ثورة مصر / والشرق الأوسط الجديد

د.صالح الشادي
" إن شعوب الدول الإسلامية تريد وتستحق الحريات ذاتها ، مثلها مثل كل بلد ، ومن واجب حكوماتهم الإصغاء إلى آمالهم . ".. بهذه العبارة ضمن ج.بوش خطابه الذي ألقاه في احتفالية مؤسسة الصندوق القومي للديمقراطية في الشهر السادس من العام 2003 . وكان يرمي إلى وضع مسوغات تبرر لأمريكا البدء في عملياتها العسكرية والمخابراتية لبدء مسلسل التغيير في منطقة الشرق الأوسط .. وقد عاد ليؤكد الأمر في خطابه اللاحق في نفس المؤسسة بمناسبة الذكرى 20 لإنشاء الصندوق وفي نهاية ذلك العام ، حيث قال : " إن التزامنا بالديمقراطية في الشرق الأوسط هو محور كلمة اليوم ، ويجب أن تتركز عليه السياسة الأمريكية خلال السنوات المقبلة ". وأردف قائلا : " طالما بقي الشرق الأوسط مكانا لاتزدهر فيه الحرية سيبقى مكانا للركود والعنف وعلى استعداد لتصدير تلك المشاعر .. الخ " .

كانت تلك ، نغمات تغيير قد بدأت تطرأ على فكر السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية ، والتي كانت تتبنى سابقا منطق جورج روكنان المخطط الإستراتيجي الأمريكي 1948 عندما قال :" نحن الأمريكيين نمتلك أكثر من خمسين بالمائة من ثروة العالم ، وبالرغم من أننا لا نشكل سوى ستة بالمائة من سكانه .. وعلينا أن نحافظ على هذا الوضع المختل لصالحنا ، وأن نضرب بالعواطف والمشاعر عرض الحائط / علينا أن نتوقف عن التفكير بحقوق الإنسان ورفع مستويات المعيشة ، وتحقيق الديمقراطية في العالم . " .
إن أهمية الشرق الأوسط بالنسبة للمخططين من الساسة الأمريكان كما هو معروف تكمن في أنه أغنى مناطق العالم على الإطلاق ، ففيه من الخيرات الزراعية ما لايحصى ، بالإضافة إلى الموارد الطبيعية وعلى رأسها البترول ، الذي قدر له أن يكون أكبر مصدر للطاقة الضرورية لتحريك العجلة الصناعية التي هي عماد الحضارة الحديثة .
وتعتبر منطقة الشرق الأوسط إلى جانب ما ذكر سوقا استهلاكية ضخمة للمنتجات الأمريكية فحجم التجارة العربية الأمريكية يتراوح بين 13-16 مليار دولار سنويا ، وتشكل الاستثمارات العربية حوالي 760مليار دولار في الاقتصاديات الأولية ، يستحوذ الاقتصاد الأمريكي على حوالي 14 بالمائة منها . كما تمثل المنطقة أهمية قصوى لمبيعات السلاح الأمريكي ، اذ تشتري حوالي ثلث مبيعات أمريكا من السلاح . إلى جانب عوامل جيوسياسية وأيدلوجية أخرى يطول ذكرها في هذا المقام . ولعل الهدف الاقتصادي الأكبر لأمريكا هو بناء اطار اقليمي مرتبط بها ويتكون من الدول التي تملك خزان النفط الرئيسي في العالم لضمان امدادات نفطية رخيصة ودائمة .
وعليه فقد أصبحت فكرة التغيير في الشرق ضرورة قصوى تنصب في نهاية الأمر في صالح أمريكا وأمنها القومي على المدى القريب والبعيد .. وخاصة بعد أحداث التسعينات المتلاحقة .. والتي توجت بحادثة الحادي عشر من سبتمبر في بدايات العقد الأول من هذا القرن . وكان محتوى الكتاب الذي يحمل مسمى ( الشرق الأوسط الجديد ) .. و الذي نشر عام في العام 1993 لمؤلفه ( شمعون بيريز ) هو الجذوة التي إضاءة الطريق أمام المخيلة الأمريكية لخلق ملامح التغيير وفكرته . إذ بين بيريز في كتابه أهم الأخطار التي تواجه الشرق الأوسط من أصولية وحركات دينية راديكالية ، يتوجب أن يواجهها نظام جديد قادر على تحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي ، وعلى اطفاء نيران التطرف الديني وتبرير رياح الثورة الساخنة وفق بعدين :
الأول : البعد الأمني والذي يتضمن توقيع معاهدات لتخفيض الإنفاق على التسلح لغايات الحفاظ على أمن وسلامة المنطقة .
الثاني : البعد الاقتصادي ويهدف إلى معالجة جذور الفقر واليأس التي تعتبر من المصادر الأساسية لانتشار الأصولية والحركات الراديكالية ، إذ لا يمكن الوصول الى تسوية سياسية فارغة من أية مضامين اقتصادية تعمل على اجتثاث الأسباب الرئيسة الكامنة وراء انتشار الأصولية والحركات الراديكالية .
ووفق تلك الرؤية ، فقد تم خلق نوع من التحالف الاستراتيجي الجديد مابين أمريكا واسرائيل بحيث تكون إسرائيل عقلا مفكرا لقيادة النظام الإقليمي ، عبر تحويله إلى قاعدة تقنية-إدارية قادرة على تنظيم المنطقة اقتصاديا ، إضافة إلى ضرورة إبقائها – وكما يرى الرئيس السابق (كلنتون) " ديمقراطية ، قوية ، وواحة للحرية " مع العمل على وقف انتشار الصواريخ في المنطقة . وعلى ذلك يمكن استخلاص الأهداف الأمريكية – الإسرائيلية المعلنة من وراء بناء نظام الشرق الأوسط – وكما يراها (إدوارد دجيرجيان ) مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق - فيما يلي :
- توحيد دول المنطقة اقتصاديا ، وتحوير جهودها نحو البناء والتنمية لتجاوز الصراعات والنعرات القومية فيها .
- تحقيق الرفاهية والرخاء لدول المنطقة ، وإحلال الديمقراطية كنظام حكم في النظام الشرق أوسطي باعتبار أن أنظمة الحكم العربية تمثل وتجسد الماضي ، وهي أنظمة سلطوية عسكرية مخالفة لمبدأ الحريات الذي يكفل عمليات التطوير والبناء .
- تخفيض النفقات العسكرية في المنطقة وطي صفحة الحروب والنزاعات ، وتوجيه تلك النفقات للبناء والتعمير ورفاهية الشعوب .
- إحلال السلام الذي لا يعني مجرد التوقيع ، بل تفعيل الاتفاقيات إلى مزيد من الانفتاح والتعاون بين دول المنطقة .
- مواجهة ما يسمى الحركات الراديكالية في المنطقة بهدف القضاء على ظاهرة الإرهاب لأن (بيريز) يرى " أن الأصولية تشق طريقها في كل بلد عربي مهددة بذلك السلام الإقليمي " . وقد جاء مؤتمر شرم الشيخ في 13آذار 1996 ليجسد البداية الحقيقية لمكافحة تلك الظاهرة .
- تعاون دول المنطقة في ميادين الطاقة، والمياه، والنقل ، والمواصلات .. الخ .
وفي العام 2004 تبلورت فكرة الشرق الأوسط الكبير من خلال قمة مجموعة الثماني للدول الصناعية في مدينة سي آيلاند بولاية جورجيا الأمريكية ، والتي شاركت بها إلى جانب أمريكا مجموعة من الدول الأوروبية والأفريقية ، واعتذر عن حضورها والمشاركة فيها زعماء مصر ، والسعودية ، والمغرب ، والكويت ، وباكستان .
وأخذت المبادرة التي تبنتها القمة خطة الشرق الأوسط وشمال أفرقيا في اعتبارها الانتقادات التي وجهت لمبادرة الشرق الأوسط الكبير التي سبق طرحها ، فتضمنت إقرارا بأن الإصلاح ينبع من الداخل ويختلف من بلد إلى أخر .
وجاء في الفقرة الأولى من مقدمة الصيغة الأخيرة وعلى لسان الدول الثماني : " نعلن دعمنا للإصلاح الديمقراطي والاجتماعي والاقتصادي المنبثق من المنطقة " . وذلك في إشارة واضحة إلى أن الإصلاح يعتمد على شعوب المنطقة ويجب عدم فرضه من الخارج . كما ورد ترحيب بتصريحات دول المنطقة حول الإصلاح حيث أشير إلى ما صدر عن قمة تونس ، ومؤتمر الإصلاح في الإسكندرية ، ومؤتمر صنعاء ، فضلا عن لقاء المنتدى الاقتصادي الدولي في البحر الميت .
ووفق مانشرلاحقا فقد اعتمد مشروع الإصلاح على ثلاثة ركائز رئيسة :
أولا : تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح :
حيث أكد المشروع أن الديمقراطية والحرية مفقودتان الى حد بعيد في الشرق الأوسط ، وعلى ضوء ذلك تلتزم مجموعة الثماني بعدة أمور .
1- مبادرة الانتخابات الحرة .2- الزيارات المتبادلة والتدريب على الصعيد البرلماني للمساعدة في (دمقرطة ) دول الشرق الأوسط الكبير . 3- دعم وسائل الإعلام المستقبلية والمستقلة . 4- تشجيع مبادئ الشفافية ومكافحة الفساد . 5- دعم منظمات المجتمع المدني بالمنطقة وتفعيلها وخاصة المعنية بحقوق الإنسان والمرأة .
2- ثانيا : بناء مجتمع معرفي :
حيث أوضح المشروع الإخفاقات لدول المنطقة في مواكبة العالم الحديث ، وطرح سلسلة من الأفكار للارتقاء بمستوى التعليم تضمنت فكرة توسيع مدار الاكتشاف التي تستخدم التقنية الحديثة ومناهج التعليم المتقدمة ، الى جانب دعم التعليم عبر الانترنت وتجسير الهوة الحاسوبية بين المنطقة ودول العالم .
ثالثا : توسيع الفرص الاقتصادية :
حيث ركز المشروع على أن مفتاح التحول سيكون بإطلاق قدرات القطاع الخاص في المنطقة ويتمثل ذلك بعدة مبادرات منها : مبادرة النمو ، وتتمثل في إقراض المشاريع الصغيرة ، والمشاركة في مؤسسات مالية شرق أوسطية للمساعدة على تنمية المشاريع .. ومنها : مبادرة التجارة ، والتي تدعو إلى الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية ، وتحسين التبادل التجاري ، والتصنيع ، وتفعيل التعاون البيني بين رجال الأعمال .
ويمكن القول بأن مشروع الشرق الأوسط الكبير هو عملية فك وتركيب لكيان هذه المنطقة .. عملية تطال البنى الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية برمتها .. لا تبقي ولاتذر ، وتهدف إلى إعادة تشكيل العقل العربي ، وصياغة الإنسان المسلم والعربي وفق معيار أمريكي . كما يتجه المشروع إلى تحديث وتقريب التشريعات الاجتماعية ، وتطوير فلسفة التعليم ، وتمكين المرأة ، وتغريب الشباب ضمن فكرة التغيير على منظومة القيم الجديدة .وقد تم تبني النموذج التركي ليكون الشكل المقترح للصورة العامة التي ينبغي أن يكون عليها الحال في المنطقة واتخذت في هذا الصدد العديد من الإجراءات المتلاحقة سياسيا وإعلاميا وثقافيا ، وتم تكريس العديد من القنوات الفضائية ذات الواجهة العربية لخدمة الرؤية الأمريكية عبر الغسيل الدماغي المنظم ولتهيئة الشعوب في المنطقة للتغيير المتدرج و الشامل .
وقد جاء توقيت المبادرة الأمريكية للشرق الأوسط الكبير بعد عام من نهاية العلميات العسكرية لغزو العراق ، استعداد للمرحلة الثانية في خطة التغيير الشامل التي تبنتها أمريكا ووافقتها عليها معظم دول العالم الكبرى وفق لقاءات واتفاقات سرية ومعلنة أوكلت بموجبها أمريكا بالبدء بعمليات التحويل والتبديل والتغيير وحسب الخطة الموضوعة لكل دولة من دول المنطقة .
ردود فعل الحكومات العربية تفاوتت إزاء المشروع الأمريكي مابين رافض ومتحفظ ومساير .. وفي هذا الصدد أكد بيان سعودي مصري صدر من الرياض عقب إعلان المشروع عن عدم قبول زعماء البلدين لفرض نموذج إصلاحي بعينه على الدول العربية والإسلامية من الخارج ، مؤكدين أن الاهتمام بتحقيق الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط يستلزم إيجاد حلول عادلة ومنصفة لقضايا الأمة العربية والإسلامية وعلى رأسها القضية الفلسطينية وقضية العراق . كما أشار البيان إلى أن الدول العربية تمضي على طريق التنمية والتحديث والإصلاح بما يتفق مع مصالح شعوبها وقيمها وتلبية لاحتياجاتها وخصوصيتها وهويتها العربية .
كما رفضت سوريا المشروع ، حيث أكد نائب الرئيس السوري خدام – قبل انشقاقه عن النظام السوري – بأن " أي مدخل للتعاون بين العرب وغيرهم حول الإصلاح يجب أن ينطلق من قضية الاحتلال الإسرائيلي وتطبيق قرارات الأمم المتحدة . فيما أعلن الرئيس رفيق الحريري صراحة عن رفضه الكامل للمبادرة وأعلن عن مخاوفه من تطبيقها .. ولم يمض القليل من الوقت حتى انتقل الحريري إلى بارئه من خلال ذلك التفجير الشهير الذي أودى بحياته .. لتدخل لبنان في منعطف سياسي آخر .. أما ليبيا فقد جنحت إلى إعادة المياه الى مجاريها وبطريقة دراماتيكية عجيبة .
وكان رأي قطر واليمن وغيرهما من الدول العربية هو التعاطي مع المشروع بحذر بعد دراسته بشكل متأن ..إذ صرح خارجية قطر بتأييده لفكرة المبادرة وعدم رفضها ، وكان تعليق الرئيس اليمني حولها هو : (علينا أن نحلق رؤوسنا قبل أن يحلقوا لنا ) .
إذن فتغيير الأنظمة داخل المنطقة الشرق أوسطية قائم- كما أجمع المحللون في قراءات ودراسات عديدة نشرت على مدى سنين من العقد المنصرم - ولكن بوسائل مختلفة. كما ذكر المحلل نعيم الأشهب في كتابه الذي صدر عام 2005 (مشروع الشرق أعلى مراحل التبعية ) .. : " فإذا كان استخدام الحرب في العراق هو وسيلة التغيير من أعلى ، فإن مشروع الإصلاح الأمريكي المطروح هو بمثابة وسيلة لتغيير النظم من أسفل ، وهي نفس الطريقة التي أتبعت لزلزلة النظام السوفيتي السابق ، فعندما حاول جورباتشوف إصلاحه أدى ذلك الى انهياره وتفككه ، فعملية الإصلاح إن لم يتم إدارتها بجدية ، فقد تؤدي إلى حالة انهيار وفوضى " .
وكا يرى المراقبون أيضا، فإنه بقدر ماعجزت الحكومات العربية عن الاستفادة من التشخيص الذي قدمته تقارير التنمية الإنسانية ، وكان بمثابة جرس إنذار يدق عالميا ، ويضم السماح بما ورد فيه من اعراض لمرض عضال تستدعي التغيير وتنادي بالإصلاح العاجل والسريع ، فإن القوى الخارجية وجدت ضالتها لاستغلال ماورد به من نواقص ، لكن بدور هجوم المبادرات الإصلاحية الذي أخذت تشنه بطريقة مدروسة ومحسوبة على الجبهات السياسية والإعلامية ولأهداف متباينة في مغزاها .
المراقب لتطورات الأحداث خلال العقد الماضي يلحظ بأن هناك جهودا كثيرة تبذل لتحويل ذلك الحلم الأمريكي الى حقيقة .. فالدعم الضخم الذي حظيت به الكثير من المؤسسات الإعلامية الخاصة إخبارية كانت أم منوعة .. وتفعيل دور المنظمات الحقوقية ، وتسريب الوثائق التي من شأنها أن تخلق استعدادا نفسيا وتهيئة شعوبية للتغيير .. قد أتى أكله ولازال ، وما التطورات الدراميكية التي تشهدها الساحة العربية الآن الا مشهدا من مشاهد التغيير .. وهي مشاهد قد عهدها العالم من قبل .
فالمتابع لمجريات تاريخ السياسة الأمريكية الخارجية يتبين له بأنها أطاحت بالكثير من الأنظمة المنتخبة خلال الحرب الباردة ، كما حدث مع حكومة محمود مصدق في إيران عام 1953بانقلاب عسكري هندسته وكالة الاستخبارات الأمريكية ، وكذلك بإسقاط حكومة السلفادور اللينوي في تشيلي في سبتمبر 1973. وغيرها وصولا الى التغييرات قريبة العهد التي فصمت الباكستان ،وقسمت العراق ، وقصمت السودان، وصولا الى ماجرى ويجري في تونس ، ومصر .. والبقية تأتي .
رئيس دار المصدر الدولية للإعلام *