإلى جانب هذه الأوضاع التي تعد كافية لتكون الشرارة التي تشعل الثورة .. كان المجتمع المصري مهيئا فكريا لتحطيم سلاسله بسبب انتشار التعليم منذ عهد محمد على .. إضافة إلى مساهمة الشعراء والأدباء والصحفيون في بلورة حس الشعب الوطني والثوري وبث روح العزة والمقاومة ك جمال الدين الأفغاني على سبيل المثال .

البداية :

كان ضباط الجيش  يتطلعون إلى رجل منهم يتولى زعامتهم وتوحيد كلمتهم للمطالبة بحقوقهم المشروعة . فوجدوا في عرابي ذلك الزعيم .. حيث توفرت فيه صفات الزعامة ، فقد كان ذو شخصية جذابة تؤثر فيمن حوله وتجذبهم إليه ، وكانت أقواله تقع من نفوس الضباط والسامعين موقع الإقناع . وهذا مظهر لقوة شخصيته .

ويمكن تحديد سنة   1881  لبدء زعامته العسكرية على معظم ضباط الجيش .. في هذه السنة كان عثمان رفقي يتولى وزارة الحربية ، وكان وحده من أسباب ظهور الثورة العرابية وآخر ما وقع منه .. أنه أصدر أمرا عبدا لعال حلمي إلى ديوان الجهادية وجعله معاونا بها – وهذا تقليل من شأنه – بعد أن كان قائدا  ل آلاي طره . كما أصدر أمرا آخر بفصل عبدا لغفار بك قائم مقام آلاي الفرسان وعين شركسيا بدلا عنه !! وكان لذلك الأمر أثره السيئ على الضباط العرب الذين اجتمعوا بأحمد عرابي في بيته وعينوه رئيسا لهم للمطالبة بحقوق الضباط الوطنيين .. واتفقوا على كتابة طلب إلى رياض باشا يطالبونه بعزل وزير الحربية عثمان رفقي باشا .

قدم عرابي وعبدالعال- من أعوانه – ذلك الطلب الذي يضم الشكوى إلى وزارة الداخلية في 17يناير 1881 م فطلب رياض باشا مقابلة الضباط الذين سلموا هذه العريضة . فحضر إليه في اليوم التالي عرابي وعبدا لعال حلمي  وعلى فهمي . وقد تبادل معهم رياض باشا  بعض الاستفسارات ، ثم طيّب خاطرهم ووعدهم بأن ينظر بالأمر .وعندما عادوا إليه بعد أسبوع للنظر فيما تم وجدوه غاضبا وهددهم من عاقبة تلك العريضة .

أمر الخديوي بوقف الضباط الثلاث  بحالتهم إلى مجلس عسكري .. وعلى أثر ذلك الأمر أرسل ناظر الجهادية بطاقات دعوة إلى عرابي ورفيقيه .. يدعوهم فيها إلى الحضور للمشاركة في احتفال جميلة هانم أخت الخديوي بمناسبة زفافها .. وكانت تلك حركة ذكية لاستدراجهم .. لمعرفة الجميع بشأن الظافر الضباط من العرب الأحرار مع عرابي ورفيقيه .

كانت تلك الدعوة مثيرة للريبة والشكك من قبل الضباط الثلاث .. مما جعلهم يشعرون بالخديعة وإن خادعاهم إلى ذلك – كما يقول عرابي – أن زمن الزفاف المحكي عنه لم يحن بعد ، فكانت هذه الحيلة سابقة لأوانها . وقد حدث ما كان متوقعا .. فقد ألقى القبض عليهم حال وصولهم وعرضوا على مجلس عسكري لمحاكمتهم إلا أن تدخل مؤيدي ومناصري عرابي عسكريا بقيادة محمد عبيد كان له أثره في إطلاق سراحه وزميليه .. وأدى الأمر إلى هروب أعضاء المجلس وحدوث بلبلة كبرى في صفوف العسكريين من غير المصريين . وقد أنتهي الأمر بإقالة رفقي  وتعيين محمود سامي البارود وزيرا للحربية بطلب من عرابي ورفيقيه .

وفي يوم 12 فبراير استدعى الخديوي جميع الضباط الكبار من رتبة أل بكباشي إلى رتبة الفريق إلى اجتماع بسراي عابدين  حضره أيضا محمود سامي وألقى خطابا عن محبته للجنود والاهتمام بأمورهم منذ توليه الحكم وأنه رغم تأثره من هذه الحادثة إلا أنه قد عفا ولم يبق في قلبه شيئا من آثارها .

أراد عرابي أن يجني ثمرة هذا الانتصار فتقدم مع زميليه إلى ديوان الجهادية بناء على رأي الآلات بالمطالب الآتية :

أولا- صرف النقود بدل التعيينات التي كانت تؤخذ من مخازن الجيش .. حفاظا على حقوق الجنود .

ثانيا- عدم استقطاع مرتبات الجنود .. في مدة إجازاتهم الطبيعية ما لم تتعدى ثلاثين يوما .

ثالثا – أن يؤخذ من الضباط والجنود نصف الأجرة في ركوب السكة الحديدية .

رابعا – صرف أثمان الملابس لإيقاف التلاعب في ورشة الترزية .

خامسا – سن قانون في الجيش خاص بالترقي .

سادسا – زيادة مرتبات جميع الضباط والجنود .

سابعا – سن قوانين شاملة للترقي والتقاعد والمكافآت والإجازات

ثامنا –إعادة أحمد بك عبدا لغفار قائمقام الفرسان إلى منصبه ، بعد فصله من قبل عثمان رفقي .

وقد تجاوب الخديوي مع معظم تلك الطلبات .

تأثرت هيبة الخديوي من جراء ما حدث وبدأ يبيت النية لمعاقبة عرابي والثوار .,. فكان أن اتجه إلى الدسائس .. حيث ظهر في صفوف العسكريين من حاول العصيان والتمرد وإحداث الفرقة .

وفي شهر يوليو وبينما كان الخديوي ينعم بالراحة في الاسكندرية .. دهمت عربة أحد الجنود فقتلته وفر قائدها اليوناني .. فحمل زملائه جثمانه إلى قصر الخديوي  لعرض الأمر عليه .. فغضب الخديوي لهذا الأمر وأمر بمحاكمة الجنود الذين أتو بجثة رفيقهم عسكريا ..فأدينوا وتعرضوا لأحكام قاسية . غير أن البعض قد استكبر أمر المحاكمة كعبد العال حلمي الذي احتج أمام وزارة الحربية على ذلك .. مما أثار غضب الخديوي الذي اتهم الجيش بالفوضى وأصدر أمره بعزل محمود سامي البارودي .. مع إخطار عرابي .. وتعيين صهره داود باشا خلفا له .

بدأ الخديوي عن طريق داود باشا  ينفذ خططه للقضاء على الحركة العرابية ..فقد أصدر داود يكن أوامره المشددة بمنع اجتماعات الضباط أو تركهم لمراكزهم العسكرية في الثكنات في أي وقت .. كما أمر بمنع تدخلهم في الأمور السياسية أو حتى التشاور والتناقش فيها ، كما حاول بكل الوسائل أن يقيد حرية الضباط الوطنيين وخاصة عرابي وعبدالعال حلمي وأحمد عبد الغفار .. ففرض عليهم رقابة شديدة من جواسيس الخديوي لتمنع اتصالهم بعضهم ببعض كما تمنع اتصالهم بالشعب لبث الدعوة الوطنية . كذلك هدد باعتقال كل من يخالف هذه الإجراءات ومعاقبته .

كانت تلك الإجراءات ترمي إلى الحد من نشاط عرابي والضباط الوطنيين وبالتالي يقضى تدريجيا على الحركة الوطنية . وقد كان من ضمن خطط داود للقضاء على الثورة نقل فرق الجيش الموالية لعرابي خارج القاهرة .. فقد أصدر أمره إلى إحدى فرق الجيش بالانتقال إلى الاسكندرية .. ولكن الضباط الوطنيين فطنوا إلى ان هناك مؤامرة من خلف ذلك الأمر .. فأجمعوا على رفض الأوامر . ووجد عرابي أن الفرصة قد حانت للقيام بمظاهرة عسكرية احتجاجية كبرى أمام قصر عابدين .

مظاهرة عابدين العسكرية :

في اليوم التاسع من سبتمبر 1881 سار الجيش في عرض عسكري كبير إلى ميدان عابدين حيث احتشدت فرقه المختلفة بأسلحتها وذخيرتها ، كما حضرت فرق المدفعية وذخيرتها .. وكانت قد احتشدت حول الميدان ألآلاف من جماهير الشعب .. وقد امتلأت نفوسها حماسا وحمية  مبعثهما جرأة الجيش ورهبة الموقف ، ومما زاد من سوء مركز الخديوي وجعل موقفه حرجا أن الحرس الخاص بالقصر قد ترك مراكزه وأنضم إلى قوات الجيش المحتشدة في الميدان والمحاصرة للقصر.

طالب عرابي الخديوي بتعيين وزارة وطنية يرضى عنها الشعب ، وتأليف مجلس للنواب يمثل الأمة ، وتقوية الجيش وزيادة عدده .. إلا أن الخديوي لم يجبه إلى شيء زاعما أنه ورث هذه البلاد أبا عن جد فرد عرابي بكلماته الشهيرة :

"لقد خلقنا الله أحرارا ولم يخلقنا تراثا وعقار . فوالله الذي لا إله هو إننا سوف لانورث ولا نستعبد بعد اليوم ". وقد لمح عرابي للسفير الانجليزي كوكسن الذي شهد الحدث بأنه لن يخضع للتدخل الانجليزي وأنه سيقاومه بكل قوة .  وقد بدأ تفكير الجيش بعد ذلك يتجه نحو عزل الخديوي إذا ما استمر في رفض المطالب التي عرضت عليه . ولكنه نزل عند رغبة الجيش وولى شريف باشا رئاسة الوزراء بطلب من عرابي  كما عين محمود سامي البارودي وزيرا للحربية .

آثار الثورة :

بدأت آثار الثورة العرابية وآثارها تظهر واضحة في شكل الإصلاحات الكثيرة التي قامت بها حكومة شريف الوطنية  والتي تمت في وقت قصير .

النهضة القضائية :

ومن هذه الإصلاحات .. تعديل النظام القضائي على أسس جديدة  سليمة ، وإنشاء المحاكم الأهلية ، وكفالة حرية القضاء وعدم التدخل في شئونه .

النهضة التعليمية :

حاولت حكومة شريف الوطنية إصلاح التعليم فخصصت له ميزانية كبيرة وأنشأت المدارس في مختلف أطراف البلاد وخاصة النائية منها . وتم تعميم التعليم الابتدائي في جميع أنحاء القطر المصري .

النهضة النيابية :

وقد كان قيام النظام الدستوري في مصر وإنشاء مجلس النواب من أهم آثار الثورة العرابية .

 

 

كفاح الشعب ضد التدخل الأجنبي :

كان لمجلس النواب دوره الفاعل حين أصر أعضاءه على مناقشة الميزانية والإشراف عليها .. رغم تحفظ شريف تجاه هذا الأمر  لأسباب سياسية ، وبعد مناقشات عدة .. قرر النواب بالجماع أن له سلطة الرقابة التامة على الميزانية ماعدا ما يختص بأداء الديون الأجنبية .. وكان أن استقال شريف باشا نتيجة الضغط الشعبي من جهة وعدم قدرته على التحرر من ضغط الانجليز ذوي الأطماع الاقتصادية .

النهضة الريفية :

كان أهم عمل لحكومة الثورة العرابية القضاء على السخرة قضاء تاما ، وتحريم ضرب الفلاحين وإلغاء الضرائب المجحفة ، وقيام المشاريع الزراعية التي حسنت من حال الفلاحين وإنتاجهم .

التدخل الأجنبي :

كانت انكلترا تخشى أن يقوم عرابي بعزل الخديوي فيكون ذلك فاتحة لتحريك الأوضاع في المنطقة العربية برمتها .. لذلك فقد نفذ سيمور ، قائـد الأسطول الانجليزي المرابط في ميناء الإسكندرية خطة تقضي باختلاق الذرائع للتدخل عسكريا .

وجه القائد المذكور احتجاجا إلى السلطات المصرية ، جاء فيه أن المصريين يرممون الحصون القديمة المواجهة لأسطوله .. واعتبر أن ذلك بمثابة عدائية لا يسعه السكوت عنها .

الخوف المفتعل من قوة هذه الحصون ، لم يكن سوى ذريعة للبدء بضرب الإسكندرية .. ووجه سيمور ثلاث مذكرات  يطلب فيها وقف العمل في الحصون ، وأجيب على أولى مذكراته بأن العمل موقوف فيها ، وأنه ليس هناك من نية لتطويرها أو تحسينها .

لكن سيمور سرعان ما أمر قواته بضرب الحصون وذلك في الساعة السابعة من صباح يوم الثلاثاء  الحادي عشر من يوليو سنة 1882 ، وانصبت مدافع الأسطول الانجليزي تزرع الموت والدمار في الحصون وفي الأحياء السكنية ، لاتميز بين موقع عسكري  ومنطقة مدنية . واستمر الجنود المصريون بالمقاومة اليائسة حتى تهدمت الحصون وتعطلت المدافع بفعل القصف المعادي المركز ، واستمرت الحالة على هذا المنوال حتى السادسة من مساء ذلك اليوم .

كانت الحصيلة .. ألفي قتيل مصري وخمسة قتلى فرنسيين .. ودمار  .

أخلى المصريون المدينة يوم 12 يوليو وغادرها القائد عرابي مساء اليوم نفسه ، قاصدا كفر الدوار لقيادة الجيش من هناك .. وأنشأ الاستحكامات التي اتخذها الجيش المصري معسكرا له ( معسكر كفر الدوار ) .

في صباح 13 يوليو .. نزل الجيش الانجليزي إلى أرض الإسكندرية .

موقف تركيا :

كان موقف تركيا منذ شبت الثورة العرابية منطويا على سوء نية .. فقد أرادت أن تتخذ من هذه الثورة فرصة لاسترداد امتيازات الاستقلال الذي نالته مصر . وكانت متذبذبة في تأييدها فتارة مع الخديوي وتارة مع العرابيين .

خلال الغزو كانت  المفاوضات تجري بالأستانة مابين اللورد دفرين سفيلر انجلترا هناك والباب العالي .. للاتفاق على إرسال جيش عثماني إلى مصر .. وكانت قصد انجلترا من تلك المفاوضات اطالت الوقت  لتعطيل ذهاب الجيش العثماني ولقمع الثورة .. وقد تذرعت إلى إطالة المفاوضات باشتراطها شروطا عدة هي :

ألا يتجاوز الجيش العثماني خمسة أو ستة آلاف جندي .

عدم دخول الجيش عن طريق البر .. أو ميناء الاسكندرية .

عرض خططه الحربية على القيادة الانجليزية .

التعهد بالانسحاب إذا ما جلى الجيش الانجليزي .

وقد رفضت الحكومة التركية تلك الشروط .. وكان ذلك سببا في تعطيل إرسال جيشها . وفي غضون ذلك طلب اللورد دفرين من سعيد باشا الصدر الأعظم أن يعلن السلطان عصيان عرابي وأن يقترن هذا الإعلان بالاتفاق على اشتراك الجيشين في مصر  . ولكن عرابي تعرض لهزيمة في مصر في واقعة التل الكبير مما جعل لورد دفرين يسارع بإبلاغ الباب العالي بهزيمة العرابيين وأنه لم يعد ثمة موجب لإرسال جيش عثماني لأن الجيش الانجليزي قد انتهى من مهمة إخماد الثورة .

كان عرابي يعتقد بأن السلطان العثماني يوافقه على كفاحه ضد الخديوي والاستعمار ، إلا أن الموقف كان عكس ذلك .. فقد أصدر السلطان بيانا وزع كمنشور في صفوف المصريين يتهم فيه عرابي بأنه خارج عن طاعة الله ونبيه وخليفته على الأرض .. مما أضعف الحال وزاد الأمور سوء في الكفة العرابية .

عندما عاد عرابي إلى القاهرة .. وجد أنه من العسير الدفاع عن القاهرة بألف جندي فقط … ! ورأى هو وصحبه بالخضوع والتسليم إلى الخديوي وحرروا وثيقة بذلك حملت تواقيعهم جميعا .

اعتقل زعماء الثورة العرابية .. والكثير من الضباط .. وحوكموا محاكمة عسكرية بتهمة عصيان الخديوي .. فكان الحكم على عرابي بالإعدام .. ثم خفف إلى النفي والمؤبد .. وكان ذلك الحكم دارجا على كل صحبه من رفاق الثورة .

أقام عرابي وستة من رفاقه في جزيرة سيلان وكانت حياتهم في المنفى حياة بؤس وحزن وشقاء .. إذ  انقطعت صلتهم بالناس وطال اغترابهم عن الوطن وقد قال البارودي في ذلك شعرا :

محا البين ما أبقت عيون المها مني

فشبت ولم أقض اللبانة من سني

عناء ويأس واشتيــاق وغربة

ألا شد ما ألقاه في الدهر من غبن .

في عام 1901 صدر عفو من الخديوي عن عرابي .. فعاد ليقضي عشرة سنوات في وطنه قبل أن يلقى ربه في 21سبتمبر من عام 1911 . وكانت عودته بواسطة الانجليز وادلاؤه بعد رجوعه بتصريحات فيها تأييد للاحتلال وسياسته .. ! سببا في استقبال الأمة له بالفتور والسخط في بلده .

رحم الله الجميع

 


 *رئيس دار المصدر الدولية للإعلام


Share

شارك اصدقائك هذة الصفحة على الفيس بوك

© 2008-2011  Daralmsdar.com. All Rights Reserved

powerd by ©2012 Kabsetzr

Powered by